نساء يتسابقن لحجز مكان في مساجد تضيق بأعدادهن في رمضان

المهرولات إلى صلاة التراويح

الأربعاء 02 شتنبر 2009 - 20:48
* المساجد تغص بالمصلين في شهر الصيام

منذ اليوم الثاني من شهر رمضان، لوحظ إقبال كبير للنساء على أداء صلاة العشاء والتراويح في مساجد مدينة الدار البيضاء.

إذ يسرن مهرولات في الطرق المؤدية إلى المساجد التي اخترنها، فرادى أو جماعات، غالبا ما يتحملن مشقة قطع مسافة طويلة، أو متوسطة، تفصل بين المسجد وبيوتهن، يحرصن خلالها على الهرولة إلى بيت الله لحصد مزيد من التواب وإشباع حاجتهن الروحية لسماع صوت إمام رخيم، والتضرع إلى الله ودعائه لتقبل صلاتهن وصيامهن، والسؤال عن قضاء حوائجهن وحفظ ذواتهن وأنفسهن من أي أذى.

موازاة مع هذا الإقبال الملحوظ على أداء النساء للنوافل، والإكثار من التعبد في المساجد بشكل أكبر في شهر الصيام، فإن جل الفضاءات المخصصة لصلاة النساء في المساجد تصبح عاجزة عن استيعابهن، لعدم تناسبها مع أعدادهن، مقارنة بتلك المخصصة للرجال، إذ يتحملن ارتفاع درجات الحرارة، مع ضعف التهوية والمراوح وتواضع التجهيزات.

فلنتعقب خطى بعضهن من نقطة البداية إلى النهاية، أي من خروجهن من بيوتهن إلى عودتهن إليها.

"فاطمة، فتيحة، نعيمة، يا الله أختي دغيا، راه يا الله تشدي بلاصتك، فحال والو اليوم يكون الجامع عامر بالناس اكثر من البارح". كانت عقارب الساعة تتجاوز الثامنة مساء من اليوم السادس من شهر رمضان، حين طلبت إحدى المصليات من رفيقاتها الاستعجال للتوجه إلى مسجد القدس، التابع لحي الولاء في الدار البيضاء، للظفر بمكان فارغ في زاوية مناسبة يضمن فيها قيامهن المريح، تحت مروحة تمدهن بقليل من الهواء في فضاء ترتفع فيه درجة الحرارة بشكل مفرط.

في الطريق المؤدي إلى المسجد، ظهرت أفواج بشرية من المصلين، نساء ورجال وشبابا، وحتى الأطفال والرضع يصاحبون أمهاتهم إلى المسجد، تظهر بينهم النساء أكثر حرصا على الإمساك بحقائب بلاستيكية، متنوعة الألوان والأشكال، كثيرها من النوع الشفاف الكاشف لما تحتويه من أشياء، بعضها عبارة عن سجاد صلاة وقارورات ماء وأكواب بلاستيكية، وبعضهن يحملن قنينة ماء من حجم 5 لترات، غير آبهات بثقل حجمها.

كانت حركة مختلفة تدب خارج البيوت باتجاه المساجد، في أجواء مميزة واستثنائية، استعدادا للصلاة.

رغم الظلمة، التي تسود عددا من الأزقة، وضعف الإنارة العمومية في الشوارع المؤدية إلى المسجد، كان من السهل الاهتداء إلى حسن لباس المصلين من الرجال، الذين يرتدون قمصانا طويلة، أغلبها ذات لون أبيض، ونعالا صيفية، بعضها بلاستيكي، وبعضها الآخر جلدي. قليل منهم من يصطحب معه سجادته الخاصة، بينما تظهر النساء بألبسة تقليدية، غالبا ما تكون جديدة، وهي عبارة عن جلابيب تقليدية، أو عباءات شرقية.

وكمن يتفادى الإمساك به من قبل شخص يتعقبه في الطريق، تسرع النساء خطاهن، ويهرولن في الطريق، ملوحات بأيديهن لسائقي السيارات بالتمهل، لمنحهن أسبقية المرور في أجواء زحمة الطريق، وارتفاع أصوات منبهات السيارات.

عند الاقتراب من محيط المسجد، تعالى صوت المؤذن بالتكبير مناديا إلى صلاة العشاء، فزادت سرعة المصلين، كمن يتسابق لبلوغ جنبات المسجد، الذي امتلأ عن آخره بالمصلين، واختلط كثير منهم بالباعة المتجولين، الذين يكدسون عرباتهم، وبغالهم، وحميرهم، وسياراتهم على بعد خطوات قليلة من المدخل المخصص للرجال، بينما تحاذي سلعهم وبضائعهم مدخل النساء، ولا تبعد عنه إلا بخطوتين.

وبخلاف يسر وسلاسة ولوج المصلين الرجال رحاب مسجد القدس، لفضائه الفسيح وتعدد مداخله، فإن الأمر كان أقل يسرا بالنسبة إلى النساء لولوج المدخل الخاص بهن وبلوغ الطابق العلوي من المسجد.

عند مدخل هذا المسجد ينتهي إلى سمع المصليات الوافدات صوت خافت صادر عن امرأة مسنة، سمراء البشرة، رسمت عوامل الزمن أخاديد متنوعة الأحجام على وجهها ويديها، وهي تقول "وا العيالات، حيدو صنادلكم تحت، قبل ما تطلعو في الدروج"، وكررتها بهدوء مرات عدة، وكأنها لازمة لا بد من ترديدها في هذه اللحظات. ويستند مبرر هذا "التحذير الصوتي" إلى وجود "موكيط" في منتصف الأدراج المؤدية إلى فضاء مسجد النساء، لونه رمادي، مثبت على كل درج بقضبان حديدية، رقيقة السمك.

في هذه الأثناء، انحنت جميع النساء، كما في وضعية الركوع، ومدت كل واحدة يدها إلى صندوق من الحجم الكبير، وضع عند مدخل المسجد، تبحث داخله عن كيس بلاستيكي لتضع فيه حذاءها أو نعلها، وتصطحب النساء معهن هذه الأكياس ويواصلن صعودهن.

بعد خطوات قليلة، ظهر مسجد النساء مكتظا بأعداد المصليات، من مختلف الأعمار، تنتشر فيه رائحة خاصة يصعب وصفها، لكنها، في الأغلب، ناتجة عن ازدحام المصليات، واختلاط الغازات والأنفاس في هذا الفضاء، الذي أضحى هواؤه ملوثا، مع اشتداد تعرق النساء، وارتفاع إفرازهن لثاني أوكسيد الكاربون، موازاة مع ضعف وصول الأوكسجين إليه.

بدا الفضاء غير قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من المصليات، ومراوحه المتواضعة عاجزة عن ضمان تبريد أجوائه، من فرط الحرارة، وقصور النوافذ عن لعب دور بديل.

وقف عدد من المصليات متصلبات في أماكنهن، وهن يدققن في تفاصيل جنبات المسجد، عل أعينهن تقتنص "ثغرة" لأداء الصلاة إلى جانب أخريات. أغلبهن يرفضن التوجه إلى أبعد نقطة من المسجد، بسبب ارتفاع درجة الحرارة داخله، التي قد تصل إلى 40 درجة. وتبعا لهذه العوامل، اضطر عدد من النساء لأداء الصلاة بمحاذاة مدخل بيت النظافة المخصص لهن، بينما استمرت أخريات في مواصلة البحث عن مكان فارغ، في حين، تطوعت أخريات لتوزيع الماء الشروب على مصليات، طلبن سقيهن، وهن يجففن ما تساقط على وجوههن من قطرات العرق.

في اللحظة التي أعلن فيها الإمام عن الشروع في الصلاة، قامت الجالسات من المصليات، رتبن سجاداتهن، وأخذن ينظمن وقوفهن في الصفوف، لتكون متراصة، حتى أن بعضهن اختلفن في طريقة هذا التنظيم.

"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، باسم الله الرحمان الرحيم، الحمد لله ربي العالمين"، هنا شرع الإمام في الصلاة، انضبطت النساء في الوقوف، وصمتن عن اللغو، وتابعن تلاوة الإمام للآيات القرآنية في سكون، كان لا يكسره إلا صوت المصلين الرجال، في الأسفل، وهم يرددون جماعة "آمين" بعد انتهاء الإمام من سورة الفاتحة، في جو روحاني يبعث على الخشوع والتركيز في "تذوق" الآيات الكريمة.

بحكم التراص بين المصليات، كان من السهل على كل مصلية الاستماع إلى دعوات اللواتي بجانبيها خلال الركوع والسجود، إذ يسألن الله المغفرة لذنوبهن وتمتيعهن بالصحة والعافية، وتحقيق أمانيهن، وتفريج كربهن، مع تقبل صلواتهن وصيامهن.

خلال تأدية الصلاة، لم تكن النساء يكففن عن تجفيف عرقهن من فرط الحرارة، ويستغلن فترة التسليم بين كل ركعتين لشرب الماء والارتواء من القارورات التي جلبنها معهن.

مقابل ذلك، لم يستطع قليل من النساء إتمام صلاة التراويح بسبب عجزهن عن تحمل الحرارة المرتفعة، وشعورهن بالاقتراب من الإغماء، فأخبرن مرافقاتهن بانسحابهن لاستعادة راحتهن، مع انتظارهن عند مدخل المسجد.

"سبحانك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين"، هنا ختم الإمام صلاة التراويح، ففتحت صفوف المصليات، وأخذت النساء يتسارعن للخروج قبل اشتداد الازدحام على المخارج، بينما فضلت أخريات الجلوس في جماعات يتبادلن الحديث، في انتظار أن يخف "صبيب" المصليات نحو المخرج، وظلت أخريات يراقبن خروج المصليات من مستوى مرتفع من الدرج.

كانت النساء يلتصقن ببعضهن البعض وهن يغادرن المسجد، تودعهن محافظة المسجد "مي مباركة" ورفيقتها الشابة، وهي تحثهن على الالتزام بعدم ارتداء الحذاء إلا عند بلوغ آخر درج، مع إعادة الكيس البلاستيكي إلى مكانه في الصندوق. كان بين النساء من يلتزمن ومن يتخلفن عن فعل ذلك، إلا أن أغلبهن كن ملتزمات بذلك.
ما إن تبلغ المصليات آخر درج، حتى ترتفع أصوات النساء والرجال من الباعة المتجولين، كل واحد منهم "يدلل" بضاعته أملا في ابتياعها من قبل المصلين، "أكياس 10 دراهم، خرقة 100 دريال، عصير 10 دراهم..." فتدب حركة مختلفة تماما عن سابقتها، فيها تتعالى أصوات مشهرة الأثمان والتخفيضات، وفيها يسعى المصلون إلى أخذ بعض من حاجياتهم إلى البيت.

من بين المشترين مصلون ومصليات، كثير منهم يغادرون المكان في طريق العودة إلى بيوتهم جماعات أو فرادى، تمتلئ بهم، مجددا، كل الأحياء والطرقات، يبدو أنهم يشعرون بغبطة كبيرة بعد لحظات من التأمل في القرآن الكريم، شعروا خلالها بالقوة والعزة، كما أحسوا بخوف من الله وبحاجة إلى طلب مغفرته، وقد تضاعفت همتهم للعبادة والإقبال على الله، وعلى كثرة الإلحاح عليه ليعينهم على الذكر والعبادة.




تابعونا على فيسبوك