وضع جلالة الملك، في خطاب الذكرى 56 لثورة الملك والشعب، خارطة طريق لإصلاح شامل وبنيوي لقطاع العدل، الذي يعتبر واحدا من الأوراش الحيوية، التي ترهن الخيارات الكبرى، للبلاد والعباد، في الحال والاستقبال.
خصوصا إذا علمنا أن القضاء يواجه تحديات جسيمة، لمواكبة التحولات الداخلية المتنوعة للمجتمع المغربي، وأيضا لمواجهة الإكراهات المرتبطة بالاستثمار، على الصعيدين الوطني والدولي، تحديات تلزم القطاع باستيعاب كل هذه التحولات، إذا ما أراد الانخراط في المسار التنموي إلى أبعد حدوده الممكنة، وتجنب السقوط في اللعب في حالة شرود.
في الخطاب السامي إلى الأمة، دعا صاحب الجلالة الحكومة إلى "بلورة مخطط متكامل، ومضبوط، يجسد العمق الاستراتيجي لإصلاح القضاء"، وشدد جلالته على أن المحاور الأساسية لهذا الإصلاح تتمثل في تعزيز ضمانات استقلال القضاء، وتحديث المنظومة القانونية، وتأهيل الهياكل والموارد البشرية، والرفع من النجاعة القضائية، وترسيخ التخليق، وحسن التفعيل.
صحيح أن هناك مجموعة من القوانين، رأت النور، من شأنها مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب، من تطور اجتماعي واقتصادي وثقافي، من قبيل مدونة الأسرة، وقانون المسطرة الجنائية، ومدونة الشغل.
بيد أن هناك أوراشا كبرى مازالت في الانتظار، لترسيخ انفتاح القضاء على محيطه المجتمعي العام، بما يكفل سيادة مناخ الثقة بين القضاء والمجتمع.
وتتمثل الأهمية القصوى لهذا الورش، باعتبار أن القضاء يشكل قاطرة للإصلاح، الذي تنشده البلاد، من أجل تحقيق المزيد من التحديث والعصرنة، والتوثيق والشفافية والانفتاح، في التزام دائم بسيادة القانون، ومساواة كل المواطنين أمامه، ووضع حد لكل مظاهر الإفلات من العقاب، ليكون الجميع سواسية، من الوزير إلى المدير إلى الغفير، وكل مكونات المجتمع، لا فرق بين كبير أو صغير، إلا بالاحتكام إلى القانون، الذي يجعل من العدل، حقا وحقيقة، ملاذا للمظلومين، يحميهم من أي تعسف للظالمين.
وهذا لن يتأتى إلا بالإصلاح العميق والشامل للقضاء، الذي دعا إليه الخطاب الملكي، وبضمان استقلاله، وبكلمة، ما يمكن أن نسميه "الأمن القضائي"، الذي يعتبر رافعة تساعد، بصفة فعالة، على توطيد أسس الديمقراطية، وترسيخ الثقة اللازمة لتحفيز الاستثمار والنهوض بالتنمية.
إن إصلاح القضاء، في المنظور الملكي، هو الذي يعطي المعنى العميق لمسيرة بناء الدولة المغربية العصرية، على أسس الملكية الدستورية الديمقراطية والاجتماعية، القائمة على توطيد دولة الحق والمؤسسات، والالتزام بمبدأ فصل السلط، وترسيخ سيادة القانون، وإقامة العدل والإنصاف والأمن والطمأنينة والاستقرار، وحماية الحقوق والحريات الفردية والجماعية.
تبقى مسألة أساسية، تتعلق بأجرأة إصلاح القضاء، فمهما كانت وجاهة أهدافه الاستراتيجية، يقول جلالة الملك، فلا ينبغي أن تحجب عنا حاجة المواطنين الملحة في أن يلمسوا عن قرب، وفي الأمد المنظور، الأثر الإيجابي المباشر للإصلاح.