تشهد منطقة طنجة خلال شهر يوليوز الجاري، نشاطا متميزا، يتمثل في إنجاز ورشين مهمين، يتعلقان بالتنقيب الأثري انطلاقا من موقعين تاريخيين، الأول، يعرف باسم "البنيان" يقع في منطقة "الجوامعة" على طريق تطوان طنجة، والثاني هو موقع "أقواس برييش" الواقع بين طنجة وأص
ونوهت جمعية "رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين" في جهة طنجة - أصيلة، بالعملية، فأنجزت تقريرا حول مشروع التنقيب الأثري بطنجة وأصيلة، لاعتبارهم إياها خطوة نحو المحافظة على المواقع الأثرية التي تزخر بها المنطقة، كما تحدث أحد الأساتذة الباحثين في المجال، من المشرفين على العملية لـ"المغربية" عن أهمية تحرك المسؤولين في اتجاه المحافظة على التراث الأثري للمنطقة، سيما منه المعسكرات الرومانية التي تزخر بها الجهة الشمالية، يمكن استغلالها في المجال السياحي والتنموي لتنعكس إيجابيا على الحياة الاجتماعية والاقتصادية لسكان المناطق القروية القريبة منها.
وورد في التقرير المفصل حول عملية التنقيب، الذي توصلت "المغربية" بنسخة منه، أن فريقا أركيولوجيا مكونا من 14 طالبا باحثا وأستاذين من جامعة عبد المالك السعدي، تحت إشراف الباحث المغربي محمد حبيبي، تجري عملية التنقيب في الموقع الأثري "البنيان" في جماعة "الجوامعة"، وذلك في إطار أول خطوة على صعيد الجامعة المغربية، يدخل طلبة ماستر علم الآثار التابع لجامعة عبد المالك السعدي بتطوان غمار تجربة التنقيب عن الآثار في موقع "البنيان" بجماعة الجوامعة - عمالة الفحص أنجرة.
وفي هذا الإطار، أوضح محمد حبيبي، مسؤول عن "ماستر الأركيولوجي" في جامعة عبد المالك السعدي في تطوان، لـ"المغربية"، أن "المشروع يندرج في إطار برنامج بحث أثري طويل المدى، خاص بتكوين طلبة "ماستر علم الآثار" في جامعة عبد المالك السعدي، ويهم إجراء مسح أثري على صعيد كل منطقة شبه الجزيرة الطنجية لضبط المنظومة الدفاعية الرومانية خلال الفترة الرومانية المتأخرة، مبينا أن فتح هذا الورش سيتيح لطلبة الماستر الاشتغال ميدانيا.
وتحدث عن أن عملية الحفريات انصبت على الباب الرئيسي للمعسكر من جهة الغرب، وقطاع وسط المعسكر استنادا إلى المعطيات الخاصة بتكوين المعسكرات، حيث يفترض أن يكون مركز القيادة العسكرية الرومانية، حيث وقف الطلبة على ضخامة بناية باب المعسكر وشكله الهندسي المثير للانتباه، إلا أن فريق البحث لم يستطع بعد تأويل النتائج التي توصل إليها، إذ لايزال في مرحلة تدوين المعطيات قبل المرور إلى مرحلة الدراسة والمناقشة والتأويل.
وذكر حبيبي أن الموقع الأثري المذكور، يمثل حلقة ضمن سلسلة دفاعية خلال المرحلة التي انسحب فيها الرومان من الجزء الجنوبي من "موريطانيا الطنجية" نحو الشمال، وذلك إلى جانب معسكرات أخرى ذات أهمية تتواجد شمال نهر اللوكوس، (كالصوير) قرب "اخميس بني عروس"، و"تابيرني" في مفترق الطرق الجيلالية قرب "إثنين سيدي اليمني"، و"الغندوري" بطنجة، إذ يرتبط ذلك الحزام الأمني بوجود أبراج للحراسة موزعة على المسافات الفاصلة بين تلك المعسكرات.
وقال إن الموقع، الموجود بجوار الطريق الرئيسية طنجة- تطوان على بعد كيلوميترين من "حكامة" شرقا، يتميز بكونه يمثل أحد المعسكرات الرومانية التي تؤرخ للمرحلة الرومانية المتأخرة، تحدث عنه "شارل تيسوط" القنصل الفرنسي سنة 1876، والإسباني "ميشيل طارديل" الذي أنجز حفريات محدودة فوق ترابه، ما مكنته من تحقيب الموقع. وحسب المعطيات التي توصل إليها، فإن المعسكر يعود إلى القرن الثالث بعد الميلاد، وقد تم التخلي عنه في نهاية القرن الرابع الميلادي.
وأشار إلى أن الموقع حافظ على خصائصه الرومانية لأنه لم يشهد عملية استيطان خلال مرحلة الفتح الإسلامي، فمن حيث الشكل الخارجي، يتخذ المعسكر شكل مدينة صغيرة ممتدة على مساحة ثلاثة هكتارات، محاطة بسور ضخم تتخلله أربعة أبواب على الجهات الأربع معززة بأبراج الحراسة.
وعلى مستوى التكوين الداخلي، تبين وجود حجرات ضمن مكونات عمرانية يفترض أن تكون مركزا للقيادة، مما يثبت أهمية الموقع العلمية، بالنظر لما يقدمه من معطيات جديدة حول المنظومة الدفاعية لدى الرومان، ومعطيات أخرى تجارية واقتصادية يعززها وجود أدوات ومواد أثرية تم العثور عليها. ومن الأشياء التي عثر عليها رغم محدودية التنقيب الذي لم يصل إلى طبقات أعمق، وجود خزانات للمياه وحمامات.
ويرى محمد حبيبي أن الموقع الذي لا يزال مهملا، يتوفر على مميزات متعددة تؤهله للمساهمة في إثراء التاريخ المغربي بمعطيات جديدة، والمساهمة في الدور التنموي لفائدة المنطقة مستقبلا، وذلك لوقوعه بجوار الطريق الرئيسي والمدينة المستقبلية "اشرافات"، كما أنه يوحي باكتشافات مهمة نظرا لوجود طبقات أعمق.
يشار إلى أن مشروع التنقيب الأثري، يأتي تنفيذا للاتفاقية الموقعة بين وزارة الثقافة وجامعة عبد المالك السعدي، وهي مبادرة تعد الأولى من نوعها على الصعيد الوطني في تطوان. وتنص الاتفاقية على إنجاز البحث على ثلاث مراحل خلال ثلاث سنوات، ثم تجديد الرخصة إن اقتضى الأمر ذلك لاستكمال عملية التنقيب، خصوصا أن الموقع محاط بمواقع أخرى ملحقة به داخل الحوض الموجود بالمنطقة على ضفاف الأنهار، حيث توجد آثار الضيعات الفلاحية.
ويجدر بالذكر أن الأستاذ محمد حبيبي، يعد من الذين يولون الأهمية للتراث التاريخي والحضري لمنطقة الشمال، وهو من مواليد طنجة سنة 1957، وخريج جامعة السوربون سنة 1993، يتقلد، حاليا، مهمة الأستاذ المسؤول عن "ماستر علم الآثار" بجامعة عبد المالك السعدي، وسبق له أن تقلد مهام محافط المتحف الأثري بطنجة لمدة 13 سنة، ومحافظ مدينة ليكسوس لمدة 10 سنوات، كما له دراسات وأبحاث في مجال علم الآثار.