جلس إبراهيم مبروك القرفصاء، وبرقت عيناه ببريق ينم عن معاناة دفينة، لينبس بكلمات لم تتجاوز حد التعبير عن رغبته الكبيرة في مد العون إلى أسرته المحكوم عليها بالإفراغ.
كان إبراهيم مبروك يمسك بعكازه على نحو يوحي أن الرجل لا يستطيع الاستغناء عنه، وهو جالس على عتبة "براكته" الصغيرة بحي لوبيلا في الدار البيضاء ذات مساحة لا تتجاوز مترين مربعين وبعلو متر ونصف، يبتسم ابتسامة خفيفة تنطوي على أمل في مساعدته.
كان إبراهيم عاجزا عن السير بشكل طبيعي، بعدما انتفخت إحدى رجليه (كان شكلها مثيرا للشفقة)، ليجد نفسه مجبرا على صرف الوقت في الجلوس لفترات طويلة في "براكته"، وإن كان الجو فيها قاتما بسبب ضيق مساحتها وما يعتريها من اهتراء، غير أن الفراغ الذي يعيشه ووضعه الصحي المزري لم يدعا له خيارا غير ذلك.
فيما كان إبراهيم يستند على عكازه، كان فضاء "الكوري" (اسم يطلق السكان على دور الصفيح التي يقطنونها)، خاليا كما لو كان مهجورا، بعدما ارتأى سكان "الكوري" الخروج بحثا عن لقمة العيش اليومي بدل المكوث في "براريك" أكبرها لا تتعدى ثلاثة أمتار مربعة.
كانت "براكة" إبراهيم وهي أصغر "البراريك" في "الكوري" وأكثرها إثارة للقنوط والضجر، متصدعة بشقوق قالت عنها زوجته إنها "مشكلة حقيقية" تسمح بتسرب مياه الأمطار، لتبلل كل أغراض الأسرة، التي كدّست في ركن جعل "البراكة" أشبه بصندوق "عود ثقاب"، لا يجد فيها أفرادها الأربعة مجالا للاستلقاء بشكل مريح، "فليتصور المرء كيف يعيش أربعة أفراد (زوجان وبنتان) في مساحة لا تتجاوز متران مربعان ومع ذلك مطالبين بالإفراغ والذهاب إلى مكان ما"، تقول فاطمة زوجة إبراهيم بنفاذ صبر، لأن عجز زوجها عن العمل لم يكن وحده المشكلة، بل إن بنتيها ملزمتين بمتابعة الدراسة رغما عن كل الظروف التي تواجهها الأسرة دون معيل، وهنا تجد فاطمة نفسها مجبرة على العمل في البيوت لعلها تحصل على مصروف يومي.
راضون عن الفوضى
تنظر فاطمة حولها في إشارة منها إلى أن فضاء "الكوري" لا يشجع على الإقامة فيه، (ركام من الحجارة وبراريك ضيقة وعشوائية، غياب الماء الصالح للشرب، ومياه عادمة تتجمع في إحدى الزوايا)، ومع ذلك تؤكد أن الأسر وعددها تسعة، راضية بالعيش على هذا النحو بدل العيش في الشارع، لأنها على الأقل تحتمي "بالقراميد" و"الخردة" التي تغطي سطح "البراريك" من أشعة الشمس وحر البرد.
حينما كانت تغمر مياه الأمطار "الكوري" ويضطر معها السكان إلى التجنيد قصد إفراغ "براريكهم" منها، لم ينتبه أحد من المسؤولين لهذا الوضع، يقول السكان، لهذا ارتأوا إلى إحداث قناة للصرف الصحي بأنفسهم، قصد التخفيف من وطأة الفيضانات التي تفاجئهم كلما حل فصل الشتاء، ما جعل إحدى "الغرف" (توجد على واجهة "الكوري") تلعب دور المصب الذي تلقى فيه كل الفضلات والنفايات، حتى إن مياه الأمطار لهذه السنة لازالت بها، بعدما تعفنت على نحو مثير للاشمئزاز، ما دفع بالسكان إلى إغلاق الغرفة بباب خشبي قديم، للحيلولة دون انتشار الروائح النتنة، ومنع الصراصير والبعوض من دخول "براريكهم"، "عايشين في الهم والقهرة، أو ما خلاوناش على راحتنا"، تقول إحدى القاطنات بـ"الكوري" بنبرة يشوبها اليأس والملل.
لا ملاذ للرحيل
ووسط "الكوري" الذي كان سكانه يستمدون بهجتهم من الأمل في تغيير واقعهم نحو الأفضل مهما طل بهم الزمن، تقول إحدى القاطنات، كان ثمة رجل ضرير يحاول أن يعد الماء للوضوء والصلاة، وهو يخطو خطوات بطيئة على نحو يكشف أن الرجل عازم على الاعتماد على نفسه، لكنه رافض أن يجد نفسه عرضة للتشرد، في وقت يعجز كليا عن توفير سكن بديل لهم، وإن جاءه قرار الطرد، يؤكد جيرانه، في محاولة منهم رصد عمق معاناتهم الاجتماعية حتى ينضاف إليهم حكم الإفراغ الذي يطالبهم بالرحيل عن "الكوري" رغم دفعهم لمستحقات الكراء.
"ماعندناش فين نسكنوا من غير هاذ البراريك، حنا مستقرين من زمان هنا، والله غالب، راضين باللي قسم الله، فين غادي نترماو"، تذكر فاطمة ذلك وهي تجول في أرجاء "الكوري" للكشف عن الفوضى التي تغطي المكان، والتي لم يجد لها السكان بدا غير التعايش معها، لأن ضيق سعة "البرايرك" جعلهم يلقون بكل "خردهم" فوقط سطحها، على الأقل تسد بعض الفجوات الحاصلة فيها بسبب التصدعات المستمرة.
كما أكد السكان أن عناء جلب المياه من "العوينة" بعيدا عن "براريكهم" أصبح لازمة لا تفارقهم، خاصة وأن "المرحاض المشترك بينهم" غير مجهز بشكل يقيهم شر الروائح الكريهة وانتشار الحشرات التي تكثر في فصل الصيف، لهذا هم يحرصون على تنظيف المكان قدر المستطاع.
صبرهم دعامتهم
إلقاء نظرة على "براريك" "الكوري" بحي "لوبيلا" في الدار البيضاء، يطرح أكثر من تساؤل عن مدى قدرة هؤلاء السكان على تحمل واقع معيشي جد مزري في كنف "براريك" مظلمة مساحتها (متران مربعان) لا تسع لشخص واحد حتى يقطنها أكثر من أربعة أفراد لسنوات طويلة، في منأى عن أي تدخل من قبل المسؤولين لإيجاد حل لهم، هكذا يتحدث السكان بنوع من الحسرة، ليضيفوا أن ما استجد في مأساتهم هو حكم الإفراغ الذي فاجأهم، في وقت كانوا يطالبون بتحسين أوضاعهم المتردية.
ولأن صبر هؤلاء كان هو الدعامة التي يتكلون عليها، كانوا لم يحزروا يوما، وهم مستاؤون من ذلك بشدة، أن حكم الإفراغ قد يباغثهم على حين غرة، حتى يجدوا أنفسهم مجبرين على طرق أبواب المحاكم وتوكيل محامين للمرافعة،(وهم لا يملكون تكاليف ذلك) قصد إبقائهم في "براريكهم" وإن كانت ضيقة، فهي على الأقل تأويهم، تقول فاطمة التي ما فتئت تجول في أرجاء "الكوري" وهي في حيرة من أمرها عما ستقود إليه أحكام الإفراغ، وهي إشارة كانت تنم عن سخط من أشخاص يريدون أن ينكروا عليهم أكثر حقوقهم وضوحا، "الحق في السكن".