دوار الكريمات بعين السبع ينتفض ضد الأمر بالإفراغ

الإثنين 20 يوليوز 2009 - 12:42
(خاص)

يتجمهرون ويترنحون على نحو يوحي أن أشعة الشمس قد أرهقتهم، ومع ذلك يصرون على البقاء أمام أعلام وطنية ولافتات نصبوها في ركن وسط دوار "الكريمات" بعين السبع في الدار البيضاء، أطفال ونساء ورجال وحدتهم معاناة "الطرد" التي تهددهم

خرجوا من مساكنهم لترجمة رفضهم القاطع لأي حكم إفراغ قد يحول دون مكوتهم في الدوار، إنهم معوزون لا حيلة لديهم غير العيش في "براريكهم" وإن حرموا قبل أسبوع من الاستفادة من الكهرباء، هذا ما أكدوه بصوت موحد وبإلحاح، في إشارة منهم إلى أن فقرهم أكبر بكثير من الشقق التي اقترحت عليهم كبديل مقابل دفعهم لـ 80 ألف درهم، وإن كان أكثرهم غير معني بهذه الاستفادة.

ينتفض شرادي أفيد (75 سنة) رافعا يده في الهواء، وهو يتحدث بأعلى صوته، للتأكيد على أن دوار "الكريمات"، مسقط رأسه، حيث ترعرع وأنجب ستة أبناء، ولا يملك عنه بديلا، ليترنح يمنة ويسرة من فرط غيظه، مسترسلا في كلام طبعه القنوط من واقع اجتماعي بئيس، لم يجد له بدا غير استجداء عطف الناس الذين يعيلونه على مصاريف العيش، حسب ما عبر عنه بانفعال.

وبينما يتحدث أفيد عن نفسه، يقاطعه باقي السكان المحتجون، للإفصاح بدورهم عن حكاياتهم مع هاجس الطرد الذي يؤرقهم، "أنا أم عازبة أو عندي جوج وليدات، خويا في الحبس أو عايشة غير مع الأم ديالي، نخاف يخرج خويا أو يجري علي من البراكة، أو هاذ الناس ما بغاوش يسكنونا، أو أنا فين غادي نرمي هاذ الوليدات"، تقول حسناء بوبول بنبرة يائسة، لتضيف أنها عاطلة عن العمل وعاجزة في الآن نفسه عن توفير مصاريف لاقتناء شقة، لهذا هي تأمل أن تستفيد من إحدى الشقق.

ما إن يكاد يختم أحد سكان دور "الكريمات" كلامه حتى يبادر آخر إلى بدء كلامه عن واقعه، حيث لم تحص زهرة فغرواي سنة 2005، حتى تسجل في لائحة المستفيدين من الشقق، يذكر ذلك شقيقها بأسف، ليتراجع إلى الوراء فاسحا المجال لجيرانه، الذين كانوا ينصتون بإمعان إلى تصريحات بعضهم البعض، مبدين استعدادهم الكامل للتضامن في ما بينهم، لأن الهم مشترك والحاجة إلى سكن لائق هدف واحد، هذا ما شددوا التأكيد عليه، وهم يقفون تحت أشعة الشمس دون مبالاة بتأثيراتها، إذ بالنسبة إليهم الوقوف ليوم أو أكثر في هذا الوضع والاحتجاج على حكم الإفراغ، أهون بكثير من إخراجهم بالقوة من منازلهم وعيشهم في الشارع لأجل غير مسمى، لهذا هم حريصون على أن يتضامنوا مع أسرة شعباب المتكونة من 11 فردا، التي جاءها قرار الإفراغ الأربعاء الماضي، في وقت يعجز فيه عبد الكبير شعباب، أحد الأبناء، عن توفير حاجيات الأسرة وهو المعيل الوحيد لها، ما عبر عنه بالقول:"كاين فينا هنا اللي كيتغذى اليوم أو ما يتغدّاش غدا"، محاولا بذلك رصد الوضعية الاجتماعية المزرية لسكان دوار "الكريمات" حتى يطالبوا بمغادرة مساكنهم مقابل دفع 80 ألف درهم في شقة لا تتجاوز 46 مترا، شبهها السكان بـ"علبة السمك المعلب"، لا تسع عدد أفراد كل أسرة في الدوار.

إصرار على التضامن

لم يتوان سكان دوار "الكريمات" عن الخروج من مساكنهم لتنظيم وقفة احتجاجية منذ صبيحة يوم الأربعاء الماضي، لدعم أسرة شعباب، كواحدة من بين ثلاث أسر ممن بلغها قرار الإفراغ أخيرا، فما فتئ هؤلاء يشجبون هذا الحكم الذي وجدوه "قاسيا وغير إنساني"، وهم يرفعون شعارات:" سكان دوار الكريمات، لا للتشريد لا للتفقير"، "شي ساكن في الدار وشي ترميو في الطروطوار"، واش بغيتو تبنيو العمارات الفقير تسكنوه في البركصات"، كما رفع أطفال الدوار وشبابه لافتات أخرى: "علاش جينا وحتجينا من أجل الظلمات والحكرة قضات علينا، عار عليكم تحرمونا من السكن"، كان هؤلاء يلوحون باللافتات الأعلام الوطنية، على نحو يدعو الزائر إلى مشاركتهم وجدانيا، بعدما اضطروا إلى المكوث طيلة اليوم في الخارج للفت انتباه المسؤولين لعلهم يعثرون على حل يرضيهم وفق ما يلبي حاجتهم إلى سكن يلملم شملهم.

تتعالى أصواتهم وهم يرددون هذه الشعارات، وسحنات وجوههم قد احمرت بأشعة الشمس، ومع ذلك فهم عازمون على البقاء وإبلاغ نداءاتهم لكل الجهات المسؤولة قصد التدخل والحيلولة دون إخراجهم بالقوة، لأنهم راضون عن واقعهم وسط "براريكهم" التي قالوا عنها إنها تأوي أعدادا كبيرة بصيغة أسر مركبة ( تقطن أكثر من أسرة داخل البراكة الواحدة)، ولهذا هم يرفضون أن يستفيد شخص واحد داخل الأسرة ويحرم الباقون، ما جعلهم يتساؤلون:"ما مصير هؤلاء غير المستفيدن إذا ما هدمت براريكهم؟.

بنوع من الحيرة والارتباك تتحدث فتيحة شاطر عن حالتها التي وصفتها بالمحرجة، حيث تبلغ من العمر حوالي 40 سنة، عازبة ولا معيل لها، ولم يدرج اسمها في لائحة إحصاء 2005، فأقصيت من الاستفادة من التعويض عن السكن في دور الصفيح، ما عبرت عنه بالقول: "أنا ما كتابش لي الزواج كيفاش بغاوني نكون مزوجة عاد نستافد من الشقة، ما عنديش فين نمشي ولا حتى كيف نعيش".

الأمر نفسه بالنسبة إلى أحد حفدة فاطنة الخرشي، البالغ من العمر 21 سنة، توفي والداه اللذان كانا يملكان "براكة" في الدوار، غير أنه أقصي بدوره من الاستفادة، ما لم تتقبله جدته التي أشارت إلى أنه يتيم ومن حقه أن يستفيد بدل والديه المتوفيين، أما سعاد أفيد فلم تستطع أن تخفي تضايقها من حرمانها هي الأخرى من التعويض، وبينما تحاول نساء الدوار التصريح بما يثقل كاهلهن جراء قرار الإفراغ الذي صدر في حق ثلاث أسر، مع ترشح باقي الأسر، ذكرت فاطمة أو مغليف أن بيتها هدم رغما عنها منذ ثلاثة أشهر، وأجبرت على التنقل بين الفينة والأخرى عند إخوتها للعيش معهم رفقة ابنها، حيث ذكرت أن الأمر أصبح مرهقا بالنسبة إليها ومكلفا لأسرتها، على اعتبار أن وضعهم الاجتماعي جد متواضع وبالكاد يتحايلون على ظروفهم.


لعنة الطرد


حينما صدر قرار الطرد في حق أسرة شعباب الأربعاء الماضي، تفاجأ سكان دوار "الكريمات" قبل ذلك بيومين بانقطاع الكهرباء رغم التزامهم بدفع مستحقاته شهريا، حسب ما ذكروه، في إشارة منهم إلى أن فاتورة الكهرباء لم تعد تصلهم إلى الدوار منذ شهرين، لكنهم لم يخمنوا في أنها إشارة أولية إلى حرمانهم من الإنارة، فالتجأوا إلى اعتماد أدوات تقليدية للإضاءة (الشموع وقنينات الغاز)، بينما حرموا من استعمال بعض الأجهزة المنزلية كالتلفزيون والثلاجة.

من جهة أخرى، استنكر السكان منعهم من الحصول على شهادة السكنى، التي أكدوا أنه شريطة الحصول عليها وجب التوقيع على التزام يفيد بمغادرتهم للدوار، ما رفضه السكان بشكل تام، "إذا ما وقعنا على هذا الاتفاق فما حاجتنا إلى هذه الشهادة، ثم إنها حق لا جدال فيه، فلا يعقل حرماننا دون وجه حق"، يقول السكان بإجماع، مؤكدين في الوقت نفسه أن أكثرهم بحاجة إلى هذه الشهادة في قضاء مصالحه، كإعداد البطاقة الوطنية، وليس من المعقول عدم مدهم بها، لأنهم مستقرون بالدوار ولا يستطيعون مغادرته إلى أي مكان آخر إلا إذا كان يتوافق ووضعيتهم الاجتماعية والأسرية.

كما أفاد سكان "الكريمات" أن هناك من الأسر من انتقلت إلى العيش في الشقق، لكن ذلك لا يعني قبول جميع الأسر بهذا الوضع، خاصة أن "براريكهم" أكثر شساعة ومؤهلة للسكن فيها، في المقابل أفرادها ليسوا كلهم معنيين بهذه الشقق، لهذا هم راضون عن العيش وسط "براكة" قد تصل إلى 300 متر على "الحبس" وسط شقة قالوا إنها تتطلب عدة إصلاحات وتعديلات قبل السكن فيها، إضافة إلى 80 ألف درهم، وإمكانياتهم جد محدودة بالكاد تكفي لكسب لقمة عيشهم اليومي، حتى يغامروا للتحمل أعباء الديون وارتفاع المصاريف، يقول السكان باندفاع.

أما بعض التجار فذكروا أنهم يصرفون على أبنائهم من خلال التجارة في المواد الاستهلاكية وغيرها، وسط محلات داخل الدوار، وإذا ما انتقلوا إلى الشقة سيحرمون من محلاتهم التي هي مصدر رزقهم الوحيد، يتحدث أحد التجار على أمل أن يعاد النظر في هذا الجانب ويأخذ بعين الاعتبار وضع كل أسرة على حدة.

السكان يفضلون "البراريك"

احتج سكان دوار "الكريمات" على أن يكون مصيرهم الإفراغ، بدعوى تعويضهم عن السكن غير اللائق، بسكن لا يراعى في مساحته عدد أفراد كل أسرة، حيث تبلغ مساحة الرسم العقاري لـ"الكريمات" حوالي 16 مترا مربعا، بيما يناهز 444 "براكة"، أي أن عدد الأفراد قد يضاعف عدة مرات هذا الرقم (444)، الأمر الذي لم يستسغه السكان وجعلهم يلحون على البقاء في "دوارهم" إلى حين تسوية مشكلتهم، دون أن يقصى أي شخص مؤهل للاستفادة، كما عبروا عن تفضيلهم لواقع عشوائي وبمساحة شاسعة على أن يقيموا في منازل ضيقة ستكلفهم مصاريف ليست في مستطاعهم، يذكر السكان ذلك بصوت موحد وهم يرفعون اللافتات المعززة لأقوالهم.

كما ذكروا أن كل من يصدر في حقه حكم الإفراغ يطالب بهدم "براكته" بنفسه، وإخراج أغراضه وعدم الانتقال إلى الشقة إلى حين حلول المساء، ما وصفه السكان بغير الإنساني الذي يحط من كرامتهم.

من جهتها ساندت "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الدار البيضاء، سكان "الكريمات أثناء وقفتهم الاحتجاجية، مؤكدة تضامنها معهم، بعدما توصلوا منها بنسخ لوثائق ورسائل موجهة إلى الجهات المسؤولة قصد التدخل وحل مشكلة السكن لديهم.

إيواء دوار "الكريمات"

وتشير نسخ تضم أهم بنود اتفاقية الشراكة بين الجماعة الحضرية للدار البيضاء مع شركة "لابين" وشركة "إدماج سكن" لإيواء قاطني دوار "الكريمات" بعين السبع، وزعت على المستشارين في دورة مجلس المدينة، خلال دورة شهر فبراير 2008، إلى أنه تماشيا مع روح المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بخصوص القضاء على السكن غير اللائق، وتوفير مساكن اجتماعية بجميع المرافق الحيوية، تهدف هذه الاتفاقية إلى تتبع كيفية إنجاز وتمويل عملية إعادة إسكان 444 أسرة قاطنة بدوار الكريمات بحي عين السبع بالدارالبيضاء.

وجاء في النسخ أن شركة "لابين" تتعهد بتمويل وإنجاز المشروع بأكمله، بعد تهيئ تخطيط يأخذ بعين الاعتبار الإكراهات المرتبطة باحتلال الأرض أثناء إقامة البنايات.

وتلتزم الشركة بتخصيص 444 شقة اجتماعية، ضمن المشروع السكني للشركة لفائدة قاطني دوار الكريمات، فوق القطعة الأرضية ذات المرسوم العقاري 6995/س، بعد تنازل الجماعة عن نزع ملكية مساحة 16 ألف متر مربع من هذه القطعة، ببناء مساكن تستجيب لجميع المواصفات التقنية القانونية، تتراوح مساحتها بين 43 و66 مترا مربعا، وأغلبها مكونة من 3 غرف.

وتشير البنود إلى أنه يجب على شركة "لابين" أن تنطلق في الأشغال فور توقيع الاتفاقية، وتوفر الشركة على القطعة الأرضية الداعمة للشطر "أ" "113 شقة" وإنهاء الأشغال في الأجل المتفق عليه.




تابعونا على فيسبوك