قالت المندوبية السامية للتخطيط، في مذكرة مفصلة حول الظرفية الاقتصادية، في الفصل الأول من 2009، توصلت "المغربية بنسخة منها، إن الاستهلاك الخاص شهد تراجعا في وتيرة نموه، في الفصل الأول من السنة الجارية،
وذلك في ظل تباطؤ القدرة الشرائية، إذ تأثرت نفقات الأسر الموجهة إلى الاستهلاك بضعف مستوى التشغيل على صعيد بعض فروع النشاط الصناعي، كما تدل على ذلك معطيات البحث الوطني حول التشغيل، التي أفادت فقدان أكثر من 60 ألف منصب شغل على مستوى الأنشطة الصناعية، بينما شهدت قطاعات البناء والخدمات تحسنا لفرص التشغيل بما يناهز 5.9 في المائة، في الفصل الأول من 2009. كما تأثر استهلاك الأسر بتناقص المداخيل المحولة من الخارج تباطؤ وتيرة نمو القروض الموجهة إلى الاستهلاك.
ومن المنتظر، حسب المذكرة، أن تتحسن نفقات الأسر تدريجيا، في الفصل الثاني من 2009، مستفيدة من تراجع الضغوط التضخمية التي ميزت الفصلين السابقين. ويعزى هذا التطور، حسب المذكرة، إلى الانخفاض المستمر لأسعار المواد الغذائية المستوردة. كما أن تباطؤ أثمان باقي المواد الأخرى من شأنه أن يحافظ على معدل تضخم معتدل.
في هذا الإطار، يرجح أن يصل معدل ارتفاع الرقم الاستدلالي لمقياس تكلفة المعيشة إلى 1.1 في المائة، على أساس التغير السنوي، خلال الفصل الثاني من 2009، عوض 3.8 في المائة، في الفصل الأول. والأهم من ذلك أن معدل التضخم الكامن قد يشهد استقرارا، في الفترة ذاتها، بعد المستويات المرتفعة التي بلغها في السنة الماضية.
ومن المتوقع أن تتراجع وتيرة الطلب الداخلي، رغم التباطؤ الملحوظ الذي قد يشهده سنة 2009، إذ من المحتمل أن تتقلص وتيرة نمو الاستثمارات الخاصة بالمقاولات، على إثر ضعف الطلب الخارجي، إذ تشير بحوث الظرفية الأخيرة إلى ارتفاع طاقة الإنتاج الصناعي غير المستغلة، بما يعادل 3.7 نقطة، فوق المعدل المتوسط، المسجل في السنوات العشر الماضية. كما تفيد بيانات التجارة الخارجية لشهر ماي 2009 انخفاض الواردات من مواد التجهيز بنسبة 1.2 في المائة، مقابل زيادة بحوالي 22 في المائة، في الفترة نفسها من 2008.
من جهة أخرى، تتوقع المذكرة أن يبلغ ارتفاع القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 26.6 في المائة، في الفصل الثاني من 2009، في حين يرجح أن يصل معدل النمو الاقتصادي إلى 4.6 في المائة، مقارنة مع الفترة ذاتها من 2008، غير أن هذا التطور قد يصاحبه تحسن أقل أهمية على مستوى قنوات تمويل الاقتصاد، خصوصا مع استمرار تباطؤ القروض المقدمة للاقتصاد. ووفقا للبيانات الأخيرة، يقدر أن يستقر نمو الأخيرة في حدود 14.8 في المائة، في الفصل الثاني من 2009، بدل 19 في المائة، في الفصل الأول.
ورغم بطء وتيرة نمو قطاع البناء والأشغال العمومية، في الفصل الأول من 2009، إلا أن ارتسامات مقاولي القطاع تشير إلى تفاؤل محسوس، بخصوص احتمال تحقيق بعض التطور، في الفصول الموالية، إذ تحسن رصيد آراء المهنيين حول آفاق هذا التطور، بما يعادل 29 نقطة في الفصل الثاني، مقارنة مع الفصل الرابع من 2008.
وأضافت المذكرة أنه من المرتقب أن تحقق القيمة المضافة لقطاع البناء والأشغال العمومية زيادة بنسبة 1.6 في المائة، في الفصل الثاني من 2009، موازاة مع تطور القروض الصافية الموجهة إلى العقار بنسبة 5.3 في المائة، في الفترة نفسها من 2008.
وحقق قطاع الطاقة تقدما ملموسا بشكل غير متوقع، مستفيدا من ارتفاع الإنتاج الكهربائي، بما يعادل 7 في المائة، في الأول من 2009، في الوقت الذي شهدت الواردات من الكهرباء انخفاضا مهما في الفترة ذاتها.
ويعزى هذا التطور، حسب المصدر ذاته، إلى تزايد غير مسبوق لأنشطة الوحدات الهيدروكهربائية، على إثر ارتفاع حقينة ملء السدود، غير أن الشكوك ما تزال تحوم حول استمرارية ديناميكية الإنتاج الكهربائي، في ظل ضعف أنشطة الوحدات الحرارية، الناتج عن ارتفاع أسعار المواد الخام، وتقلص نشاط معامل التكرير الوطنية. وكان إنتاج، هذه الأخيرة، من النفط الخام المكرر شهد تراجعا بنسبة 10 في المائة، في الفصل الأول من 2009.
من جهتها، حافظت أنشطة الخدمات على معدلات نمو معتدل، بفضل تحسن القيمة المضافة للخدمات المقدمة إلى الشركات والخواص، بما يناهز 4.8 في المائة، في الفصل الأول من 2009، مقارنة مع الفصل السابق، في حين شهدت الخدمات المرتبطة بالقطاع المالي بعض التراجع، في الفترة ذاتها، دون أن ينحدر نموها إلى ما دون متوسط تطور الاتجاه العام المسجل، خلال السنوات الأخيرة.
تتوقع المندوبية السامية للتخطيط أن يتأثر الاقتصاد الوطني بتطور الظرفية الاقتصادية العالمية الصعبة، إذ ستتراجع وتيرة تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، بنسبة 15 في المائة، سنة 2010، بعد التراجع، الذي من المتوقع أن تسجله سنة 2009، ويقدر بنسبة 5 في المائة.
ويرجع تراجع حجم تحويلات المغاربة القاطنين في الخارج، باعتبارها أحد المصادر المهمة بالنسبة إلى الاقتصاد الوطني، مثل الصادرات (المواد الفلاحية والبحرية والفوسفاط ومشتقاته)، والنسيج والألبسة الموجهة إلى التصدير، والاستثمارات الخارجية، والسياحة، إلى تراجع الطلب الخارجي الموجه إلى المغرب، جراء تداعيات الأزمة العالمية، والظرفية الصعبة، التي تشهدها اقتصاديات دول الاتحاد الأوروبي، خصوصا فرنسا، وإسبانيا (كاطالونيا)، وإيطاليا.
وكان صلاح الدين مزوار، وزير الاقتصاد والمالية، أكد أخيرا، أن توقعات مديرية الخزينة والمالية الخارجية تشير إلى أنه، من المنتظر أن تسجل عائدات المغاربة القاطنين في الخارج في نهاية سنة 2009، انخفاضا يقدر بنسبة 15 في المائة، مقارنة مع سنة 2008، وسيتقلص المبلغ إلى 45 مليار درهم.
وكانت التحويلات سجلت مبلغا ناهز 56 مليار درهم, وتشكل البلدان الأوروبية, التي يقطنها حوالي 60 في المائة من مغاربة العالم, المصدر الرئيسي لهذه التحويلات.