رجال الأمن المتقاعدون يرفضون الإفراغ من مقرات سكناهم

الثلاثاء 14 يوليوز 2009 - 12:07
بعض متقاعدي الأمن المحتجون (خاص)

كان شعره أبيض، تغطي الجزء العلوي من رأسه قبعة بيضاء، أكسبته وقارا بالإضافة إلى جلبابه الرمادي، كان الرجل يجلس على كرسي بلاستيكي ويمد يديه على جنباته في فضاء حيه، على نحو يوحي بأنه بالكاد يستطيع الحراك

، يرمق بنظرات ملؤها التساؤل حول مصير لا يزال يجهله، لينبس بكلمات تدعو للاقتراب منه الأكثر لاستيعاب مضمونها، كما كان بشوشا من حيث لا يعكس أن أحمد الصديقي (71 سنة) جالس يحتج على قرار حكم الإفراغ في حقه.

يتلعثم أحمد الصديقي في محاولة منه للكشف عن معاناته النفسية إزاء قرار الإفراغ الذي شمل 47 أسرة من متقاعدي وأرامل موظفي الأمن الوطني، القاطنين بالعمارتين (ب ود) بزنقة سقراط بحي المعاريف، قرب المركب الرياضي محمد الخامس في الدار البيضاء، يجلس الصديقي بمحاذاة جيرانه الذين اصطفوا بدورهم على أحد الأرصفة في الحي، بعدما نصبوا لافتات احتجاجية على هذا القرار، كانوا كلهم في أسى شديد، وكانوا يرون في تواريخ أحكام الإفراغ المتتالية حرب أعصاب شوشت حياتهم على حين غرة، ما عبر عنه أحد بلهجة مغتاظة "لم نتوقع يوما أن يكون مصيرنا التشرد، بعد سنوات طويلة من العمل في الأمن الوطني، والمشكل أننا نكتري هذه الشقق وفق عقد كراء، فلما لا تتوقف هذه الحرب النفسية ومعظمنا تقدم في السن ويعاني جملة من الأمراض".

كان رجال الأمن المتقاعدون، وهم يتبادلون أطراف حديث لم يخرج عن سياق مشكلة الإفراغ، ليجعلهم يعيشون وقع الحيرة والارتباك من واقع يجهلونه، (كانوا) لا يكفون عن مواساة رفيقهم وجارهم الصديقي، الذي قالوا عنه إنه لا يملك مثلهم ملاذا آخر يلجأ إليه إذا ما أخرج من بيته الذي سكنه ما يزيد عن 40 سنة.

ورغم الحالة الصحية والنفسية للصديقي الصعبة، حاول أثناء نقاش جيرانه أن يبدي رأيه في الموضوع، مرددا: "الصبر رغم كل شيء، الصبر والله المعين"، فكان الصديقي رغم ثقل ما يختزنه قدره لا يكف عن الابتسام، وكانت الملاحظة الخاصة بمظهره الرزين تثير في الناظر إليه رغبة في مؤازرته، خاصة بعدما تبين أن الرجل مريض ومحكوم عليه بإفراغ مسكنه الوحيد.


تضامنهم عزاؤهم

وبينما لا يزال مشكل الإفراغ قائما لدى رجال الأمن المتقاعدين، يحرص هؤلاء في كل مرة، كلما حان تاريخ حكم الإفراغ لأي أسرة، على الخروج مبكرا والوقوف في فضاء الحي للتعبير عن الرفض القاطع لقرار، أكدوا أنه لا يعتمد على أي سند قانوني، ماداموا يملكون وثائق وعقود كراء دأبوا على الالتزام بدفع مستحقات ما يقارب 50 سنة لدى البعض منهم.

ويجد رجال الأمن المتقاعدون بعدما أدوا خدمات وطنية إزاء بلد هو جزء لا يتجزأ من كينونتهم، حسب قولهم، (يجدون) في تضامنهم عزاء يحاولون عبره الإذعان لفكرة أن حكم الإفراغ ليس إلا قرارا وهميا لن يؤثر على سيرورة حياة تقاسموا فيها الحلو والمرّ لسنوات طويلة.

وتاريخ إفراغ السكن، الذي كان يعني الصديقي الخميس الماضي، اعتبروه فرصة أخرى للتأكيد على أنهم أشد التحاما ومساندة لبعضهم البعض، ما ذكره أحدهم بنبرة يشوبها التوتر والقلق: "لا نملك الآن غير دعم بعضنا البعض، خاصة وأنه منذ تفاجأنا بقرارات الإفراغ والبعض أصبح طريح الفراش، والبعض الآخر يعيش سيناريوهات الطرد والتشرد ليل نهار"، مضيفا، وهو يشير بيده للصديقي الذي اكتفى بالتحديق في جيرانه، (جيران وحدتهم الجورة القديمة والمعاناة المشتركة )، أن "جارنا الصديقي إنسان عاجز عن توفير لقمة عيشه لوحده بحكم تقدمه في السن وما يعتريه من أمراض، فكيف له في هذا الوضع أن يغادر مسكنه ويستأنف حياة أخرى بمصاريف أخرى وقد أفنى شبابه في خدمة الوطن؟".

ليست سكنا وظيفيا

أثناء خروج رجال الأمن المتقاعدين إلى الشارع الخميس الماضي، للاحتجاج من جديد على قرارات الإفراغ المتتالية، بمساندة "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، فرع الدار البيضاء، أكد هؤلاء لـ"المغربية" أنهم متشبثون بحقهم في مساكنهم التي أدوا عنها لسنوات طويلة كل الواجبات المطلوبة منهم، وأنه من غير المعقول إرغامهم على الخروج منها دون أن تكون هناك مبررات قانونية لذلك.

كما أوضح رجال الأمن المتقاعدون بإلحاح أن منازلهم ليست سكنا وظيفيا، وإنما سكنوها منذ أواخر الخمسينيات وفق عقد كراء، ما جعلهم يرفضون هذا القرار الذي لم يأخذ بعين الاعتبار أن العقد كان مبرما مباشرة مع "إدارة وكالة الأملاك الملكية"، وليس مع "الإدارة العامة للأمن الوطني"، في إشارة منهم إلى أنه لا وجود لأي بند في عقد الكراء يشير إلى "الإدارة العامة للأمن الوطني" كطرف بشكل من الأشكال، كما لم يسبق أن تعاقد رجال الأمن المتقاعدون خلال حياتهم المهنية مع الإدارة العامة للأمن الوطني أو فوضوا لها التعاقد باسمهم للحصول على سكن وظيفي.

وعبر رجال الأمن المتقاعدون خلال وقفتهم لـ"المغربية" أنهم يأسفون لعدم ادخارهم لمال واقتناء شقق غير هذه التي محل نزاع، بعدما اعتقدوا أن التزامهم بواجبات الكراء سيغنيهم عن هذا الواقع الذي آلوا إليه، مطالبين في الآن نفسه بإنصاف قانوني يحسم في الخلاف ويدقق في حيثيات الوثائق التي بحوزتهم، والتي قالوا عنها إنها الدليل القطعي على أن مساكنهم ليست "سكنا وظيفيا"، كانوا يدفعون مقابل استغلالها سومة كرائية شهرية لدى الوكيل المفوض لهذه المهمة.




تابعونا على فيسبوك