إذا كانت المعركة الانتخابية وضعت أوزارها في مدينة برشيد بانتصار المستشار الاستقلالي محمد بن الشايب، فإن الأخبار القادمة من هذه المدينة هذه الأيام تؤكد بأن حربا أخرى اندلعت بالحي الحسني بالمدينة ذاتها، وهي التي تتعلق بتربص بعض اللصوص بالمواطنين لسرقة ممتلك
ويؤكد عبد القادر الريحي، فاعل جمعوي في المدينة، أنه "بعدما هدأت الأوضاع الأمنية في برشيد بعد الضجة التي أثيرت في المدينة السنة الماضية، عاد المجرمون ليزرعوا من جديد الرعب في قلوب المواطنين"، وقال في هذا السياق: "لقد عاد اللصوص مرة أخرى لسرقة المواطنين، مستعملين الهراوات والأسلحة البيضاء، وإن هذا الأمر أصبح يقلق المهتمين بالشأن المحلي في هذه المدينة، وإننا نطالب السلطات الأمنية بالتدخل العاجل لوضع حد لهذه الظاهرة التي بدأت تنشط خلال هذه الأيام"، وأضاف المتتبع ذاته أن "الوضع الأمني في برشيد، وإن كان لم يصل بعد للمرحلة الخطيرة كما وقع السنة الماضية، فإن ما يحدث منذ أسابيع يعتبر مؤشرا خطيرا على عودة قوية للصوص الذين يحولون حياة المواطنين إلى حجيم".
ولكن برشيد مدينة هادئة إذا ما قورنت بالعديد من المدن الأخرى، صحيح هذا الكلام يقول متتبع للشأن المحلي في عاصمة ولاد احريز، ولكن هذا لا يعني أن برشيد تنعم بهدوء تام، وأن كل شيء على ما يرام، إذ رغم قلة سكانها وصغر مساحتها فإن مشاكلها كبيرة جدا، على اعتبار أنها المدينة التي أصبحت تعتبر ملاذ المواطنين الكثيرين الباحثين عن فرصة عمل، خاصة أنها تتوفر على منطقة صناعية تعد من بين أكبر المناطق الصناعية على الصعيد الوطني، وتابع قائلا: "لقد وقعت في الأيام الأخيرة واقعة شغلت الرأي العام المحلي في المدينة، ذلك أن أحد السكارى كسر الزجاج الأمامي لبعض السيارات، في منظر أثار استغراب العديد من المواطنين، وهذه الحادثة مجرد مثال لما يحدث في هذه المدينة التي نطمح أن تكون المدينة الأكثر أمانا على الصعيد الوطني".
المشاكل التي يعانيها الحي الحسني مع انتشار الجريمة جعلت بعض السكان يفكرون جديا في مغادرتها، وفي هذا الإطار سبق أن صرحت إحدى السيدات قائلة: "لقد اضطرت عائلة كانت تقطن بالحي الحسني إلى الرحيل إلى إقليم مديونة عوض البقاء في هذا الحي، والسبب يرجع إلى المشاكل الكثيرة التي يعانيها".
الصعوبات التي تشهدها المدينة على صعيد ارتفاع الجريمة جعلت التنسيقية المحلية تدخل في وقت سابق على الخط وتحذر من استمرار هذا الوضع، وقد أدانت مباشرة بعد أحداث السنة الماضية سكوت بعض المسؤولين عن هذه الظاهرة، مؤكدة في بيان لها أنها "تستنكر ما تشهده المدينة حاليا من انعدام الأمن، بسبب وجود بعض العصابات الخطيرة وانتعاش صناعة السيوف في بعض المحلات غير المرخص لها"، ويقول هذا البيان: "بعد البيانات المتعددة والمراسلات المتكررة إلى كل الجهات المحلية والإقليمية أو الإعلامية بخصوص انعدام الأمن في برشيد، فإن هيئات وفعاليات المجتمع المدني تستنكر بشدة تفشي الجريمة في برشيد...
وإن المجتمع المدني يحمل المسؤولية الكاملة للسلطات والجهاز الأمني، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، ويطالب بفتح تحقيق صارم وتغيير الوجوه الأمنية التي تورطت في أحداث السبت الأسود". وهذا بالفعل ما وقع بعد الأحداث التي عرفتها المدينة، إذ تحركت الأجهزة الأمنية في محاولة لإعادة الثقة إلى المواطنين، معتبرة أن ما حدث مجرد سحابة صيف، وأن الأمور ستعود إلى طبيعتها.
واعتبرت التنسيقية أن هذه الأحداث كشفت مسألة انعدام الأمن وعجز السلطات المحلية والإقليمية عن الإمساك بزمام الأمور، وطالبت وزير الداخلية والمدير العام للأمن الوطني بالتدخل العاجل لوقف ما تصفه بالنزيف الذي تشهده برشيد، ويقول عضو بهذه التنسيقية إنه في الأيام الأخيرة اختفت فتاة عن الأنظار، وأن والديها "داخوا" في البحث عنها، وقال: "لا أعرف في الحقيقة السبب الذي يجعل السلطات الأمنية في برشيد تترك الساحة فارغة للصوص من أجل تحويل حياة المواطنين إلى جحيم، فكلما اعتقدنا أن الأمور عادت إلى سابق عهدها تعود أحداث الإجرام من جديد لتشغل بالنا، على اعتبار أن القضايا المرتبطة بالأمن تسبق كل المشاكل الأخرى".
وإذا كان مهتمون بالشأن المحلي في برشيد يدقون ناقوس الخطر، فإن مسؤولين أمنيين يعتبرون أن ما يقع مسألة عادية جدا، وأنه لا يمكن الحديث عن ارتفاع الجريمة في هذه المدينة أو تلك إلا إذا كان معدل الجريمة ارتفع، وهذا لم يقع، إذ سجل في الآونة الأخيرة انخفاض كبير في معدل الجرائم.
وقال مهتم بالوضع الأمني: "لقد أدركت جميع عواصم الدول المتمدنة أن القضاء على الجرائم لا يتم عبر وضع الإستراتيجيات والسياسات الأمنية في المكاتب المكيفة، ولكن بمدى تفاعلها مع المواطنين عن طريق إقناعهم بأن المسألة الأمنية هي مسألة مشتركة بين جميع سكان المدينة، سواء كانوا مواطنين أو مسؤولين محليين وأمنيين، دون أن تتحمل جهة المسؤولية دون أخرى، فالقضية الأمنية من مهام كل مكونات المجتمع، لأنه مهما حاول رجال الأمن قطع الطريق على المجرمين فإنهم لن يتمكنوا من ذلك، لأن هذا الأمر يحتاج إلى استراتيجيات أمنية على مستوى عال، وليس إلى مجهود فردي من طرف هذا الشرطي أو ذاك، فالمسألة أكثر تعقيدا مما يتصور البعض، فالمدن تتطور بشكل سريع، ومشاكل المواطنين تزداد تعقيدا، ما يحتاج إلى تظافر جهود جميع المعنيين، لأن القضية الأمنية أمر مشترك بين جميع الجهات، سواء كانت أمنية أو سياسية أو جمعوية".
وإذا كان بعض الجمعويين يدقون ناقوس الخطر ويدعون إلى تبني استراتيجية أمنية محكمة في عاصمة ولاد احريز، فإن هذه الجمعيات مدعوة كذلك إلى الانخراط في عملية محاربة الجريمة، على اعتبار أن المدينة ملك مشترك بين جميع سكانها، ومصلحتها لا تقتصر على جهة دون أخرى.