أكوام من الحجارة تغطي المكان على نحو جعل دوار "السكويلة" في الدار البيضاء أشبه بساحة حرب وضعت أوزارها، بنايات هدمت أجزاؤها فيما ظل الباقي منها ثابتا يشهد على مرحلة قضاها أصحابها في الدوار.
فضاء اعترته الفوضى من كل جانب، وولوجه يفرض بالضرورة على الزائر تحمل الروائح الكريهة التي تصادفه، نتيجة المياه العادمة الممزوجة بالفضلات والأزبال، والمتسربة على جنبات الدور المتبقية الآهلة بالسكان بشكل منفر يدعو إلى الانسحاب بعجالة من المكان.
سوق شعبي فضل أصحابه أن يتركوه ليشتغلوا في عربات متنقلة وضعوها بمحاذاته، فتحول السوق إلى مرتع لبقايا الخضر والأسماك، إلى حد يصعب معه المكوث لدقائق معدودة، حيث يتنقل المارة عبره (الطريق الوحيد المؤدي إلى الدوار من جهة مشروع أهل الغلام) وهم يتأففون ويبصقون، ليستعجلوا خطواتهم التي تتثاقل من جديد، حينما يصلون إلى شريط من مياه متعفنة لم يجد السكان لها بدا غير ملء مكانها ببعض الحجارة لتسهيل الانتقال دون أن يتدنسوا بها.
على ممر الطريق المؤدي إلى وسط دوار"السكويلة"، حيث توجد "عوينة"، يظل تسرب المياه العادمة يفرض وجوده على السكان الذين يجبرون يوميا على المشي بجواره، ماداموا يفتقرون إلى حل آخر يلغي الضيق والاختناق الذي يعيشونه، بسبب انبعاث الروائح النتنة بشكل أكبر في فصل الصيف، تقول إحدى القاطنات بالدوار بنبرة يشوبها النفور من وضع وصفته بـ"غير المحتمل".
أما فصل الشتاء فحكاية أخرى، فيضانات ومآسي يتكبدها السكان، جراء غرق مساكنهم بالمياه العادمة والفضلات، بعد احتباس قنوات الصرف الصحي، فيتجندون لإفراغ منازلهم التي يساعد موقعها الموجود على طريق منحدر على اقتحام المياه لها، ولأن لا حلية للسكان غير دفع المياه خارجا بشتى الطرق، يظل فيضان المياه الملوثة على مساكنهم مناسبة يعيشها السكان لا محالة في كل فصل شتاء، تقول السيدة بنوع من الحسرة وهي ترمق باب العتبة، في إشارة منها إلى أن لا حاجز يقيهم من هذه المعاناة ولا جدوى من وجودها، لأن صبيب المياه يرتفع ويتمكن منهم.
فاتورة مرتفعة
فوق سطح "براريك" دوار "السكويلة" هناك أكوام من الخردة، لا تشكل مشكلا لديهم بقدر ما يتسألون عن أسباب ارتفاع فاتورة الكهرباء التي تصل إلى 1000 درهم للشهر، مع أنهم لا يستهلكون الإنارة نهارا، بحكم أن هناك فجوات كثيرة في سطح "البراريك" تسمح بولوج أشعة الشمس وإضاءة دورهم، ما عبرت عنه إحدى القاطنات بعصبية وارتباك، "ليس هناك مقياس حقيقي يحدد حجم استهلاك الإنارة، والسكان بالكاد يستفيدون منه ليلا"، ليقاطعها زوجها: "ربما ما يستهلك من مياه "العوينة" يأخذ بعين الاعتبار في فاتورة الكهرباء".
حينما تشير الساعة إلى الواحدة ليلا، تضطر بعض الأسر إلى الخروج وربط صنبور "العوينة" بخرطوم طويل ممتد إلى منزلها قصد ملء البراميل والقنينات بدل الوقوف نهارا تحت أشعة الشمس وانتظار دور كل واحد، وهي عادة أصبحت مألوفة لدى بعض السكان، وإن كانت مشاقها تضنيهم في وقت هم بحاجة إلى الخلود إلى النوم، تحكي إحدى الأمهات، مضيفة أن النفايات المتناثرة في كل مكان من دوار "السكويلة" تفرض على بعض الأسر تنظيف منازلها باستمرار مما تحمله الأحذية من فضلات عالقة بها أثناء ولوجها.
الأقدمون لا يستفيدون
تنتفض وهي تلوح بيدها في الهواء، حينما كانت تتحدث سيدة لم تستفد بعد من "مشروع أهل الغلام" لأسباب قالت إنها تجهلها رغم إقامتها في دوار "السكويلة" منذ ما يناهز 40 سنة، في وقت استفاد من ذلك بعض السكان الذين لم يمض على وجودهم بالدوار إلا 4 سنوات، كما عبرت بنوع من القنوط عن ضيقها من استمرار وجودها في أجواء لا تخلو من الفوضى وانتشار النفايات التي تهاجم بيتها عندما تفيض المياه العادمة إلى بيتها جراء تساقط الأمطار وامتلاء قنوات الصرف الصحي.
"لا يفهم أبدا كيف أن السكان الجدد استطاعوا التخلص من محنة العيش في دور الصفيح بينما لا يزال السكان القدامى، الذين تزوجوا وأنجبوا وأصبح لديهم أحفاد، ينتظرون إلى أجل غير مسمى"، تقول السيدة وهي تنظر إلى جدران "براكتها"، كأنما تحاول أن تستنطقها لتشهد على حقيقة ما تفصح عنه.
كما أن عملية اختيار السكان المستفيدين لا تتم وفق أقدميتهم بالدوار أو الموقع الذي وجدوا فيه، وإنما بمقاييس غير مفهومة، ما جعل الدوار يشهد العديد من عمليات الهدم بعد استفادة أصحاب المنازل من المشروع على نحو موزع ومبعثر لا يعتمد على تنظيم وتدبير".
تقول السيدة معبرة عن تذمرها من استمرار حالها على ما هو عليه في ظل التطلع إلى بيئة أحسن، لتختتم قولها: "أعتقد أن الدوار سيظل قائما للأبد، لأن تناسل دور الصفيح مستمر، والوافدون الجدد يأتون دائما وهم من يستفيدون، أما الأقدمون في السكن فلا يعوضون، وبينها هذا وذاك يظل وضع سور يحجب الدوار عن الرؤية هو الحل القائم دوما".