متسولون بعاهات مصطنعة وأسمال محشوة نقودا يغزون شوارع البيضاء

الأربعاء 08 يوليوز 2009 - 09:17

التسول ظاهرة اجتماعية غير صحية ومدانة من طرف العديد من مكونات المجتمع، التي ترى فيه أنه يشجع على التواكل، والتقاعس، ما جعل الكثير من الأشخاص يحترفونه، ويعتبرونه مصدرا قارا لكسب رزقهم اليومي

وادخر منه البعض أموالا طائلة، يحملونها بين طيات أسمالهم الرثة، خوفا عليها من الضياع، متلافين مسألة إيداعها في البنوك، حتى لا ينكشف أمرهم بين الناس وتخيب ثقتهم فيهم، ويضيع رزقهم، مفضلين المغامرة بحمل ما يكتنزونه من أموال، مخبأ بإتقان، بينما وجدت شريحة أخرى لم يسبق لها أن مارست هذه الحرفة السهلة، مضطرة لسلك هذا الطريق الشاق، أمام ضنك الحياة، واستحالة العثور عن عمل أو أي وسيلة أخرى لمواجهة متطلبات الحياة اليومية ومصاريف الأسرة والأطفال، التي لا ترحم حتى أولائك الذين يتوفرون على عمل قار.

قصة هؤلاء المتسولين غريبة، فمنهم من يصطنع عاهة ليدر بها سخاء المواطنين ومنهم من يرافق أطفالا في رحلة بحث سهلة عن المال السهل.

متسولون بطرق متحضرة وراقية

التسول ظاهرة عالمية، يمكن ملامستها حتى في الدول متقدمة جدا، لكن تشتد حدتها في الدول السائرة في طريق النمو. ففي المغرب اتسعت رقعة التسول لدرجة أصبح من الصعب معها التمييز بين من يستحقون التصدق عليهم، نظرا لان الظروف والفاقة والحاجة دفعتهم للتسول بين الأزقة والدروب، أمام ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وتكاليف الأدوية والعلاج التي شهدت في الآونة الأخيرة تصاعدا مهولا، وبين المحترفين الذين وجدوا في التسول حرفة يجنون من وراءها أموالا كثيرة، بأسرع وقت وبأقل تكلفة، رأسمالها الأساسي والمعتمد عليه، هو جلب عطف أكبر عدد ممكن من المحسنين، فكلما نجح المتسول في الاستحواذ على مشاعر المتصدقين، كلما كان حظه أوفر في الحصول على المزيد من المال.

الظاهرة تنشط بشكل لافت، خلال هذا الفصل الذي يزداد فيه الإقبال على زيارة المدينة البيضاوية، من طرف السياح الأجانب، او من ابناء البلد الذين يقطنون بالمدن المجاورة، وحتى من طرف المغاربة القادمين من الخارج، والذين ألفوا مشاهدة متسولين من نوع آخر في بلدان إقامتهم، لا يزعجون المارة، ولا المصطافين، ولا يوجد لهم آثر بالمقاهي، والحافلات، بل يعتمدون على طرق راقية جدا في التسول، كأن يقدموا بعض العروض الميمية من فن المسرح، بالأماكن والساحات العمومية، أو يعزفون على القيتارة أو الكورديون أو أي الآلة عزف أخرى، ينسجمون مع أداء مقاطعها بإتقان، ويضعون أمامهم قبعة أو حقيبة آلة العزف المعتمد عليها، كي يضع فيها المتصدقون ما تجود به أياديهم وجيوبهم، دون أن ينطقوا بكلمة.

يمكن أن يقول قائل، إن البون شاسع بين متسولي بلدنا، ومتسولي الدول الأوربية، لان بلدانهم تضمن حقوقهم، ضمنها الخدمات الاجتماعية والصحية، لكن تبقى نقطة التقائهم الأساسية هي التسول، ويظل الاختلاف في الطرق التي يعتمدها كل منهم.

فمتسولو المغرب، لن يكتفوا بممارسة نشاطهم بالساحات العمومية، دون أن يزعجوا أحدا، بل يقتحمون جل الأماكن، حتى الأشد ازدحاما، ظنا منهم أن حظهم سيكون متضاعفا هناك، غير مبالين بما يمكن أن يشكلونه من إزعاج للأشخاص الذين يوجدون بالمكان عينه.والأدلة كثيرة ، فبمجرد أن تتحرك حافلة نقل وتقف عند إحدى محطاتها، حتى يقفز متسول ويمد يده إلى الزبناء مستعينا، بدعاء أو لازمة يرددا على مسامع الراكبين.
وقد تجد في حالات كثيرة متسولين معوقين يفضلون ركوب الحافلة، رغم الازدحام، ويحشرون بين الراكبين دون مراعاة لأي شيء، ولو كان الجحيم بعينه.


حيل متباينة لكسب عطف المتصدقين

نصادف المتسولين بالدار البيضاء في كل مكان، الأمر الذي يستغرب له الغرباء من زوار العاصمة الاقتصادية، وبخاصة الأجانب، الذين يعتقدون من خلال مشاهدتهم لجحافل المتسولين تجوب المدينة ذهابا وإيابا، أن الأزمة الاقتصادية العالمية، طالت المغرب، وانعكست بصورة جلية على أكبر مدنه، وأصبح أغلب سكانها عاطلين، ومرغمين على ممارسة هذه الحرفة.

فالمتسولون غزوا كل أركان المدينة، يمكن أن نصادفهم بالمقاهي، الحافلات، والقطارات، ومحطات المسافرين، عند إشارات المرور، يعتمدون على طرق مختلفة في استجداء عطف المارة، منهم من يستغل عاهاتهم، وسوء مظهرهم، ومنهم من يسرد حكايات لا تعد ولا تحصى عن الظروف القاهرة التي دفعت بهم لنهج هذا الطريق دون غيره، كما يوجد ضمهم من يعتمد على تشخيص مشهد التسول بإتقان، وآخرون يعزفون على بعض الآلات الوثرية مصحوبة ببعض المقاطع الشعبية، أملا في أن تروق كل من استمع إليها ، بينما اختار غيرهم الفكاهة، كي ينتقد بعض الظواهر الاجتماعية غير المرغوبة، وكأنه يريد أن يوجه من خلالها رسالة معنية لإثارة الانتباه، حتى تلقى هذه الشريحة العناية الفائقة.

جل هذه الحيل، التي أعتمدها أصحابها، الهدف من ورائها واحد، ألا وهو استدرار عطف الناس، وجلب المزيد من المال، دون مراعاة مشاعرهم، أو الأخذ بعين الاعتبار الآثار السيئة، التي يمكن أن تحز في أنفسهم، وهم يشاهدون عاهاتهم، ومظاهرهم المريبة.

أطفال ورضع محكوم عليهم بالتسول

الظاهرة لم تستثن حتى الأطفال الصغار والرضع، في غياب مراقبين اجتماعيين ومسؤولين عن أوضاع الطفولة بالمغرب، حتى يتمكنوا من إنقاذهم من براثن الضياع والتشرد، وإيداعهم مراكز اجتماعية للاعتناء بهم، في ضل عجز أهلهم عن رعايتهم والاعتناء بهم، تحت ظروف الفقر والقهر القاسية التي يعيشونها، أو للتحقق من هويات وهؤلاء الصغار، هل هم أبناء حقا للمتسولين، أم مستعارين مقابل مبالغ مالية تؤدى في آخر النهار لذويهم، الذين لا يهمهم، ما يمكن أن يتعرض له فلذات أكبادهم، سواء من الناحية الصحية والنفسية والتربوية.

أغلب هؤلاء الصغار ينقطعون عن الدراسة في وقت مبكر جدا، كما أن بعضهم لم يتسن له قط ولوج أي مؤسسة تعليمية، ما يتسبب في انتشار الأمية بين صفوف هؤلاء الأطفال. يعمد بعض المتسولين إلى حمل رضع وأطفال تتراوح أعمارهم بين سنتين وخمس سنوات، باعتبارهم أحسن وسيلة ضغط لجلب عواطف المتصدقين، الذين يرقون لحال هؤلاء الأبرياء، الذين يجوبون الشوارع مرغمين، حيث لم تمهلهم الظروف القاسية، الوقت الكافي لترعرع في حضن ودفء أسرة تسهر عن راحتهم.

تبقى ظاهرة التسول قابلة للتوسع ولاحتضان متسولين جدد، يجدون فيها ملاذا لكسب أموال غير هينة، في ظل غياب مراقبة مشددة على أصحاب هذه الحرفة التي لا تحتاج للشهادات لكنها توفر المال السهل، كما تمرغ كرامة ممتهنيها في التراب، الذين يرفضون التنازل عن مزاولتها بسهولة، مقابل ممارسة أي عمل آخر يقدم لهم عوضا عنها.




تابعونا على فيسبوك