شكلت مدينة مراكش عاصمة للصناعة التقليدية، من خلال توفرها على مجموعة من الأسواق بالمدينة العتيقة، يختص كل واحد منه في حرفة جعلت زائرها، خلال زيارته، يردد أسماء الحرف التي ترسخت عنوانا بارزا لأزقة وممرات، مثل السمارين والصباغين
وغيرها من الأسواق التي أصبحت اليوم تحمل اسم الحرفة دون ممارستها، في الوقت الذي أصبحت بعض الحرف التي كانت تعرف نشاطا مطردا مهددة بالانقراض، من ضمنها حرفة الحصير(تحصارت)، واللبادة (تلبادت) والسروج (تسراجت).
انتشر الحصير في مدينة مراكش بداية القرن الماضي، وازدهرت تجارته كثيرا من خلال الإقبال عليه واستعماله في المفروشات الضرورية داخل البيوت والمساجد والكتاتيب القرآنية. وكان عدد الحصارين الموجودين بمدينة مراكش يصل إلى 40 صانعا، إلا أن ظهور الحصير العصري (الموكيط)، والبلاستيكي، ضايقا هذه الحرفة النباتية، ليتقلص عدد المزاولين لها إلى صانعين فقط، يعتمدان على تمويل ذاتي في الإنتاج، بالنظر إلى التكاليف المادية، التي تحتاجها هذه الحرفة من المواد الأولية خاصة السمار، الذي يتراوح ثمن حمل منه (أربع حزمات) ما بين 100 و200 درهم، أما الوقل فلا يفوق ثمنه 5 دراهم للحزمة. ويعتبر إقليم الحوز وبني ملال وخنيفرة من أهم مصادر هذه المواد الأولية.
يجري صنع الحصير في مكان خاص يسمى الدراز، ومازال مدخل حي باب إيلان بالمدينة العتيقة لمراكش يحمل اسم "فحل السمار" ، وتنتشر به العديد من الدكاكين تحول بعضها إلى منازل، رغم موقعها السفلي.
وأفاد أحد الصناع، توقف عن العمل لأزيد من 20 سنة، أن إنتاج حصير من حجم 2 م×12 م يتطلب حملا من الأسل بـ 150 درهما، و10 حملات من "الشيت" بـ50 درهما، بمساعدة 4 صناع لكل واحد منهم 40 درهما، خلال يوم من العمل، وهي مدة الإنجاز الكافية لتصل تكلفته إلى 360 درهما، إنه ثمن مكلف، مقارنة مع السجاد الإصطناعي الناعم، رغم ثبوت تسببه في أمراض الربو والحساسية.
و"تحصارت" في طور الانقراض، إذ انهار سوقها وتراجع دخل العاملين بها، فهجرها أغلب صناعها ولم يعد أي إقبال على تعلمها من قبل الجيل الجديد بسبب المنافسة التي لقيها من طرف الحصير البلاستيكي و"الموكيط".
ولم تعرف حرفة صناعة "الحصير" أي أزمة إلا مع بداية الثمانينيات من القرن العشرين، وكانت تحافظ على رواجها في أشد الأزمات التي اجتازها المغرب، خاصة في فترة الحرب العالمية الثانية، ولم يسبق لها أن تعرضت لحالة كساد أو ركود، لأن منتوجها كان أساسيا في الحياة اليومية للسكان (الفراش).
وكانت سوقها منتشرة بالمدينة والبوادي، ويؤكد أغلب الصناع القدامى لهذه الحرفة أن الإقبال على الحصير يكثر في موسم الحصاد الذي يتزامن مع فصل الصيف لارتفاع درجة الحرارة، ما يدفع السكان لاستعمالها فراشا، بالإضافة إلى الرواج الاقتصادي الناتج عن بيع المحصول الزراعي.
وفي نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، اجتاح الحصير البلاستيكي السوق، فضايق الحصير التقليدي المصنوع من نبات "السمار"، ما أدى بحرفة صنعة الحصير إلى حالة احتضار بطيئة من خلال تقلص محلات صناعة الحصير المعروفة بمراكش بـ"الدرازات"، من 120 درازا إلى درازين اثنين.
ويتعلم الصناع الحرفة، التي غالبا ما تكتسي طابعا عائليا بشكل تقليدي داخل الدراز، إذ يتشكل العاملون في الدراز من الأسرة نفسها ، وغالبا ما يكون الأب وأبناؤه هم المكون الأساسي للدراز، وهو الفضاء الذي تجري به عملية التصنيع.
ويسمى معلم صناعة الحصير بالدراز، وإلى حدود السبعينيات كانت هذه الحرفة تتركز في حي باب أيلان، إضافة إلى آيت أورير وبعض الدواوير المحيطة بمدينة مراكش، ويشكل نبات "السمار" الذي ينبت تلقائيا بالولجة قرب وادي تانسيفت المادة الأساسية لصناعة الحصير، التي تتكون أدواتها من الوتد والخشبة والحبال، التي تشدها على شكل مستطيل.
وتختلف أنواع الحصير الذي يصل أقصى عرضه إلى مترين وطوله إلى 12 مترا من حيث جودتها وحجمها وسعرها، ويأتي في المرتبة الأولى نوع "الكربة"، الذي ينتج بأيت اورير، ويتميز بجودته في الصنع ونسيجه المسبوك، يليه "المخوتم" وهو نوع منقرض، يصنع من السمار الغليظ وتتخلله نقوش بالصباغة تكون ألوانها بالأحمر والأخضر، أما الحصير بالقنب الذي انقرض نهائيا من أسواق مراكش فيصنع من السمار الرقيق والقنب، ولا يوجد إلا بمدينة سلا.
وتجري عملية التصنيع بعد اقتناء "السمار"من "الولجة" بتجفيفه، ثم يعزل الطويل من القصير منه، وبعد ذلك يغطس في الماء ثم يوضع في المرمة، إحدى الأدوات الأساسية في صناعة الحصير، إذ تسمى هذه العملية بالتسدية، ثم يبدأ المعلم في النسيج.