مازالت مدينة وجدة تعرف رواجا للأقراص المهلوسة "القرقوبي" القادمة من الجارة الجزائر، عبر شبكات التهريب التي تنشط بالشريط الحدودي رغم المجهودات المبذولة من قبل المصالح الأمنية لمكافحتها...
هذا المخدر لم يعد يباع جهارا كما كان في السابق في كل من سوق "الفلاح" و"بني درار"، بل يباع سرا، وهناك أحياء تنتعش فيها هذه التجارة. "المغربية" التقت بعض بائعي الحبوب المهلوسة، وأكد أغلبهم أن هناك أباطرة متخصصين في جلب أنواع منها وبيعها إما بالجملة أو بالتقسيط، للتجار المتخصصين في ترويجها، سواء داخل الأسواق أو في المقاهي أو الفضاءات الخالية.
لم يعد مخدر "القرقوبي" القادم من الجزائر عبر شبكات التهريب التي تنشط بالشريط الحدودي، يغزو أسواق "الفلاح" و"بين درار" بمدينة وجدة كما كان الأمر في السابق، إذ كان يعرض المخدر عند مدخل الأسواق مع بعض الأدوية المهربة ويباع جهارا وأمام أعين السلطة، بل أصبح يباع في سرية تامة، خوفا من قبضة رجال الأمن.
التقت "المغربية" بعض بائعي أنواع تلك الحبوب المهلوسة وأكد أغلبهم أن هناك أباطرة متخصصين في جلب هذه الأنواع من الحبوب وبيعها إما بالجملة أو بالتقسيط، للتجار المتخصصين في ترويجها، سواء داخل الأسواق أو في المقاهي أو الفضاءات الخالية.
ففي الوقت الذي كان بائع للمخدرات يحكي لـ "المغربية" عن مغامراته في بيع تلك السموم، تجمهر نحونا عشرات الباعة والزبناء وحاولوا الاستفسار عن الأمر، وحين أخبرهم أنه بصدد الحديث مع صحافيين طلبوا منه اتخاذ الحيطة والحذر، خوفا من كمين رجال الشرطة أو الزج بهم في السجن، ساعتها تغيرت قسمات وجه تاجر القرقوبي الذي رفض الاستمرار في الحديث وطلب منا الانصراف.
وبعد إلحاح وجدال استمر بضع دقائق استأنف التاجر الحديث وطلب من زملائه الدخول في الحوار بعد أن طمأنهم قائلا: "لا تخافوا يا أصدقائي لقد اطلعت على بطاقة الصحافة"، لكن رغم ذلك لم يهدأ بالهم حتى اطلعوا بدورهم على البطاقة المهنية للصحافة.
"ماشي لخطرنا كنغامروا في الطريق"، "نحن مهددون بالقتل من قبل شرطة الحدود"، هذا ما قاله أحد التجار "الممتنعين" في البداية عن الحديث، موضحا أن طريق الاتجار في أقراص الهلوسة محفوفة بالمخاطر، وأنه على الرغم من بيعه لتلك لسموم التي تفتك بحياة المئات من الشباب فإنه قبل أن يتوجه إلى مصدر تلك المواد السامة "يقرأ المعوذتين وسورة ياسين".
وعن سر قراءة تلك الآيات، أجاب : "لأنني أخاف من الموت، وعند قراءتي لتلك السور يمكن لله سبحانه وتعالى أن يغفر لي".
أما مراد (اسم مستعار) فأكد أن الفقر والانقطاع عن الدراسة في سن مبكر من بين الأسباب التي دفعته إلى دخول عالم الاتجار في الأقراص المهلوسة، قائلا: "الحمد لله كنصور في النهار ما بين 2000 و3000 درهم، أو بنيت الوالدة الدار أو خويا الصغير كنقريه في الرباط".
واستطرد مراد: "لو أتممت دراستي لكان مصيري الشارع أو الاستفادة من كشك كباقي المعطلين، صراحة لا أستطيع الابتعاد عن هذه التجارة، لأنها بالنسبة إلي تعتبر موردا ماليا مهما لا أحد يمكن أن يوفره لي".
خريطة بيع القرقوبي
وحسب تجار أقراص "القرقوبي" فإن ثمنها يتأرجح حسب متطلبات السوق، وأحيانا يرتفع ثمن القرص الواحد من 5 دراهم إلى 20 درهما في السوق السوداء، ويؤكد أحد المهربين لـ"المغربية" أن ارتفاع ثمن الأقراص الطبية ومختلف المواد المهربة مرتبط بسوق العملة الصعبة في الأسواق العالمية التي تؤثر على الحياة الاقتصادية.
ومن الأحياء التي تنتعش فيها تجارة أقراص الهلوسة "القرقوبي" بوجدة، حسب تصريحات هؤلاء الباعة، حي "لازاري" و"فيلاج طوبا" و"فيلاج كولوش" و"فيلاج سي لخظر"، إضافة إلى مجموعة من الأحياء الهامشية، وأحيانا وسط المدينة.
شباب في سن الزهور بثياب ممزقة، وآخرون يرتدون أحذية بلاستيكية يجلسون القرفصاء أمام عتبة أحد المنازل وهم يتحدثون عن سبب تأخر مزودهم بمخدر "القرقوبي"، وبعد 10 دقائق التحق بهم شباب يرتدون لباسا نظيفا، ومنهم من يتزين بسلسلة وخاتم من الذهب، جاؤوا أيضا بحثا عن هذا النوع من المخدر.
اقتحمت "المغربية" عالم مدمني القرقوبي وأنواع أخرى من المخدرات، لكن دخول هذا العالم كان محفوفا بالمخاطر، فما كان أمامنا سوى اللجوء إلى أحد الأشخاص الذي تربطه علاقة مباشرة بهؤلاء المدمنين ويهابونه ويكنون له "احتراما" في الحي.
ومنهم من لم يراوح مكانه وكانت لديه رغبة في سرد تفاصيل إدمانه، وآخرون فضلوا الانسحاب، وقبل أن يحكي هؤلاء الشباب الذين كان يجالسهم شباب أعمارهم بين 10 و 14 سنة، حكاياتهم مع تناول "القرقوبي"، سألوا الشخص الذي رافقنا عن سبب مجيئنا، وهل تربطنا علاقة برجال الشرطة أو إحدى الجمعيات التي تحارب "القرقوبي"، لكن بمجرد ما علم أكبرهم أننا ننتمي إلى صحيفة معينة استقبلنا بابتسامة عريضة وردد بنبرة حزينة: "ما كين ما تسمعوا غير الهم، وشي قتل خوه أو شي باه بسباب القرقوبي، الله يقطعوا".
ستون درهما للعلبة
محمد فريد (19 سنة) واحد من مدمني جميع أصناف المخدرات، وفي مقدمتها "القرقوبي"، قال بصوت مبحوح إنه اعتاد على تناول "القرقوبي" الذي يقتنيه بمبلغ 60 درهما للعلبة الوحدة منذ أن خرج حديثا من الإصلاحية.
واسترسل محمد في الحديث بعد أن مسح دموعه: "ظلماتني الوقت والدنيا والبوليس، أو ما بغيتونيش ناخذ القرقوبي، أنا باين لي شي نهار غادي نشرب السم ونخلي هاذ الدنيا ونتمنى من الله يغفر لي".
أما عثمان (22 سنة)، الذي كان يجلس القرفصاء، فقال بحنق: " أنا تْبليت بالقرقوبي غير مع الدراري، كنت كنقرا مزيان ولكن خرجوا عليا، حتى وليت كنبيع كل ما في الدار باش نشري القرقوبي".
وأردف محمد قائلا، وهو يحك أنفه الذي كساه احمرار قاتم بسبب شم المخدرات: "من منا يكره أن يجد نفسه في وسط عائلي ميسور ويدرس في أحسن المدارس أو يمتهن حرفة محترمة".
بدأت ظاهرة أقراص الهلوسة تعرف انتعاشا ورواجا كبيرين في مدينة وجدة، حسب مراقبين منذ آواخر التسعينات ومطلع سنة 2000، إذ بدأت تتصاعد وتيرة بيع أقراص القرقوبي بشكل لافت للنظر، نتيجة انتعاش تلك التجارة، حيث ازداد الطلب ومعه الأرباح.
وأكدت مصادر "المغربية" أن تلك الأقراص الطبية تدخل من الحدود المغربية الجزائرية الممتدة على نحو 500 كيلومترا من السعيدية إلى إقليم فجيج بالجهة الشرقية، المغلقة و"المفتوحة" في وجه التهريب بمختلف أصنافه، موضحة أن تلك السموم أصبحت تهدد الأمن الاجتماعي والصحي جراء إدمان العديد من شباب المنطقة.
تقارير أمنية
وفي هذا السياق، أكد صيدلي أن تلك الأقراص التي تدخل من الجارة الجزائر إلى مدينة وجدة تتسبب في ارتكاب العديد من الجرائم وأن محاضر الشرطة القضائية توضح أن نسبة كبيرة من الجرائم المرتكبة بوجدة، أي حوالي 34 في المائة، وقعت تحت تأثير هذه المادة "القرقوبي".
ومن جهة أخرى، اعتبر مراقبون أن انتشار تلك الأقراص وراءه مسؤولون بالجزائر، هدفهم شن الحرب على المغرب وزعزعة استقراره الأمني والاجتماعي، مشيرين إلى أن مادة القرقوبي لم تنحصر فقط في مدينة وجدة، بل انتقلت إلى مختلف المدن المغربية.
وتشير تقارير أمن ولاية وجدة إلى أن أغلب مروجي المواد المخدرة هم من فئة الشباب العاطل عن العمل أو بعض المستخدمين الذين تتراوح أعمارهم ما بين 21 و45 سنة، ويتحدر جلهم من الأحياء الشعبية، سواء بالمدينة القديمة لوجدة أو الأحياء الهامشية بالمدينة.
وأشارت التقارير نفسها إلى ست حالات من النساء مروجات للمخدرات ضبطن في حالة تلبس، وتتراوح أعمارهن ما بين 21 و40 سنة، يعملن ضمن شبكة تنطلق من الجزائر وتمتد جذورها إلى بعض المدن المغربية، ويتعلق الأمر بـ"نعيمة. ز"، الملقبة بـ"البيضاوية"، التي اعتقلت وبحوزتها أربعة آلاف قرص طبي مهلوس من نوع (Rivotril) كانت موجهة إلى الاستهلاك بالدار البيضاء. ولم تسجل التقارير أي مروج لهذه السموم من بين تلاميذ المؤسسات التعليمية بوجدة.
وتفيد التقارير ذاتها بأن مصالح محاربة المخدرات توقف شهريا ما بين 20 و52 مروجا لمختلف المخدرات، من بينها "القرقوبي، ويرتفع هذا الرقم خلال أشهر الصيف ابتداء من شهر يونيو إلى شهر شتنبر، حيث تمتلئ المدينة بالشباب المغترب، إذ يتجاوز عدد الموقوفين الأرقام المشار إليها في الأشهر العادية، كما يعرف شهر يناير أدنى عدد من المروجين بـ20 إلى 28 شخصا.
وترتفع كمية استهلاك القرقوبي" خلال شهر رمضان لإغلاق الحانات لأبوابها وصعوبة استهلاك الخمور. أما بالنسبة إلى لمدمنين على هذه المواد الممنوعة، فأغلبهم من الشباب العاطل وبدون مستوى تعليمي يذكر، وتتراوح أعمارهم ما بين 20 و50 سنة.
هذا، وتفيد إحصائيات أمنية أنه في سنة 2005 تمكنت المصالح الأمنية بوجدة من حجز ما مجموعه 86.390 من الأقراص الطبية المهلوسة المهربة من الجزائر عبر الحدود المغربية الجزائرية، وحررت حوالي 870 قضية هي هذا الشأن، فيما حجزت خلال سنة 2005، من يناير إلى شهر غشت، ما مجموعه 25.796 من "القرقوبي" إذحجزت 5796 من الأقراص الطبية (القرقوبي)، وحررت 353 قضية، وقديم 194 متهما إلى العدالة بتهمة ترويج المخدرات من ضمنها الأقراص الطبية المهلوسة المهربة من الجزائر.
وفي هذا السياق أكدت مصادر "المغربية" أن المصالح الأمنية المذكورة دأبت على انجاز تقارير سنوية حول الاعتقالات والتوقيفات في صفوف تجار أقراص "القرقوبي"، لكن "المغربية" لم تتمكن من الحصول على إحصائيات جديدة، نظرا لتزامن الفترة التي أنجز فيها الربورتاج مع الزيارة الملكية لمدينة وجدة والصراع بين المنتخبين حول منصب رئاسة المكتب الجماعي للمدينة.
رغم الإصلاحات التي شهدتها مدينة وجدة في عدة ميادين، إلا أن بعض شبابها يفضلون الاتجار في الممنوعات بدل الحصول على وظيفة، ومردهم في ذلك أن الأمر ليس بالهين، بل إنهم ألفوا تلك التجارة التي تدر عليهم مبالغ مالية مهمة.
تنتعش تجارة أقراص الهلوسة بوجدة، حسب الباعة، في حي "لازاري" و"فيلاج طوبا" و"فيلاج كولوش" و"فيلاج سي لخظر"، وبعض الأحياء الهامشية.
في سنة 2005 تمكنت المصالح الأمنية بوجدة من حجز ما مجموعه 86.390 من الأقراص الطبية المهلوسة المهربة من الجزائر عبر الحدود المغربية الجزائرية.