ذكر عمال الفحم الحجري في مدينة جرادة، الواقعة في الجهة الشرقية جنوب عمالة وجدة أنكاد، أن حلول فصل الصيف يساهم في تكريس وضعيتهم الاجتماعية المزرية، بسبب قلة الطلب على الفحم الحجري، باعتباره المصدر الوحيد الذي يعول عليه العمال في المنطقة.
وأضافوا لـ"المغربية" أن ثمن القنطار الواحد لا يتعدى 50 درهما، ومع ذلك لا يحظى بالإقبال، ما جعل أكواما منه تظل مكدسة أمام الآبار المستخرجة منها، في ترقب مستمر لحل أزمة الركود الذي تشهده مادة الفحم في هذه الفترة.
عبر عمال المناجم عن تذمرهم من واقعهم داخل مدينة جرادة، التي قالوا إنها بحاجة إلى إعادة هيكلة جديدة، تعيد ترتيب وبناء الهياكل الاجتماعية والاقتصادية، خاصة وأن أغلب السكان بمن فيهم الحاصلون على الشهادات الجامعية لا يجدون بدا غير العمل في آبار المناجم، في غياب شروط السلامة وضمانات اجتماعية وصحية تقيهم خطر انهيار الآبار عليهم أثناء الحفر.
وأفادوا بأن استخراج الفحم الحجري يكلفهم مجهودات جسدية ونفسية كبيرة، مقابل مدخول هزيل لا يرقى إلى مستوى متطلبات العيش، إلى جانب أن هناك من العمال من يستثمر أمواله في حفر بئر لتشغيل باقي العمال ليفاجأوا بغياب المادة فيه، ما يدفعهم إلى الجلوس لأيام دون عمل في منأى عن أي بديل آخر.
وأشار العمال إلى أن مشاكلهم تزداد سوءا بعد تعرضهم لمرض "السيليكوز" الناجم عن المواد الكيماوية المكونة للفحم، ودون أن يوجد داخل إقليم جرادة مستشفى خاص لعلاج مرضى "السيليكوز"، خاصة بعد توقيف خدمات مستشفى بن رشد الخاص بمرضى السيليكوز المحدث في إطار الاتفاقية الاجتماعية بين الحكومة والنقابات، بتاريخ 17 فبراير 1998، على إثر إغلاق شركة "مفاحم المغرب".
اختناق السكان
إن "الروس حينما أنشأوا المعمل سنة 1975 فكروا أن دور المرشحات التي يعتمدها المعمل هو محاولة رشح الجزيئات الصلبة من الدخان الناتج عن احتراق الفحم، والمحمل بثاني أوكسيد الكربون وثاني أكسيد الكبريت، المسبب للأمطار الحمضية، والسماح للجزيئات الغازية فقط بالخروج من مداخن طولها 180 مترا لتتطاير في الجو بعيدا عن المحيط السكاني"، يقول عبد العزيز بلعيدي، الكاتب العام "للجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، فرع جرادة، في محاولة رصد التدهور البيئي الذي يخلفه انتشار ركام الفحم الحجري، نتيجة مدخنتي المعمل الحراري بحاسي بلال، مضيفا أن أن الحاصل عكس ذلك، حيث إن قدم منشآت المعمل، خاصة المرشح (les filtre) يعتمد في تصميمها تقنية أكل عليها الدهر وشرب (les filtres électrostatique)، وتعتمد فقط في الشطر الثالث، على خلاف الشطرين الأول والثاني المعتمدة على (filtres mécanique ) والتقنيتين لا طائل منهما".
من جهته، أكد جمال علاي، رئيس الفرع المحلي "للجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، قائلا: إن السكان اختنقوا من الجو الكئيب للمنطقة التي أصبحت مرتعا لبقايا الفحم الحجري، حيث لم يعد هناك متنفس طبيعي يخفف الحدة، بعدما نقص الغطاء النباتي، وأصبحت التربة الفلاحية فقيرة تخلو من المواد العضوية بسبب الأمطار الحمضية الناتجة عن مرض السيليكوز.
ويسجل عمال المناجم، أن قطاع الصحة بالإقليم يعاني وضعا متخبطا، منذ إنشاء المستشفى الإقليمي بجامعة لعوينات، الذي يفتقد إلى طواقم طبية متخصصة في مرض السيليكوز، إضافة إلى ضعف الخدمات الصحية بالمستوصفات الموجودة بالمجالين الحضري والقروي، وعدم التزام بعض الأطر الطبية بمواقيت العمل.
ولم يغفل سكان جرادة الإشارة إلى أن الواقع الطبيعي للمنطقة زاد من تأزمه الاستغلال المفرط لأشجار الغابة، التي تعتبر المتنفس الوحيد للسكان، حيث تستعمل الأشجار للأغراض التجارية، فتباع في الأفران والحمامات، إلى جانب انتشار مواقع لتخزين الفحم بشكل عشوائي يستفيد منه مستغلوه في منأى عن شروط السلامة بالنسبة إلى السكان والبيئة المحيطة بهم.
وفي السياق ذاته، أورد تقرير "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" أن "مجال الشغل في المدينة شبه منعدم، ما يدفع بالكثير من الشباب الحاصل على الشهادات الجامعية إلى العمل في آبار المناجم بعد إغلاق شركة المفاحم، والغوص في باطن الأرض في ظروف لا إنسانية تفتقر إلى أبسط شروط السلامة، كما هو متعارف عليه في المواثيق الوطنية والدولية، وذلك في غياب الانخراط في الصناديق الاجتماعية والتأمين والتغطية الصحية، وهذا ما ترتب عنه تبعات اجتماعية وصحية خطيرة ذهب ضحيتها مجموعة من الشباب وأرباب أسر، كان آخرها الضحية محمد معراض، "الذي لقي حتفه يوم 5 ماي الماضي، بعد أن تهدم عليه الحجر وهو يحفر تحت الأرض لاستخراج الفحم، مخلفا أرملة دخلت المستشفى للإنجاب يوم وفاته".
إلى ذلك دعا سكان مدينة جرادة إلى ضرورة تدخل المعنيين لتخليص المنطقة من شوائب الفحم الحجري الذي اكتسحها على نحو لم يعودوا قادرين على تجنب مخلفاته الكيماوية المضرة بالصحة، ثم توفير نظام للحماية الصحية يستفيد منه الجميع على نحو متكافئ بإنشاء المرافق الصحية والخدمات والبرامج الطبية بطريقة متاحة لكل أفراد المجتمع دون أي تمييز، تحظى بالقبول، وتضمن الجودة حسب المضمون المعياري الوارد بالتعليق العام رقم 14 للجنة الأممية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".