نزلت جرافات السلطات المحلية فجأة إلى سوق "كاسبراطا"، صباح يوم 15 يونيو الجاري، حيث تزامنت عملية الهدم مع العطلة الأسبوعية، وقامت السلطات بهدم محلات مليئة بسلع المواطنات والمواطنين، التي هي مصدر رزقهم الوحيد، ما يعني تشريد ما يناهز 4000 عائلة، حسب ملاحظين.
نظم المتضررون وقفة احتجاجية، مؤازرين بـ"الجمعية المغربية للحقوق الإنسان". ووصف المحتجون عملية الهدم بـ"التعسف" الذي طالهم، وطالبوا كل الضمائر الحية لمؤازرتهم، وفتح تحقيق نزيه حول هذا الملف من ما أسموه "خروقات منافية للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، التي تنص عليها المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وكذلك التنديد بالغياب الكامل لممثلي المجالس البلدية المنتخبة.
وكان التجار استيقظوا على خبر التهديم الذي تعرضت له دكاكينهم ومتاجرهم دون سابق إنذار.
وقال أحد المتضررين من عملية الهدم: "تلقينا نحن البسطاء من التجار، الذين كافحوا وكابدوا من أجل الحصول على دكاكين بهذه السوق، ضربة لم نكن ننتظرها"، وحسب التجار، فسوق "كاسّابراطا"، ليس بالسوق العشوائي، بل هو من الأسواق التي اعتبرت نموذجية بداية التسعينات، والتي سلمت على يد المجموعة الحضرية، ورئيسها آنذاك عبد السلام الأربعين.
ومع تشبث التجار بمتاجرهم، وبقبولهم لمبدأ الحوار على قاعدة التعويض الجماعي بأسواق نموذجية أخرى بالمدينة، لم تتوان السلطات بالمدينة عن تطبيق خطتها، التي تبدأ في غالب الأحيان باستدعاء المحاورين، ليتم تهديد البعض منهم بالاعتقال، وتقديم الوعود بالامتيازات للبعض الآخر..
وفي حالة الامتناع والتعنت، تبدأ في تنفيذ الخطط المبيتة بالليل، والتي لا تراعي أدنى القوانين والحقوق، التي وعدهم بها ممثلو السلطات والمنتخبين.
وشرعت جرافات السلطة في تهديم المتاجر صبيحة الجمعة على الساعة السادسة، وبعد التجمهر والاحتجاج من قبل المتضررين، تم توقيف الهدم ليبدأ الحوار، الذي لم يخرج به الطرفين بأي نتيجة.
خلال ليلة السبت شرعت مرة أخرى السلطات في تنفيذ مخططاتها بتهديم العشرات من الدكاكين، مما سيهدد التجار وأسرهم بالتشرد، فآلاف الأسر معرضة الآن للتشرد، في وقت تعرف فيه المدينة، على غرار جميع المدن، حالة من الركود، من جراء الأزمة الاقتصادية الحالية.
فالعديد من المعامل تسرٌح وتطرد العاملين والعاملات بها، إذ أن العديد من الأوراش في قطاع البناء أوقفت أشغالها، وكذلك في العديد من قطاعات الخدمات والتجارة تعرف، هي الأخرى، الركود والكساد بالنظر لموجة الغلاء، وبالنظر لتدهور القدرة الشرائية لدى الغالبية الساحقة من المواطنين.
وقد نددت جمعية المجتمع المدني، بعد وقوفها على عملية الهدم، وقالت إنها "تهدد بكارثة إنسانية في حق الأسرة التي حكمت عليها السلطات، بالتشرد تحت التهديد"، وأعلنت عن تضامنها اللامشروط مع احتجاجات الجماهير المتضررة، والمطالبة بحقها في التعويض عن متاجرها في أسواق نموذجية أخرى.
كما أدانت في بيان لها ما أسمته "كل الأساليب الترهيبية"، التي شابت الوقفات الاحتجاجية، حيث حاولت السلطات منع المناضلين والمتظاهرين، حسب لغة البيان.
يذكر أنه كان قد شب حريق مهول بالسوق المذكور لعدة مرات، كان آخرها الشهر الماضي في حدود الساعة السادسة مساء، وحسب المسؤولين عن الوقاية المدنية، فالحادث لم يخلف خسائر بشرية، نظرا لكون جل الدكاكين مغلقة، ولم يتمكن أصحابها من إنقاذ ما يمكن إنقاذه من بضاعة ومتاع.
وتعزى أسباب هذا الحادث حسب شهود عيان لتماس كهربائي، وقع عندما كان أحد التجار يقوم بتلحيم جدران دكانه الحديدية والقصديرية، إذ تسربت النيران بسرعة إلى الدكاكين المجاورة بفعل الرياح، نظرا لوجود مواد قابلة للاشتعال، كالأفرشة الإسفنجية (البونج)، والأثاث المنزلية المصنوعة من الخشب.
وتجند لإخماد الحريق والتغلب على لهيبه ما يناهز 90 رجلا من الوقاية المدنية، مدعمين بثمان شاحنات صهريجية، واحدة منها تابعة للمكتب الوطني للمطارات (مطار ابن بطوطة)، بالإضافة إلى فرق رجال الأمن والدرك والقوات المساعدة، وشابت عملية الإطفاء بعض العراقيل في المرحلة الأولى، نظرا لتوفر المنطقة على فوهة واحدة للحريق فقط.
وللإشارة فإن سوق "كاسّابراطا" منذ إنشائه، قد تعرض لحرائق سنوات 1975 و1991 و2007. وحاولت "الصباحية" الاتصال بالسلطات المحلية في الدائرة 15 التي يوجد فيه سوق "كاسّابراطا"، لكن الهاتف ظل يرن دون مجيب.