انتعشت تجارة بيع الورد بحلول فصل الصيف، فصل الأفراح والمسرات، بعد الركود الذي شهدته خلال الفترة الماطرة، جراء التقلبات الجوية ورداءة أحوال الطقس، نظرا لقلة الإقبال عليها وارتفاع الأسعار
إلى جانب ذلك، يتدمع معظم باعة الورود يتذمرون من عدم توفرهم على ضمان اجتماعي أو معاش يمكنهم الاعتماد عليه في أرذل العمر.
فالورود تعتبر سمة من سمات التعبير عن الود والمجاملة عند المغاربة، كما أن أنواعها وألوانها تحمل أيضا أكثر من دلالة لا يعرفها إلا المولعون بها ومن لهم باع طويل في تجارتها، فكم من فنان أبدع وتغنى بالورد.
فالمغاربة أصبحوا يهتمون بثقافة اقتناء الورود لتزيين بيوتهم، أو تقديمها كهدية وكعربون محبة ومجاملة، كما أنها أضحت من ضروريات إقامة الأعراس، لتأثيث فضاء القاعات والصالات التي تقام بها الأفراح، وتزين بها سيارات العرسان تيمنا ببداية حياة وردية.
استبشر باعة الورود بالدار البيضاء خيرا، بعد الكساد الذي أصاب تجارتهم خلال فصل الشتاء، هذا ما أكده الحاج احمد بائع الورود بالدار البيضاء منذ (30سنة) ، الذي قال لـ"المغربية" إنه " لم يشهد ما وصلت له وضعية بيع الزهور خلال هذه السنة، نظرا لقلة الإقبال عليها من طرف المواطنين خصوصا وفي الأيام العادية ولا يقبل على شرائها سوى بعض الأجانب الذين مازالوا يقطنون وسط المدينة ويأتون كل صباح للتبضع من سوق "مارشي سنطرال"، لأنهم اعتادوا اقتناء باقة من الورود لتزيين بيوتهم والاستمتاع بمنظرها".
مضيفا أن" باعة الورود، سيما الأشخاص الذين يعتبرون مساعدين لأصحاب المحلات، يتذمرون من عدم توفرهم على ضمان اجتماعي أو معاش يمكنهم الاعتماد عليه، إلى جانب الأجر الزهيد الذي يتقاضونه مطلع كل أسبوع والذي لا يكفيهم أمام ارتفاع أسعار المعيشية اليومية، فهم يحبون هذه المهنة، ولا يتصورون أنهم سيتخلون عنها يوما بالرغم من جحودها لهم، فقد تشبعوا بها منذ نعومة أظافرهم وأتقنوا أبجديات فن التعامل معها، بداية من ترتيبها وإعدادها وتزيين الأكاليل الجيد الذي يجدب أنظار الزبناء".
وحسب بوشعيب، بائع الزهور بالدار البيضاء بالقرب من مستشفى ابن رشد، الذي قال لـ"المغربية"، إن المغاربة أصبحوا يتقنون لغة التعامل مع الأزهار، لأن هذا التعامل يعتبر فنا قائما بذاته لا يتقنه إلا الشغوفون بعالم الورود، سواء الذين اكتسبوه عبر التجربة الطويلة أو الذين لهم إلمام بعالم النباتات، فترتيب الزهور بعناية يضيف لمسة ساحرة على إكليل الزهور بالمزهرية".
ويضيف بوشعيب ذو الخبرة الطويلة في الاشتغال في سوق الورود أن "تشكيل الباقة يجري سواء حسب طلب الزبون واختياره لها، أو حسب المناسبات التي تخصص لها، فالباعة يبرعون في إتقان لغة الأزهار ويحفظون عن ظهر قلب، اسماءها وأنواعها وأشكالها وأوانها ولكل منها دلالات ورموز مختلفة، وفن تنسيق الزهور يكتسبه الباعة عبر تبادل المعلومات والتجارب في ما بينهم" ويشير في الإطار نفسه إلى أن "الباعة أصبحوا يتفننون في إعداد المزهريات، وفي تنسيقها بإدخال جل التحسينات التي يمكن أن تخطف أنظار مقتنيها، لذا فمن الضروري أن تكون موسومة ببعض اللمسات الفنية والجمالية لإعدادها، فهم يعتمدون في ذلك على بعض الإكسسوارات من ضمنها السلل القصبية، أو بعض المزهريات المصنوعة من الفخار بأشكال وأحجام مختلفة، والأشرطة الحريرية ذات الألوان الزاهية التي تزين بها جنبات الباقات التي تعد لمناسبة معينة".
مضيفا أن " الطلب في السابق كان متزايدا، سيما من طرف الفرنسيين الذين كانون يوجدون بكثافة بالمغرب، أما الآن فقد تراجع عددهم ولم يبق منهم سوى القليل، وفي الأيام العادية لا يشتري الورود سوى زوار المستشفى القريب من سوق الأزهار لعيادة مرضاهم، أو أيام السبت والأحد حيث تكثر المناسبات التي تقدم فيها الازهار كهدية".
وصرح خليل مشتري ( 39 سنة) خبير في علم النباتات، لـ"المغربية" أن "المغاربة تشبعوا بثقافة التعامل مع الأزهار، وتقديمها كهدية، في الأعراس والمسرات، أو عند زيارة مريض بمستشفى، أو في بعض الأعياد، كعيد المرأة او عيد الحب، أو في عيد رأس السنة حيث تنفذ الورود من الأسواق نظرا للإقبال الكثيف، مما يتسبب في مضاعفة سعرها في هذه الفترات مقارنة مع سائر الأيام".
وينصح خليل الأشخاص الذين يقبلون على شراء الأزهار بأن " يختاروا الأزهار والورود اليانعة، ويتفادوا الأزهار الذابلة، والتي يشوبها بعض الاصفرار أو ذات الرائحة الكريهة والمشبعة بالماء، أو القديمة، إلى جانب اختيارهم اللائق للمزهرية التي توضع فيها الأزهار".
أما الحاج العربي (57 سنة )، صاحب ضيعة لبيع الزهور بضواحي الدار البيضاء، الذي اكتسب هذه المهنة منذ الصغر عندما كان يشتغل لمدة طويلة مع بعض الأجانب، راكم خلالها تجربة وخبرة في كيفية التعامل مع الأزهار، ومعرفة أنواعها وألوانها والفترات اللائقة لإنتاجها، فصرح لـ"المغربية"، أنه " كان في السابق يصدر الأزهار للخارج، بينما اليوم أصبح إنتاجه موجها حتى للاستهلاك الداخلي، نظرا للطلب المتزايد عليها من طرف الباعة بالتقسيط، أو بعض المؤسسات التي تزين بها فضاءها كالمطاعم والفنادق الفاخرة".