تطرح الأشغال المنزلية في الآونة الأخيرة نقاشا حادا داخل عدد من الأسر المغربية، خصوصا التي يمكن اعتبارها أسرا عصرية، أو على الأقل التي تشتغل رباتها خارج البيت، ويساهمن في مصاريف الحياة اليومية، إذ غالبا ما يغفل الزوج والمجتمع عموما المجهود الذي تبذله ربة ا
وكان هذا النقاش أثارته الحركة النسائية في المغرب، حين كان المغرب مقبلا على تعديل مدونة الأحوال الشخصية، وإصدار مدونة الأسرة، وكانت عناصر من هذه الحركة سجلت عدم إدخال العمل المنزلي في عقد الاتفاق بين الزوجين لاقتسام الثروة المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، بهدف ضمان حقوق الزوجة في حالة الطلاق، ومن المهتمين من اعتبر هذا الطرح يضمر مطالبة الزوجة بأجر عن الأعمال التي تنجزها في بيتها.
بعيدا عن النقاش القانوني، ترى بعض النساء المغربيات العاملات خارج البيت، أنه من الظلم أن يفرض عليهن تحمل أعباء الأشغال المنزلية لوحدهن، على اعتبار أنهن يعملن خارج البيت، ويبذلن جهدا لضمان دخل يساهمن به في متطلبات الأسرة، مثلهن مثل الأزواج الذين لا تعنيهم هذه المهام المنزلية، بل إنهم لا يعترفون للزوجات بما يقدمنه من خدمات للبيت والأسرة.
وترى عدد من النساء اللواتي استقت "المغربية" آراءهم، أنه من الظلم أن يفرض الزوج على زوجته المساهمة في مصاريف الحياة الأسرية، باعتبارها موظفة أو مستخدمة، في الوقت الذي تظل مهام البيت وأشغال المنزل وتربية الأبناء تعد من اختصاصها، وعليها أن تؤديها دون ملل أو كلل أو تبرم، وتستحضر معظم هؤلاء النساء، كيف أن أزواجهن يأمرنهن بعدد من المهام التي تطلب منهن جهدا مضنيا، وتفرغا، دون الأخذ بعين الاعتبار مهامهن خارج البيت.
قالت (م.ف) صاحبة مشروع تجاري "حين كنت عازبة صدمت لما أعلنت إحدى زبوناتي أنها تصر على عدم المساهمة بمالها الخاص وأجرتها في مصاريف البيت، ومساعدة الزوج على تحمل هذا الأمر، خصوصا أن هذه الزبونة تشتغل في إحدى المؤسسات الاقتصادية الكبرى، وتتقاضى أجرا يكاد يفوق أجر زوجها".
وقالت الزبونة عن زوجها "إنه يحرص على أن يظل ذلك الزوج التقليدي الذي على الزوجة أن تخدمه، وتهيئ له شروط الراحة داخل البيت، وأن تلبي جميع طلباته، وأن البيت بالنسبة إليه هو فضاء للراحة والاسترخاء واسترجاع النفس".
وترى عفاف أن زوجها يتعامل مع الأشغال المنزلية على أنها "توفر المتعة للنساء، وأنها لا تطلب منهن أي مجهود أو عناء، ويتناسى غالبا أنني أشتغل مثله خارج البيت وأساهم في مصاريف الأسرة".
بنبرة ساخرة قالت (ل. س. ب) الصحافية في إحدى المجلات، "حين كان النقاش جاريا حول عمل المرأة خارج البيت، انقسم رجال المجتمع إلى مؤيدين ومعارضين، واكتشف المعارضون منهم، أنهم كانوا غير أذكياء في تعاملهم مع الموضوع".
وزادت موضحة أن عمل المرأة خارج البيت، كان في مصلحة الرجل بالدرجة الأولى، ولم يكن في مصلحة المرأة، بالمعنى الضيق للمصلحة، لأن عملها خارج البيت لم يعفها من مهامها التقليدية في العناية بالبيت والأبناء، بل زادها مسؤولية إضافية، وفي الوقت الذي أصبحت هي مساهمة أساسية في مصاريف البيت ومتطلبات الحياة، تملص الرجل من مسؤوليات كان هو من يضطلع بها، ولم تتزحزح قناعته بأن العمل المنزلي هو شأن نسائي بامتياز". وأضافت مقهقهة مازحة، "النساء اليوم متورطات في العمل خارج البيت الذي لم يعفهن من مهامهن المنزلية".
وكرد فعل إزاء ما وصفته، (ل. س. ب) بـ"الورطة"، قالت عائشة (مستخدمة)، "أرفض رفضا باتا المساهمة في مصاريف البيت، لأن زوجي لا يساهم معي في الأعباء المنزلية، بل يلزمني بخدمته كطفل صغير عاجز عن جلب كوب ماء، أو تلميع حذائه"، واستطردت موضحة، أن ما تقاضاه عن عملها خارج البيت، قد تصرف جزءا منه لشراء ثريا، أو تغيير فراش غرفة الجلوس، أو اقتناء طقم صحون أو كؤوس من النوع الرفيع، ولم تنف أنها تصرف جزءا مهما من مدخولها على زينتها وهندامها، وأن لديها رصيدا في البنك، قالت إنها تحرص على تطعيمه بانتظام، حماية لها مما أسمته "دواير الزمان".
وتحكي الغالية التي فضلت اللجوء إلى التقاعد النسبي، أنها تعبت من المهام المزدوجة التي عليها أداؤها مهما كانت ظروف العمل أو ظروفها الصحية والنفسية، وقالت صرت أشعر بالحرج حين أجد نفسي غير قادرة على إنجاز مهامي كموظفة، إذ أن زملائي يعتبرون أنهم من يسدون الثغرات التي أحدثها جراء عدم إنجازي لمهامي، وأضافت أن توزعها بين العمل داخل البيت وإكراهاته والعمل خارج البيت وضغوطاته النفسية هو ما دفعها إلى اتخاذ قرار اللجوء إلى التقاعد النسبي.
وفي الوقت الذي استبعدت بعض الآراء وجوب مساعدة الزوج في الأشغال المنزلية، بحكم ظروف عمل الأزواج والفترات التي يقضونها خارج البيت، تعتبر بعض الزوجات الشابات أن شباب اليوم متفهم، إذ أن الأزواج يساعدون زوجاتهم في بعض الأعمال السهلة والممكنة بالنسبة لهم كغسل الأواني وتقشير الخضر، ونشر الغسيل.. وقالت خديجة التي تعمل كاتبة في إحدى الشركات إن "ربة البيت تتعب كثيرا في تربية أبنائها والسهر على طلباتهم، ولا أنفي أن زوجي يساعدني ما أمكن في بعض مهام البيت، لأنه شخص منظم ويحب الترتيب كثيرا داخل البيت.
تعاني العديد من النساء المغربيات من الدوالي، وهو مرض تساهم في ظهوره العديد من العوامل، مثل السمنة المفرطة وقلة الحركة وكثرة الوقوف، وقد يظهر أكثر مع حمل المرأة، ويظهر هذا المرض أكثر لدى فئة النساء العاملات، خاصة اللواتي يتعبن في محاولة التوفيق بين التزامات العمل والواجبات المنزلية.
وعموما تعيش المرأة المغربية حياة متعبة تفتقر للراحة خاصة، حينما تكون عاملة أو موظفة أو مستخدمة، ويزيد من هذا التعب أن مداخيل الأسر لا تسمح دائما بالاعتماد على خادمات البيوت، ويسود الاعتقاد في المجتمع المغربي بأن المرأة التي تعتمد على نفسها في إنجاز الأشغال المنزلية بمفردها هي سيدة بيت ممتازة يشهد لها الجميع بالنجاح في حياتها فتوصف بـ"الحادكة" و"الحرة"، وأنه من العيب أن تسمح للزوج بمساعدتها في البيت، لأن ذلك يحط من قيمته كرجل، ويبدو أن هذا الاعتقاد راسخ في ذهن النساء والرجال على السواء.
وتمنع الظروف المادية حتى النساء العاملات إلى جانب أزواجهن، الكثير من الأسر المغربية من اللجوء إلى مساعدة الخادمات، فالأسعار في ارتفاع متواصل والمصاريف التي تدفع لهؤلاء الخادمات تعتبر مرتفعة بالمقارنة مع ما تتقاضاه هذه الأسر، لذلك تعجز أغلب العائلات التي يشتغل بها كلا الزوجين عن دفع مستحقات الخادمة.
كل هذه الظروف تجعل من المغربية العاملة خارج البيت، تتعب نهارا في العمل، ومساء وليلا في المنزل، وقد لا تأوي إلى فراشها إلا بعد منتصف الليل، بينما تضطر صباحا للنهوض باكرا للاهتمام بالأطفال وفطورهم قبل مغادرتهم البيت في اتجاه المدرسة، كل هذا في ظل غياب شبه كلي ليد العون من قبل الزوج ما يطرح السؤال "أين تظهر الشراكة بين الزوجين، خاصة في حالة الأسرة التي يعمل بها الزوج والزوجة" سؤال قد يطرح بصوت خافت جدا يكاد لا يسمع، لأن عددا من المغاربة سيعتبرونه سؤالا غير مشروع، فوظيفة المرأة الطبيعية والأولى بالنسبة لهم تنحصر في أداء الأشغال المنزلية والاهتمام بزوجها وأطفالها، أما من قررت الخروج للعمل فعليها تحمل مسؤوليتها وتبعات قرارها، دون إلزام الرجل بدفع الثمن بدلها.
يسود هذا التفكير في الوقت نفسه الذي يزداد فيه الإقبال على الزواج من المرأة العاملة ذات دخل شهري قار، ويكفي إلقاء نظرة على ركن طلبات الزواج بالجرائد، ليتضح أن هناك توجها قويا وميلا كبيرا نحو تفضيل الارتباط بالمرأة العاملة، ربما هي نتيجة عملية حسابية لتكاليف الزواج في الوقت الراهن في المغرب، وتصور مسبق مدروس للحياة الأسرية، ومتطلباتها المتكاثرة يوما بعد يوم .
مع ذلك لا يزال الرجل المغربي مؤمنا في قرارة نفسه، وفي عقله الباطن، بأن الأشغال المنزلية هي من طبيعة المرأة لا الرجل، لذلك فحتى إن وصل الرجل المغربي إلى مرحلة متقدمة من تقبل عمل المرأة خارج المنزل، وتبنيه فكرة مجاورته للمرأة في مكتب العمل، فإن ذلك لا يعني بالضرورة اقتناعه بأهمية العمل كقيمة في حياة الفرد بغض النظر عن جنسه، وإنما قبوله بهذا التحول الاجتماعي ما هو إلا رضوخ للأمر الواقع، وتجاوب مع حاجات اقتصادية، "الرابح الأكبر فيها هو الرجل المتزوج من امرأة عاملة، تتقاسم معه التكفل بالمصاريف المنزلية، بينما لا يتقاسم معها التكفل بأشغال المنزل" كما ورد في أحد المقالات المنشورة بموقع بوابة المرأة، ومن بين نتائج هذه الشراكة العرجاء إن صح الوصف، هو تعب المرأة نفسيا وجسديا، ولا عجب بذلك أن تصاب نسبة كبيرة من النساء بالدوالي.