يتأثر قطاع التجارة الداخلية (الصغرى والمتوسطة)، أكثر فأكثر، نتيجة الارتفاع المتواصل للنشاط التجاري في المساحات الكبرى، ما أدى إلى تهديد 20 ألف تاجر صغير، في الدارالبيضاء وحدها، معظمهم متخصصون في بيع المواد الغذائية.
وحسب رئيس الجمعية المهنية لتجار المواد الغذائية بالجملة والتقسيط في الدارالبيضاء، تسببت "المنافسة غير المتكافئة، بين التجار الصغار والشركات الكبرى، في تضرر 3000 آلاف متجر في العاصمة الاقتصادية"، مشددا على أن "ارتفاع الضرائب، وتنامي التجارة غير القانونية، المتمثلة في ظاهرة البيع في الأرصفة, والأسواق غير المهيكلة, والتهريب، عقد أوضاع التجار الصغار والمتوسطين".
ويرى رئيس الجمعية، في تصريح لـ "المغربية" أن تعدد الضرائب والرسوم، والجبايات المحلية، والتحملات، مقابل تدني الرواج، يؤدي إلى عرقلة الاستثمار في القطاع التجاري، ما يجعل التجار والحرفيين في وضعية لا تسمح بتطوير أنشطتهم, مؤكدا ضرورة التعجيل بإخراج مشروع التغطية الصحية لفائدة التجار إلى الوجود.
وما فتئ التجار في الدارالبيضاء، يطالبون، عبر تنظيماتهم المهنية بإشراكهم في أي مخطط أو مبادرة، تقدم عليها السلطات المختصة, لاسيما في مجال تنظيم قطاع التجارة الداخلية, ويرون أن الحل الأمثل القادر على تسوية الوضعية المقلقة في مناطق درب السلطان، وشارع محمد السادس، ودرب عمر، على الخصوص، يكمن في بناء مجمعات نموذجية في مناطق أخرى, كما أظهرت تجربة مبادرة في الحي المحمدي, على سبيل المثال, بعد إحصاء التجار المتجولين, وحصر اللائحة.
من جهتها، تقول السلطات المختصة إنها وضعت برنامجا، على المدى المتوسط والبعيد، يسمح بتسوية مشاكل التجارة الداخلية، عبر إشراك التجار الصغار والمتوسطين في برنامج أسمته "رواج: 2020".
في هذا الصدد، تتوقع منية بوستة، مديرة التجارة الداخلية، بوزارة الصناعة والتجارة والتكنولوجيات الحديثة، أن يمكن البرنامج من جعل المغرب "فضاء للتسوق بامتياز، بتقديم عروض تستجيب لمتطلبات كل فئات المجتمع".
وقالت بوستة، في عرض قدمته أخيرا في آسفي، بمناسبة الدورة الخامسة لربيع التجارة، إن بلوغ هذا الهدف سيجري على أساسا محورين استراتيجيين، يتعلقان بتوفير المواد للمستهلكين، واتخاذ إجراءات لفائدة الفاعلين في التجارة, عبر تحسين تنافسية الفاعلين، وتطوير أنماط جديدة للتوزيع، وعصرنة تجارة القرب، ومواكبة تطور المقاولات ذات علامة تجارية مغربية، وإعادة تأهيل الفضاءات التجارية.
ويشهد قطاع التجارة, الصغرى والمتوسطة, إيقاع نمو متواصل يقدر بـ 6 في المائة سنويا, وفق الوزارة الوصية. ففي سنة 2007, ساهمت التجارة بنسبة 10.6 في المائة من الناتج الداخلي الخام الوطني, بقيمة مضافة بالسعر الجاري تصل إلى 65 مليار درهم. وخلق القطاع, في السنة ذاتها, مناصب شغل لفائدة 1.29 مليون شخص, مشكلا بذلك مصدر دخل لفائدة 12.5 في المائة من السكان النشيطين.
وحسب وزارة التجارة, شهد القطاع, في العقدين الأخيرين, بروز نمطين جديدين للتجارة, على ضوء التوزيع الكبير وشبكات التحرر الاقتصادي. وتشهد العلامات التجارية للتوزيع "نجاحا حقيقيا لدى المستهلكين", كما تدل على ذلك معدلات نموها, التي تتجاوز20 في المائة سنويا.
وتطبع التجارة الحديثة, أكثر فأكثر, النسيج الاقتصادي الحضري وتطور البنيات التحتية التجارية, من خلال التجديد على مستوى فضاءات الاستقبال, عبر العمل على تطوير مفاهيم جديدة (الأروقة التجارية, وفضاءات التسلية التجارية, والأسواق التجارية الكبرى).
ومن جهة أخرى, يعد القطاع غنيا بنسيج من التجارة المستقلة, مضطلعا بدور استراتيجي على مستوى تموين مجموع التراب الوطني. فهذا النوع من التجارة متجذر بشكل قوي في عادات استهلاك الأسر المغربية, ويتوفر على مؤهلات خاصة لدى الزبناء.
وتمثل التجارة المستقلة حوالي 90 في المائة من قطاع التغذية العامة, ويشكل 825 ألف نقطة بيع, في مختلف القطاعات. كما يتوفر هذا النوع من التجارة على مؤهلات مهمة للتنمية, تؤهله ليندرج في إطار مسلسل للتحديث المندمج.
وبهدف إعطاء دفعة جديدة لتجارة القرب, وضعت الدولة برنامج "رواج", الذي حدد أهداف طموحة لتنمية القطاع. وهو برنامج يهدف إلى رفع الناتج الداخلي الخام للتجارة من 68.5 مليار درهم سنة 2007, إلى 98 مليار درهم, وخلق أكثر من 200 ألف منصب شغل إضافي, في أفق 2012.
يبلغ عدد الباعة المتجولين في الدارالبيضاء الكبرى 128 ألفا و 572 شخصا. وكشفت دراسة أنجزتها المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط (الدارالبيضاء), أن عدد الباعة المتجولين في الجهة يعادل 10 في المائة من مجموع السكان النشطين, بينما يوجد 13 ألفا و310 بائعين متجولين في عمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان (حوالي نصف عدد الباعة المتجولين في الجهة).
وحسب الدارسة, جرى تحديد 30 نقطة بيع موزعة على مختلف تراب عمالة درب السلطان الفداء, وتبين أن عدد الباعة المتجولين يبلغ ذروته يوم الأحد بأكثر من 11 ألفا و235 بائعا متجولا. وأشارت إلى أن المعدل اليومي للباعة المتجولين يقدر بـ 7700 بائع.
أما الرأسمال المروج فلا يتجاوز متوسطه 3 آلاف درهم, إذ يقل عن ألف درهم لدى 45 في المائة, وعن 500 درهم لدى 22 في المائة, ويتداول 18 في المائة منهم رأسمالا يفوق أربعة آلاف درهم.
وحصرت انعكاسات ظاهرة البيع غير المنظم بشكل خاص في المنافسة غير الشريفة للقطاع غير المنظم, وحرمان الدولة والجماعات المحلية من مداخل مهمة, وترويج مواد غذائية فاسدة, ومأكولات غير صحية, وسلع غير مراقبة, إضافة إلى أن المجال يعتبر ميدانا خصبا للرشوة والزبونية.