فعاليات جمعوية تدعو إلى القضاء على تعذيب الخادمات

الثلاثاء 12 ماي 2009 - 07:30

يعذب عدد من الخادمات ويحرمن من أبسط حقوقهن في غياب قانون يراقب ويعاقب مشغليهن، وتتباين مخلفات الاعتداءات، التي تتعرض لها هذه الفئة في البيوت المغربية، بين إحداث تشوهات خلقية وعاهات مستديمة

بالإضافة إلى عقد نفسية، واغتصاب، وقتل أحيانا، فهن يتعرضن لعنف المشغلة وتحرشات زوجها أو أبنائها، وخوفا من أن يطردن ويصبحن عرضة للشارع، يعانين في صمت قسوة القلوب التي لا ترحم.

ويرى عدد من الفاعلين الجمعويين أن الظاهرة التي ترتفع بعدد من المدن المغربية بفعل ارتفاع الطلب على الخادمات الصغيرات، تعد حيفا في حق فئة من الفتيات، حكمت عليهن ظروف اجتماعية إلى الاعتماد على سواعدهن من أجل سد الحاجة.

وتصديا لارتفاع الظاهرة، أطلقت فعاليات جمعوية حملة حظر تشغيل الخادمات الصغيرات، منذ مارس الماضي، بهدف تجريمه، والضغط على الجهات الرسمية لوضع قانون يتضمن إجراءات كفيلة بالقضاء على العمل في البيوت دون السن القانوني للشغل.

وأفاد بيان مشترك لجمعية شرق غرب وجمعية إنصاف والجمعية المغربية لحقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية، توصلت "المغربية" بنسخة منه، أن الجمعيات الموقعة تذكر الحكومة بمسؤولياتها بموجب القانون الدولي، وتعلن عزمها مواصلة دفاعها عن حقوق الأطفال، مع إعطاء أولوية عاجلة لحظر تشغيل الفتيات الصغيرات وحمايتهن من الاستغلال، مشيرا إلى أنه من المقرر أن يجري عقد يوم دراسي في الموضوع في 4 يوليوز المقبل، بإشراك كل الأطراف المعنية، الرسمية وغير الرسمية.

وأكدت الجمعيات في بيانها، بمناسبة اليوم العالمي للعمال، أنها تعمل على وضع حد لاستغلال القاصرات بالعمل في البيوت، وحرمانهن من التمتع ببراءة الطفولة مثل كل أطفال العالم، وتحث الجهات المسؤولة على منع تشغيل هذه الفئة، بوضع قانون يتضمن إجراءات كفيلة بالقضاء على الظاهرة وملاءمة التشريع الوطني مع اتفاقية حقوق الطفل واتفاقيات العمل الدولية ذات الصلة.

وتطالب الهيئات الجمعوية الحكومة بالتسريع بوضع برامج اقتصادية، وخطط اجتماعية، وإجراءات تحسيسية لاستئصال هذه الآفة، التي ينتج عنها انتهاك فظيع لحقوق عشرات الآلاف من الطفلات، اللواتي يعشن حياة لا تختلف عن وضعية الاستعباد.

وعبرت الجمعيات عن انشغالها العميق وقلقها، الكبير بشأن انتهاكات حقوق الخادمات الصغيرات، واستنكرت وضعية الإفلات من العقاب، وتساهل السلطات المعنية مع العنف والاعتداءات الماسة بحق هؤلاء الطفلات في سلامتهن البدنية وأمنهن الشخصي، بل بحقهن في الحياة في بعض الأحيان.

وتكشف ظاهرة تشغيل الطفلات عن التناقض بين الخطاب الرسمي حول حقوق الطفل والواقع اليومي لهذه الفئة، كما تبرز الهوة بين التزامات المغرب الدولية ذات الصلة ومدى تفعيلها على مستوى الواقع. وترى هذه الجمعيات أنه آن الأوان للتغيير، ولم تعد هناك أي أعذار لتخلي الحكومة عن مسؤوليتها إزاء احترام حقوق الأطفال وحمايتها والوفاء بها.

وأكدت أن مسؤولية الحكومة في ضمان الحق في التعليم لجميع الأطفال ومن ضمنهم الطفلات المعرضات للاستغلال في البيوت تقرها التشريعات الوطنية، والمواثيق الدولية المصادق عليها، سواء الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، أو اتفاقية المساواة في التعليم، أو اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة .

كما أن مسؤوليتها واضحة أيضا في توفير الحد الأدنى للعيش الكريم لجميع الأسر في البوادي وفي المدن وحمايتها من الفقر وصون كرامتها بما يساهم في تغيير العقليات، التي تجعل الآباء يلجأون لتشغيل أطفالهم في ظروف القهر، ردءا للحاجة.

إن خطورة أوضاع الطفلات المستغلات في البيوت، والمآسي الناتجة عنها، وتأثيرها على المجتمع، تتطلب، حسب بيان الجمعيات، إرادة قوية لدى الجهات المسؤولة للقضاء عليها وعلى مسبباتها، وتستوجب تشريعات كفيلة بردع كافة المساهمين في استمرار هذه الظاهرة وفي إعادة إنتاجها وكل المستفيدين منها بشكل مباشر أو غير مباشر وبشكل مادي أو معنوي.

وأكدت الهيئات الموقعة للبيان، أن الحكومة مطالبة بإعمال مقاربة تشاركية فعلية وفعالة والتفاعل الإيجابي مع المقترحات والآراء والمواقف، التي ما فتئت تعبر عنها مكونات المجتمع المدني وكافة المعنيين بالموضوع والمتدخلين فيه، عند وضع الخطط والبرامج ومشاريع القوانين، بدل أن يظل عملها حبيس جدران بعض الوزارات، وتستمر معاناة القاصرات حبيسة البيوت.

وأدلت مجموعة من الخادمات بشهاداتهن لـ "المغربية" حول معاناتهن، منذ نعومة أظافرهن، في أداء أعمال شاقة، واعتداءات، ألحقت بهن أضرارا، بل وعتمت مجرى مستقبلهن، إذ بعدما بدأن مسار حياتهن بين أحضان أم حنون وأب وإخوة، مدللات، انتقلن إلى أسر يسعى أصحابها إلى تحويلهن إلى عصا سحرية يلبين جميع طلباتها دون كلل أو ملل.

من هذه الحالات هناك قضية عائشة (15سنة) القادمة من إحدى قرى تارودانت، من أجل العمل بالدارالبيضاء. بذلت حرية، التي كانت تتكلم العربية بصعوبة جهدا كبيرا في تلبية رغبات مشغلتها حليمة (47 سنة)، ورغم تعبها لا تستطيع أن تشكو حتى لا يكون مصيرها الطرد، غير أن المطاف انتهى بعائشة للهرب من بيت مشغلتها، بعد نجاتها من حادث اغتصاب.

وذكرت الطفلة في حديثها لـ "المغربية" أنها بدأت تعمل في البيوت منذ كان عمرها 10 سنوات، من أجل مساعدة أسرتها الفقيرة، إذ حرمت من الحنان والعطف وحتى التمتع بطفولتها، وتعرضت لإهانات كثيرة وللسب والشتم وتحميلها ما لا يطيقه جسدها الصغير، غير أن حادثا تعرضت له عند إحدى الأسر لم يفارق مخيلتها، إذ طلب منها أحد الأبناء أن ترتب غرفة نومه، فأغلق الباب وأراد الاعتداء عليها، غير أنها صرخت إلى أن جاءت أمه فحالت دون وقوع الفضيحة. وأعاد المحاولة مرة أخرى حين كانت والدته غائبة عن البيت، غير أنها تمكنت من الإفلات من قبضته بصعوبة، حيث هربت من البيت، لتلجأ عند الجيران.

وتعد حكاية حكيمة (16 سنة) إحدى الحكايات المأساوية، التي عانتها العديد من الخادمات، إذ قالت لـ "المغربية" إنها تعرضت للاغتصاب والحمل ثم لعملية إجهاض قبل أن يكون مصيرها الطرد من العمل، لتعمل في بيت آخر، اغتصبت فيه من طرف زوج المشغلة، ما أحدث حملا، وبالتالي طردها من البيت الذي كانت تعمل به، لتتحول إلى أم عازبة، تعيش في غرفة اكترتها بحي درب غلف بالدارالبيضاء، وتخلت عن ابنها لإحدى صديقات والدتها.

يظهر أن ظاهرة تشغيل الخادمات القاصرات في المغرب، أصبحت تشكل إحدى صور البؤس الاجتماعي، بحيث يجب الاهتمام بهذه القضية، والتصدي لها بمختلف الوسائل القانونية والزجرية، لحماية هذه الفئة من الضرب والشتم والاعتداءات الجنسية.

وأوردت تقارير أخرى صادرة عن جمعيات وطنية ودولية، آخرها تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأميركية، شهادات لخادمات منازل من الطفلات حاليا وسابقا، أوضحن فيها تعرضهن لإساءات بدنية وشفهية متكررة، إلى جانب التحرش الجنسي والحرمان من التعليم ومن الطعام الملائم والرعاية الصحية، وأن بعضهن كن يجبرن على العمل ضد إرادتهن، عبر استخدام الضرب، أو حبسهن في المنازل، أو حرمانهن من الأجرة.




تابعونا على فيسبوك