المندوب السامي للتخطيط في منتدى 90 دقيقة للإقناع

أحمد الحليمي: يتعين توحيد الرؤى للصمود أمام تداعيات الأزمة العالمية

الأربعاء 06 ماي 2009 - 21:08
تصوير: عيسى سوري

قال أحمد الحليمي علمي, المندوب السامي للتخطيط, إنه يتعين توحيد رؤى كل الفاعلين, من أجل الصمود أمام تداعيات الأزمة العالمية, التي ستنعكس آثارها الوخيمة على كل الاقتصاديات في العالم, خصوصا الضعيفة, مشددا على أن الصمود يعني "أن علينا التدبير الأمثل لقوانا وض

وأوضح الحليمي, في منتدى 90 دقيقة للإقناع, يوم الخميس الماضي, إنه يجب الا نتحدث عن إمكانية الخروج من الأزمة, مادامت أنها عالمية, وما دام أن حلولها تتجاوز الحدود الوطنية, بل التحلي بالقدرة على الوقوف في وجه انعكاساتها.

وقال الحليمي إن تدبير الأزمة يكمن في تدعيم ما يقلل من أسباب تراجع النمو، والاستفادة مما هو متاح السنة الحالية، ويتعلق الأمر بالنمو الفلاحي، إذ سيشهد القطاع تطورا بمعدل 28 في المائة، وسترتفع قيمته المضافة إلى 25 في المائة.

وتوقع المندوب السامي أن تمتد تداعيات الأزمة إلى الدول السائرة في طريق النمو، خصوصا الدول الفقيرة، إذ ستكون الانعكاسات في البلدان المتأخرة كارثية، على اقتصادياتها واستقرارها السياسي والاجتماعي، ما يمكنه أن يشعل نزاعات عرقية, إلى تغييرات في الأنظمة السياسية لهذه البلدان، ما من شأنه التأثير على الديموقراطيات الصاعدة.

على صعيد آخر, قال الحليمي إن نسبة الطبقة الوسطى في المغرب تفوق 50 في المائة, وذلك راجع, أساسا, إلى تطورها من الأسفل, أي من الطبقة الفقيرة, إذ هبط معدل الفقر من 18 في المائة سنة 2001, إلى 8.9 في المائة سنة 2007.

وتحدث المندوب السامي عن الدراسة, التي أنجزتها المندوبية حول تطور الطبقة الوسطى في المغرب, وقال "استنتجنا من الدراسة معطى مهما, يتمثل في أنه, منذ 1985 حتى اليوم, وجهت السياسات التي اتبعتها السلطات, إلى الطبقتين الفقيرة والراقية, وبدرجة أقل الطبقة الوسطى, ما يسمح لنا بالقول إنه, في غياب سياسة خاصة بالطبقة الوسطى, لن يكون هناك أي تطور لفائدة هذه الطبقة".

ـ ما هي المهام التي تضطلع بها المندوبية السامية للتخطيط؟

* المندوبية السامية للتخطيط، بفضل الإرادة الملكية، تعد إطارا منتجا للمعلومة الإحصائية والاقتصادية، إذ تنجز دراسات سوسيو اقتصادية، وتقيم السياسات العمومية في مجالات اقتصادية واجتماعية، بحرية واستقلالية، لا تتوفر عليها أي مؤسسة أخرى ممولة من قبل الحكومة، وفي هذا السياق قامت المندوبية بجهود لتكون في مستوى هذه الأهداف، من خلال وضعها آلية إنتاج الإحصائيات، وجعلها في مستوى المعايير الدولية، بمعنى آخر دراسة مختلف أوجه الاقتصاد الوطني، ومتابعة نموه على صعيد الظرفية، وتحسين آليات التقييم والتحليل، وجعل الحسابات الوطنية قادرة على تقديم المعطيات المحددة للعلاقات بين مختلف الفاعلين والقطاعات الاقتصادية، والتمكن, بالتالي, من تحليل البنية والتطور الإنتاجي، وتوزيع القيمة المضافة بين الفاعلين الاقتصاديين، وتوفير الخلاصات اللازمة للمتدخلين الاقتصاديين.

هناك وجه آخر لا ينبغي إغفاله, هو حرص المندوبية على متابعة الاقتصاد الوطني، من زوايا التشغيل, والتوزيع، والفقر، وجميع الأوجه الاجتماعية، وأيضا الانفتاح على صياغة سيناريوهات وتوقعات اقتصادية قطاعية ووطنية، من شأنها تمكين البلاد والفاعلين الاجتماعيين والاقتصاديين، من الانخراط في رؤية بعيدة الأمد تأخذ في الاعتبار التحديات, التي تواجه المغرب، ليس القريبة فقط، لكن أيضا تلك التي ستأتي من بعد.
المندوبية السامية للتخطيط، هي مؤسسة أصيلة، استطاعت أن تصبح اليوم، من بين المؤسسات المعترف بها، كما تجري استشارتها من قبل مختلف شركائنا الأجانب, وكل المؤسسات الدولية.

ـ هل تعاني المؤسسة نقصا في الموارد, وكيف تتغلبون عليه؟

* نتوفر الآن على موارد أقل، إذ نقصت بنسبة 15 في المائة، مقارنة بما كان عليه الأمر عند بداية إشرافي على المندوبية، لأن شروط الميزانية, على غرار باقي القطاعات، لعبت دورا في هذا الإطار، لكن يجب القول إننا عوضنا ذلك من خلال مصدرين، يتعلق الأول بمصادر خارجية دعمتنا, من خلال ما هو منتظر منا، وأذكر هنا برنامج الأمم المتحدة للتنمية، وصندوق الأمم المتحدة للسكان، وهناك مصدر آخر يرتبط بالتعبئة الواضحة، المتمثلة في الخبرة الكبيرة المتوفرة بالنسبة إلى المندوبية ، وتثمينها من خلال التكوين المستمر الممول عموما من الخارج، من قبل الأمم المتحدة, والاتحاد الأوروبي, وغيرهما، وأقول بخصوص هذه التعبئة، إنها نابعة من الاستقلالية, التي استفدنا منها تحت الرعاية الملكية السامية، ما قلص من الصعوبات المطروحة، وهذه السنة على وجه الخصوص، المشاريع التي قدمناها لوزارة المالية, عندما توفرت لنا الميزانيات اللازمة، مكنت من قيامنا بأشغال سنكشف عنها، وهي في غاية الأهمية بالنسبة إلى المغرب.

ـ في سياق الأزمة العالمية ما هي السيناريوهات الاستباقية التي تقترحها المندوبية للتحكم في تداعياتها؟

* في ما يخص الأزمة العالمية، أود أن أشير إلى أننا أثرنا الانتباه إلى انعكاساتها المتوقعة في الأشهر الثلاثة الأولى من اندلاع الأزمة، إذ لاحظنا انخفاضا في نمو قطاعات عدة، وطرحنا تساؤلات عدة، لكن عندما تأكد الانخفاض في الفصل التالي، تبين لنا جليا أننا أمام نزعة، ما استمر بطبيعة الحال إلى حدود الساعة، وفي ما يخصنا فإن الأزمة تعتبر امتدادا لأزمة القطاع المالي على الاقتصاد الحقيقي، وهي ليست أزمة من المغرب، لذلك, وكما أقول دائما عندما يطرح علي السؤال حول كيفية الخروج من الأزمة، أنه بالنسبة إلينا لا يجب الحديث عن الخروج منها، لكن الصمود أمامها، فالخروج منها يعتبر مسألة دولية، والصمود يعني أن علينا التدبير الأمثل لقوانا وضعفنا، في إطار مناخ معين، من خلال تخفيف آثارها بالنسبة إلى السنة الجارية، والتفكير بعمق في السنتين المقبلتين.

وتدبيرها يكمن في تدعيم ما من شأنه التقليل من أسباب تراجع النمو، والاستفادة مما هو متوفر السنة الحالية، ويتعلق الأمر هنا بالنمو الفلاحي، على اعتبار أن هذا القطاع سيشهد تطورا بمعدل 28 في المائة من المحصول الزراعي، الذي سترتفع قيمته المضافة في حدود 25 في المائة، نتيجة تراجع الصيد البحري، وليس أكثر، وهنا أتوقف ةأضرب بعض الأمثلة على وضع بعض القطاعات، فالقطاع المعدني سيتأثر نتيجة الأزمة، وكذا نتيجة النظم التسييرية، كما أن عددا من القطاعات ستشهد نوعا من التراجع، لكنه عبارة عن إعادة التقويم الميكانيكي لها، إذا صح التعبير، مع إعادة التموقع فقط، ويتعلق بقطاعي البناء والأشغال العمومية، والاتصالات، وغيرهما، وهناك قطاعات ستصمد ويتعلق الأمر بقطاعه الطاقة، والصناعة، التي رغم تراجعها ستواصل سيرها شيئا فشيئا، وعموما أظن أنه عوض 5 و6 في المائة كمعدل نمو في القطاعات غير الفلاحية، فإن هذا النمو سينحصر في حوالي 3 في المائة، وهذا الانخفاض ورغم قوته سيعوض بنتائج القطاع الفلاحي. وعموما سنبقى في حدود 6 في المائة.

وتأثير الفلاحة سيكون إيجابيا على مستوى استهلاك الأسر, الذي سيرتفع أكثر من السنة الماضية، وهذا المعطى سيكون من بين الروافد الواضحة للنمو، كما أن هناك الاستثمارات العمومية, التي كانت مهمة، إلى جانب رفع الأجور وما صاحبه على مستوى سياسة الميزانية العامة، وكلها عوامل ستلعب دورا في هذا الجانب المرتبط برفع معدل الاستهلاك الأسري بمعدل 8 في المائة، وسترتفع الاستثمارات بنسبة 10 في المائة تقريبا، وهذه الوضعية ورغم ما تعبر عنه، لا يجب أن تجعلنا لا ننظر إلى ما يمكن وقوعه في ما بعد، لأن الوضعية عالميا لا تكشف حاليا عن تحسن منتظم قريبا فالتوقعات الدولية لا تدعو إلى التفاؤل، إذ أن النمو يتراجع، والدول المتقدمة لا يرتفع معدل نموها سوى بواحد في المائة تقريبا، والواردات والتجارة الخارجية تراجعت بحدة.

لسنا متأكدين من أن تقييمات معدلات خسارة القيمة بالنسبة إلى النظام المالي العالمي, ستكون عما هي عليه الآن، لأنه, مع استمرار الأزمة تتعرض الأصول بطبيعة الحال إلى خسائر أكبر، وستنعكس على الاقتصاد العالمي بشكل أكثر حدة، وللتذكير هناك مجموعة العشرين, وعدد من الميزانيات المرصودة لتعزيز الاقتصاد الدولي، إضافة إلى الأنظمة المالية الجديدة مع موارد أخرى من صندوق النقد الدولي، لكن, مع كل هذا هل سينجح في التخفيف من حدة الوضع الدولي الحالي، لا أظن ذلك, ولا أعتبره واردا، وأعتبر أن انعكاسات هذا الوضع لن تنحصر في ما هو اقتصادي فحسب، وأقول هنا إن التأثير على الدول الصاعدة حان وقته، فبعد الضغط الذي عاشته الدول المتقدمة، فإن امتداد الأزمة سيصل إلى الدول السائرة في طريق النمو، وبينها الدول الفقيرة، وهذه الأخيرة ستكون الانعكاسات كارثية، على اقتصادياتها واستقرارها السياسي والاجتماعي أيضا، وهو ما يمكنه أن يشعل نزاعات عرقية وغيرها، وفي بعض الحالات يمكن أن تؤدي إلى تغييرات في الأنظمة السياسية لهذه البلدان، ما من شأنه التأثير على الديموقراطيات الصاعدة فيها.

يمكن القول إن هذا المناخ يدعونا إلى الانخراط فيه، وهذا لا يعني أنه لا يجب أن نغتبط بوضعيتنا في سنة 2009، لكن يجب توحيد رؤى كل الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين بالمغرب، للصمود أمام الأزمة, من خلال استغلال ما هو متاح لاستثماره أكثر في الاستهلاك، على اعتباره أن الملاحظ, خلال السنوات الأخيرة, هو تطور مؤشره.

كما أرى أنه علينا الاستثمار في القطاعات, التي يمكنها أن تكون مستقبلا قادرة على الرفع من تنافسيتنا العامة، وهنا يمكن القول, على المستوى القطاعي، إن هذه الأزمات ستتسبب في تراتبية القطاعات المربحة، فالقطاعات المالية, التي كانت إلى حد الآن مصادر للربح، لم تبق مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي، الذي سيعرف صعودا مرتقبا، ولهذا فالاستثمارات ستوظف في قطاعات أخرى تمثل مصادر أخرى جديدة للاستفادة، من قبل الطاقات المتجددة، وتكنولوجيات الإنتاج النظيف، والفلاحة، وهذا يعني أن هذه القطاعات الإنتاجية سيكون لها الوزن في ما يرتبط بالقرار السياسي في الدول المتقدمة، ما سيغير ما يحدث، وما يجري في الولايات المتحدة، هو أن الطبقة الوسطى المكونة من المأجورين أو المنتجين، تعبأت، كما هو الشأن في أوروبا، ونحن أيضا في إطار التحول في علاقات القوة الاجتماعية، وسط هذه البلدان، ما يعني أن سياسات جديدة ستكون لها الأغلبية، وأعني بالاستثمار في المستقبل، أن الدول المشار إليها، ستفرض حواجز حمائية، كما كان الأمر يتعلق بما هو صحي، وسنصطدم بمنع مرور بعض المنتوجات الفلاحية، لأنها لا تحترم المعايير البيولوجية وكذا وكذا، وسترفض منتوجات أخرى لأنها صنعت بشكل أو بآخر، وهذا يعني أنه من المتوقع أن تطفو على السطح حواجز جديدة وموانع أخرى لنمو صادرات دول أخرى.

في المغرب, يتبين أن القطاعات الكبرى المراهن عليها جرى اختيارها بدقة، ويتعلق الأمر بالفلاحة، والتعليم، والصحة، والصناعات، وهناك مسألة أخرى اعتبرها مهمة جدا، وهنا يرتبط الأمر بمحاربة الفوارق الاجتماعية، وإعادة التوازن الاجتماعي.

ـ لوحظ أن لأرقام الصادرة عن المندوبية السامية لاقت, وما تزال تلاقي مواجهة, من قبل فئات معينة, سواء في عهد حكومة جطو, أو الحكومة الحالية، رغم أن هذه الأرقام, أو هذه المعدلات, تعتمد من قبل الأمم المتحدة؟

* الأرقام التي ننشرها, سواء كانت حول التشغيل, أو الأسعار، أو النمو، أوالفوارق الاجتماعية، أو وأسعار الإنتاج، كلها تعتمد من قبل بنك المغرب، كما هي، وتنشر على موقع صندوق النقد الدولي، ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، وكل المنظمات العالمية المعنية، لسبب وحيد، هو أنها منجزة انطلاقا من معايير دولية صرفة، على أساس البحوث، وليس على أساس مضاربات، وبالنسبة إلى توقعات النمو، نعتمد فيها على بحوث تنجز كل ثلاثة أشهر ميدانيا، ونتابع تطور الأمور وسيرها، إذ نلجأ إلى تعديل ما يجب تعديله، وصندوق النقد الدولي يقوم بالمنهجية نفسها، وفي مجال التوقعات هناك ثلاثة مصادر، الأول هو المندوبية السامية للتخطيط، والمصدر الثاني هو وزارة المالية, التي تأخذ معطياتنا التوقعية حسب الظرفية، في الاعتبار, لوضع قانون المالية، ونقوم بعد ذلك بتعديل توقعاتنا، ليس أخذا في الاعتبار قانون المالية، لكن لتأثير السياسات التي جاء بها هذا القانون، ونغير ما أصدرناه في نهاية غشت من السنة, التي تكون من قبل، بداية يناير، والمصدر الثالث هي منظمات التوقعات الخاصة، الموجودة, كما هو معمول به في كافة الدول.

عندما نصدر وضعية النمو كل ثلاثة أشهر, بناء على المحاسبة الوطنية، نصدر نهاية السنة قراءة في الموضوع، مع التركيز على الفوارق التي حدثت.

وحتى أبين ما هو حجم الفارق بين توقعاتنا وتوقعات المؤسسات الأخرى, منذ خمس سنوات، أشير إلى أنه بلغ نسبة 1.1 في المائة، وبيننا وبين المؤسسات الخاصة للتوقعات 0.9 في المائة، والمندوبية السامية للتخطيط 0.3 في المائة، إذن الملاحظ هو أن الفرق ضعيف، وهذه الأرقام تبقى توقعات فقط، إذ أنه كانت هناك بعض الأوقات التي اتسمت بالاختلاف، وكان هذا الأمر راجعا إلى المناخ السياسي السائد حينئذ، فعند مجيء حكومة جديدة، وعندما تطلع على نتائج البطالة والنمو، التي تكون غير مطابقة لانتظاراتها، فإن هذا يقلقها، وأضيف إلى هذا أنه في بعض الحالات كانت بعض التوجهات أو بعض الشخصيات السياسية، ترى أنه لا داعي لوجود المندوبية السامية للتخطيط، وإلى جانبها هناك كل الذين لم يكونوا يتقبلون انخراط المغرب، في إطار ورش التقييمات حول الإنتاجية ومشاكل الفوارق وغيرها، وبطبيعة الحال لأسباب معروفة تخدم مصالحهم.

وحول هذه النقط, أريد أن أشيد بحرارة بالرعاية السامية لصاحب الجلالة لنا، ومساندته لأنشطتنا، وجعلنا في منأى عن كل تأثير، وأؤكد أننا لم نتلق أوامر من أي جهة، لإجراء دراسات دون أخرى، وهذا ما جعلنا نصبح اليوم عضوا في المعيار الخاص لإصدار المعلومة الإحصائية، ولنا أيضا اتفاقيات مع صندوق النقد الدولي, لإصدار معطيات في أوقات محددة، ولهذا نتبادل المعطيات, في إطار تخصصنا مع الاتحاد وغيره، كما أننا عضو فاعل في لجنة الإحصاء بالأمم المتحدة.

- ما هي المعايير المحاسباتية المعتمدة من قبل المندوبية السامية للتخطيط؟

* المعايير الحسابية التي نتبناها، معتمدة من قبل الأمم المتحدة، وعملنا على معايير 1993، وننتقل قريبا إلى معايير 2006، وثانيا قمنا بمجموعة من الحسابات الوطنية حول 1998، و2007، وسنغير كل خمس سنوات من أساس الحساب عبر البحوث اللازمة, وأخيرا شرعنا سنة 2007، في معطيات جديدة حول البنية الجديدة للقطاعات ببلادنا، وما عرفته من تغيير، والأمر الثاني الذي قمنا به هو البحث حول الأجور واستهلاك الأسر، والقطاع غير المنظم, من أجل تحيين المعطيات المتعلقة به، ونتائج هذه الدراسات ستصدر قريبا، كما أننا أدمجنا لأول مرة بحثا حوا الظرفية الاستهلاكية للأسر، ما سيتيح التوقع بمعدلات استهلاكها، وهل ستلجأ إلى الادخار، ومعرفة تحسن أوضاعها أو تراجعها، وكيفية توقعها للمستقبل. ومن جانب آخر سنهتم بالمنظمات غير الحكومية لأنها غير واردة في الحساب الوطني، واليوم وكما هو واضح فإن هناك منظمات تتطور وتنتج، من خلال تأطيرها لمشاريع التنمية البشرية وغير ذلك، وهناك بحث حول تعنيف النساء، المندرج في سياق اجتماعي، كما اشتغلنا على نظام ميكرو اقتصادي، سيمكن من إدراك مدى تأثير النتائج الماكرو اقتصادية على الأنشطة الميكرو اقتصادية، وعلى الأسر، والفوارق الاجتماعية، والطبقة المتوسطة، والنمو، والمقاولات، والأسواق الخارجية، وهذا البحث سيكون أداة مهمة لتقييم السياسات المعتمدة في مرحلة قبلية أو بعدية، وهذا النموذج تطلب إنجازه ثلاث سنوات, ونأمل أن نقدم كل ذلك في أواخر ماي أو بداية يونيو المقبل.

قمنا بالشيء نفسه بالنسبة إلى البحث الذي أنجزناه حول الفقر في المغرب, واستنتجنا منه ما يلي: ما هو العامل (أو العوامل) الذي يتسبب في الفقر؟ وما الذي يؤدي بالمواطنين إلى السقوط في الفقر؟ وهذه الطريقة هي التي ستساعدنا على إنجاز بحث متكامل حول الطبقة الوسطى.

ـ كيف كان تعاملكهم مع الطبقة الوسطى؟ ما هي المعايير المعتمدة؟ وبصيغة أخرى ما هي الطبقة الوسطى في نظركم؟

ـ الحديث عن الطبقة الوسطى يقتضي في البداية إدراجه في إطار توزيع معين للدخل, وفي إطار مستوى معين للدخل على النطاق الوطني, وفي إطار توزيع هذا الدخل, ما يعني أن الطبقة الوسطى في المغرب, ليست هي نفسها في فرنسا على سبيل المثال, ذلك أن المداخيل ليست في المستوى نفسه, وبصيغة أخرى, تعني الطبقة الوسطى, الطبقة التي توجد بين الطبقة الفقيرة وبين الطبقة الراقية, وفي السابق كانت البورجوازية, وطبقة البروليتاريا, وبينهما نجد طبقة من الوسطاء, في التجارة والإدارة, الذين اضطلعوا بدور مهم أو أقل أهمية بالنسبة إلى الرأسمالية, وكانوا يجهلون ما إذا كانت أوضاعهم تتحسن أو تتدهور, وهي ما أصبح يعرف بالبورجوازية الصغيرة, التي كانت, بالضرورة, أنانية, باعتبار هاجسها للحفاظ على موقعها. وهذه هي المقاربة الأولى للتعامل مع الطبقة الوسطى.

أما المقاربة الثانية فتتعلق بتعريف ماكس فيبير, الذي قال إن المشكل لا يكمن في اعتماد عوامل الإنتاج, وربطها بالبروليتاريا, بل الولوج إلى الرفاه, أي الولوج إلى القيم الاجتماعية المتصلة بالرفاه الاجتماعي, ما أدى إلى بروز شرائح جديدة, مثل المفكرين, والأساتذة, الذين تمكنوا من استلام بعض السلطات, رمزيا, وما أدى أيضا إلى نمو هياكل تقنية جديدة, ليست بالضرورة متعلقة بعوامل الإنتاج, لكنها كانت تشتغل. ومن هنا بدأت تظهر تحليلات سكانية كاملة, في إطار قطبية توجد بين السلطات في مختلف القطاعات, وبين المداخيل, وقسط كل واحد من هذه المداخيل.

ومع التطور الذي شهدته البلدان المتقدمة, خصوصا البلدان الأنغلوسكسونية والأوروبية, ظهرت تحليلات إيديوليوجية, ذات طابع انتخابي, ما أدى إلى نمو الطبقة الوسطى, التي أصبحت مداخيلها مرتفعة, وأصبحت لها أنماط استهلاكية معينة, تشبه أنماط الطبقة الراقية, ما ولد طبقة لها وزنها في الهيئة الناخبة, وفي توجهات الاهتمامات الانتخابية, أو الاهتمامات التجارية.

وبالعودة إلى السؤال, نقول هناك طريقان, يعكسان مقاربتين, الأولى تتعلق بالمعيار الموضوعي, الذي يأخذ في الحسبان جواب السؤال عن المنتمي إلى الطبقة الوسطى, ونظرته, وشعوره, ومستواه المعيشي, وهل هو غني, أم غني نسبيا, وانطلاقا من هذا المعيار إذن, نعطي تعريفا لهذه الطبقة. أما المقاربة الثانية فتتعلق بالدخل, الذي يرتكز على أخذ عينة, يكون دخلها في مستوى معين, وما دون ذلك لا يكون منتميا إلى الطبقة الوسطى, وإذا أردنا أن نحدد هذا المستوى من الدخل, فالأمر يتعلق بخيارات, لكن ينحصر هذا المستوى, في الغالب, في 0.75 في المائة من العينة, وبعد ذلك نصل إلى 30 أو 40 في المائة من الشريحة.

وما استخدمناه نحن في الدراسة, ليس لا المقاربة الأولى ولا الثانية, مع التأكيد أن الثانية تعطينا الوضع في فترة معينة, لذلك يتعين علينا التوفر على مجموعة من المحددات, للنظر في كيفية تطور الأمور, وبما أننا نفتقر إلى معيار الدخل, أي المقاربة الثانية, لدينا, على العكس من ذلك, شيئ مهم جدا, على ثلاث سنوات, هي 1985, و2001, و2007, وتتعلق بمستوى المعيشة, وانطلاقا من هذا المعطى حاولنا إعطاء تعريف للطبقة الوسطى, وكيف تطورت, وما هي العوامل التي كانت إيجابية أو سلبية بالنسبة إليها, وكل هذا يجري في إطار مجتمع معين, محفوف بالفوارق, ما دفعنا إلى بحث الفوارق الاجتماعية, والعوامل المساعدة على تطور الطبقة الوسطى.

وعلى كل حال, استنتجنا معطى مهما, يتمثل في أنه, منذ 1985 حتى اليوم, وجهت السياسات التي اتبعتها السلطات, إلى الطبقتين الفقيرة والراقية, وبدرجة أقل الطبقة المتوسطة, وهذا ما يسمح لنا بالقول إنه, في غياب سياسة خاصة بالطبقة الوسطى, لن يكون هناك أي تطور لفائدة هذه الطبقة.

- إذن ما هي السياسة التي يتعين اتباعها لصالح هذه الطبقة في نظركم؟

* تتمثل السياسة المساهمة في تقوية الطبقة الوسطى, أولا في النمو, وهذا الأخير يفيد في المقام الأول تقليص الفوارق الاجتماعية, كما يفيد, وبدرجة أكبر, في مواجهة الفقر, الذي كلما تقلص كلما تقوت الطبقة الوسطى من الأسفل, لكن هذا غير كاف, إذ يجب طرح مقاربة خاصة, تهم تقوية هذه الطبقة من الأعلى برفع عوامل نموها, وهذه هي العوامل التي لاحظناها في أرض الواقع, انطلاقا من تحليل ماكرو وميكرو اقتصادي شامل, هو الذي سنطرح نتائجه, في إطار الدراسة.

ـ يقال إن المغرب يتوفر على طبقة وسطى؟ كم تساوي نسبتها؟

ـ بطبيعة الحال, يتوفر المغرب على طبقة وسطى, شأنه في ذلك شأن كل البلدان, وفي الدراسة التي نشتغل عليها, حاولنا تحليل تطور هذه الطبقة في البلاد, وكيف هي؟ وما هي خصوصياتها؟

وفي ما يتعلق بنسبتها, أستطيع أن أقول إن أكثر من نصف المغاربة ينتمون إلى الطبقة الوسطى, وتحديدا 55 في المائة.

هناك منهجيتان لتحديد مفهوم الطبقة الوسطى, الأولى تتعلق بوحدة الدخل, والعامل السلبي لهذه المقاربة, يتجلى في أنه ينمي الطبقة الراقية, عبر نسبة مائوية, ويخلق فارقا شاسعا بين هذه الطبقة والطبقة الفقيرة. وهناك المنهجية الموسعة, التي تعني أن أي سياسة تهم الطبقة الوسطى, يجب أن تدمج, ضمن هذه الطبقة, أقصى ما يمكن من المستفيدين, وأعتقد أن المنهجية الثانية تعد أكثر ملاءمة, بالنسبة إلى بلد يريد أن يقوي طبقته الوسطى. وهذه السياسة لا تمس لا الطبقة الراقية, ولا الطبقة المحتاجة.

* انطلاقا من تعريفكم للطبقة الوسطى, هل في إمكانكم أن تحددوا لنا معدل الفقر في المغرب؟

ـ تراجع معدل الفقر في البلاد, بين 2001 و2007, من 15.3 في المائة, إلى 8.9 في المائة, على المستوى الوطني, ومن 7.6 في المائة إلى 4.8 في المائة, في الوسط الحضري, ومن 25.1 في المائة إلى 14.4 في المائة في الوسط القروي, ما يعني أن الفقر يكمن في القرى بالدرجة الأولى.

وكما تعلمون, طرح جلالة الملك, بتوجيهاته السامية, عملا مزدوجا, ليس فقط لمحاربة الفقر, لكن أيضا من أجل تقوية الطبقة الوسطى, إنها توجيهات قوية وفعالة, بالنسبة إلى الوضع الذي نحن فيه, أما البرامج ووسائل التدبير والأدوات التي يتعين استخدامها, كلها أمور نسعى إلى توضيحها, أو بعض منها, في هذا المنتدى.

* هل تستطيعون أن تحددوا بعض هذه المقاييس, وما هو منظوركم تجاه السياسة الحكومية, الموجهة لفائدة الطبقة الوسطى؟

ـ دورنا يتمثل في أنه, كلما تزودنا بتوجيهات ملكية, نطلب الأدوات اللازمة في التدبير. وانطلاقا من توجيهات جلالة الملك, وخطبه, ومبادراته, ومشاريعه, حدد جلالته إطارا عاما, وانطلقت بالفعل مجموعة من المبادرات, التي هي في الغالب مبادرات قطاعية, ومن أجل الاستجابة للتوجيهات السامية, يجب إدماج السياسات القطاعية, والماكرواقتصادية, وأيضا الميكرواقتصادية, والمجتمع في شموليته, فكيف يمكن إدماج كل هذه السياسات؟ إنه دور مخطط استراتيجي, لكن ليس لدينا مخطط استراتيجي, لأن مثل هذا المخطط يعالج فترة تمتد إلى 5 أو 6 سنوات, في حين لا يتجاوز البرنامج الحكومي فترة 5 سنوات, ومن هنا تأتي التوجيهات الملكية, لتحقيق الأهداف المنشودة.

إننا مؤسسة للتوضيح, لفائدة القرار السياسي, ويمكن الاستماع إلى التوضيحات, أو استخدامها, أو إهمالها, وهذه ليست مهمتنا, فمهمتنا تتمثل, على العكس من ذلك, في وضح الخبر الاقتصادي والاجتماعي الجيد, وأدوات التقييم الجيدة, رهن إشارة البلاد. كما تتمثل في استشراف المستقبل, كما فعلنا في قطاعات عدة, مثل الفلاحة, والطاقة, وتطور المجتمع, والشباب, والمرأة, والتشغيل, والديموغرافيا, والتغيرات المناخية, والعولمة, والسياحة, وذلك كله من أجل إثارة الانتباه, إلى ما يجب أخذه في الاعتبار مستقبلا.




تابعونا على فيسبوك