استيقظت مدينة الدارالبيضاء، أول أمس الأحد، على أهازيج وأغاني فريقي المدينة الوداد والرجاء، ونامت على إيقاع شغب امتد إلى أغلب أحيائها، عبر كل الشوارع الرابطة بين ملعب المجمع الرياضي محمد الخامس، ووصل إلى الأحياء الخلفية.
في الساعات الأولى من صباح يوم الأحد استيقظ الأطفال قبل الكبار، استعدادا للسير راجلين باتجاه "سطاد دي نور" الملعب الشرفي كما يحلو للصغار، وراثة عن الكبار، تسمية ملعب أصبح عبئا ثقيلا على سكان وتجار المعاريف والدارالبيضاء عامة، وأصبح نقطة سوداء في نظر رجال الأمن، الذين يعانون كل أحد، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بمباراة من قيمة ووزن الديربي، بين فريقين، يلتقيان على الأقل مرتين في الموسم.
تدفق الجمهور إلى الملعب، كل بوسائل نقله، من عربات مجرورة إلى شاحنات ودراجات عادية ونارية وسيارات في موديلاتها المختلفة. وقبل الظهر تماما كانت المباراة الحقيقية التي تجري عادة قبيل المباراة الرسمية، فالهتاف والاحتفال هما سنة بيضاوية في مثل هذه المناسبة، الكل يتحين الفرصة المواتية كي ينتقم من غريمه الرياضي.
لم يشكل تنقل الجمهور الودادي إلى جانب جمهور الرجاء، قبيل انطلاق المباراة، أي مشكل، بل أضفى احتفالية على شوارع الدارالبيضاء، مع مرور أي حافلة نقل تقلهم إلى الملعب، قبل أن يتجمع الكل في ساحة وادي المخازن، ملتقى حافلات النقل الحضري، وتفرق الجمهور يمينا بالأحمر ويسارا بالأخضر.
بدأت المناوشات الكلامية، بعد أن اقتصرت على الاعتزاز بحب الفريق والاستدلال بتاريخه وألقابه، وطريقة لعبه، إلى استصغار الفريق الخصم، وجمهوره "جمهور المكانة جمهور الشمكارة"، و"الجراد"، "جمهور المكانة جمهور علي زاوا"، وفي المقابل يرد الرجاويون "ماما بابا ..أنا غادي التيران"، و"بوحمرون".
وعلى طول شارع أنفا، كما الشوارع الأخرى، المؤدية إلى الملعب، ظل صفان يسيران متوازيان بالأحمر والأخضر، لا يلتقيان، حين صبا معا، كنهرين جارفين، في الملعب، وكان الباب رقم 10 مدخل "فريميجة"، أحمر، وباب 13 "المكانة"، أخضر.
وعلى طول شارع أنفا، كما شارع الزرقطوني، ومولاي يوسف، وبعض الشوارع المؤدية إلى الملعب، كان الجمهور يسير تحت حراسة أمنية، ومراقبة لصيقة، وخفر للصقور والشرطة السياحية، الذين ظلوا اليوم بأكمله يدرعون شوارع المدينة ذهابا وإيابا، فيما تفرق رجال العنيكري (القوات المساعدة) بهراوات طويلة، تتجاوز ركبة حامليها بالشوارع استعدادا لأي طارئ، حيث جند حوالي 5 آلاف رجل أمن لحماية المدينة من شغب محتمل.
واستقبلت فرقة الخيالة الجمهور، في استعراض يوضح أن لا مجال للعبث، تتجول وسط أطفال قاصرين، يستعطفون الكبار لمرافقتهم وإدخالهم الملعب، رغم أن قوات الأمن وضعت حواجز في كل الاتجاهات المؤدية إلى مداخل الملعب، تسرب القاصرون وتسللوا أمام أبواب الملعب.
ظل الجمهور الأخضر والأحمر يتغنى بشعارات وأغاني فريقه، منذ الصباح، إلى نهاية المباراة. كان الوداديون أكثر تميزا وتنظيما، وأنعش آمالهم اللاعب هشام جويعة، ثلاث دقائق، بعد انطلاق المباراة، سكت جمهور "المكانة"، وساد صمت رهيب، حين طرد اللاعب محمد أولحاج، في الدقيقة 12، بعد تلقيه الورقة الصفراء الثانية.
"ديربي بشبابيك مغلقة"، جملة رددها الجميع، على اعتبار أن كل التذاكر بيعت قبل موعد المباراة بـ48 ساعة، لكن السوق السوداء كانت نشيطة، وكانت الحركة بين مداخل الملعب وباعة التذاكر في السوق السوداء نشيطة أيضا، ما جعل المدرجات تصاب بـ"تضخم"، وتلفظ الذين لم يعفهم عمل أو التزام بالحضور في وقت مبكر بمتابعة المباراة وقوفا أو بالممرات، ولم لا بمقصورة الصحافة المرئية والمسموعة، بعد أن ظل الاحتلال يقتصر على منصة الصحافة المكتوبة.
وعانى الزملاء يسري المراكشي، من قناة الرياضية، وماجد الشجعي، من القناة الثانية، ومحمد مقروف، من قناة إي آر تي، وباقي المعلقين، مع "جمهورهم"، الذين تحلقوا حولهم، ما جعلهم يشتغلون في ظروف لا مهنية، ومع ذلك يطالبون، من طرف هذا الجمهور بالإبداع، كيف يبدع وهو مطالب بالتعليق و"حظيان بزطامو وهاتفه"، ألم تعتقل الشرطة 5 نشالة في الملعب؟.
مقصورة الصحافيين كانت المكان الأفضل أيضا للاستعلامات العامة، وباقي أجهزة الأمن السري، لمتابعة المباراة لكن بنظرة غير نظرة الصحافي، الذي كان يعلق على أداء اللاعبين، في حين كان "الزملاء" المخبرون يعلقون عبر هواتفهم المحمولة على نبض الجمهور وحركاته.
"دخول الحمام ليس كخروجه"، مثل شائع وسط المغاربة، ينطبق على هذا الديربي البيضاوي، إذ أبدع الجمهور البيضاوي في صنع الفرجة، وتنافس الرجاويون مع الوداديين، في استعراض تيفو "جمهور المكانة"، قيل إنه من تمويل اللاعب الرجاوي سايقا والعين الإماراتي حاليا، سفيان العلودي، لكن الوداديين، الذين تفوقوا في استعراض تيفو تلوى آخر، من مباراة إلى أخرى، محطمين الرقم القياسي العالمي، حسب إفادة إعلامي، لم يتركوا هذا العرس الكروي يمر دون عرض تيفو جديد في انتظار رابع ضد الترجي التونسي، ما شكل تيفو "المكانة" وتيفو الوداد صبغا لوحة فنية رائعة، قيل إنها حضارية، وتعبر أن الجمهور المغربي مبدع وفنان، قبل أن يلطخ البعض هذه الصورة.
رائعة تلك اللحظة الإنسانية، التي وقف فيها الجمهور الودادي يهتف بصوت واحد باسم اللاعب نبيل مسلوب، لاعب الرجاء، الذي سقط لوحده، دون احتكاك، على وجهه مثل نخلة، ما جعل الحزن يخيم على مدرجات وجنبات الملعب، خوفا من تكرار مأساة اللاعب الودادي بلخوجة، ليتنفس الجميع الصعداء، بعد وقوف اللاعب واستئنافه اللعب.
كان ممكنا أن يستمر العرس لساعات طوال بعد نهاية المباراة، كما تعودت الدارالبيضاء بعد كل ديربي، لكن العودة ليس كالذهاب، والمناوشات الكلامية تحولت إلى مشاداة ورشق بالحجارة، فعلى طول شارع أنفا، وجد رجال الأمن صعوبة في ضبط الجمهور، الذي انفجر كسيل جارف، في اتجاه محطة حافلات النقل الحضري، بساحة وادي المخازن، واعتقلت الشرطة مشاغبين، وأصيب آخرون، وكانت الوقاية المدنية وسيارات الإسعاف، في لحظة استنفار.
اصطفت الحافلات في انتظار نقل الجمهور، إلى أحياء الدارالبيضاء، ما يفيد أن السلطات عبأت كل طاقاتها لإنجاح الديربي، وليمر دون حادث، لكن سرعان ما تبددت تلك الصورة، وبدأت أبواب تلك الحافلات تتقاذف، ويتناثر زجاجها هنا وهناك، حتى قبل انطلاقتها.
وانطلقت "المعارك" من شارع أنفا، وتحديدا عند ملتقى شارع مولاي يوسف، وكلما وجد القاصرون خصوصا، فضاء به حجر إلا تراشقوا بينهم، حيث كانوا عائدين في صفين، أحمر وأخضر، ورغم تدخلات رجال الأمن والشرطة والقوات المساعدة لتفريق الجمهور، كانوا يعودون بين الفينة والأخرى إلى الموقع ذاته وفي مناوشات كلامية وبعدها رشق بالحجارة، ولم تسلم سيارات خاصة من الرشق بالحجارة وكسر زجاجها. وهشم زجاج سيارة في شارع آنفا، وأخرى بشارع 11 يناير.
ولم تثن تحركات رجال الأمن وأحيانا تدخلاتهم لاعتقال كمن ثبت تورطه، المشاغبين في الاستمرار في شغبهم، ما أدى إلى اعتقال 478 شخصا، ضمنهم 380 قاصرا، أطلق سراحهم فيما يتابع 8 أشخاص، ليصبح للديربي "ضحايا" سنويا، ضحايا لحظة طيش، تكون نتائجها شهورا من السجن.
واستمر الاحتفال إلى منتصف الليل وخرج الوداديون في قافلة دراجات نارية، برايات وشعارات الأحمر، يجوبون شوارع وسط المدينة، احتفاء بالنصر، وفي الوقت نفسه وجد أشخاص، خاصة النساء، أنفسهم مضطرون إلى الانتظار ساعات للعثور على وسيلة نقل، بعد أن "غرقت" محطات الحافلات بـ"الجراد" و"بوحمرون".