تمحورت أشغال المناظرة الوطنية الثانية للفلاحة, التي انعقدت بمناسبة المعرض الدولي للفلاحة بمكناس, حول "مخطط المغرب الأخضر", أو استراتيجية "تحرير" الفلاحة في المغرب من ازدواجية النظرة النمطية.
وللإشارة فإن هذه النمطية قائمة على أساس وجود فلاحة عصرية, وأخرى تقليدية, وفك ارتباطها بالتساقطات ومعونات الدولة, عبر تبني خطة تأهيل شاملة, في أفق 2020.
وتهدف الخطة, حسب عزيز أخنوش, وزارة الفلاحة, الذي نجح في طرح مقاربات مبتكرة, لتجاوز العراقيل القائمة, خصوصا على مستوى التمويل, إلى بلوغ أكثر من مليون مقاولة فلاحية, وإطلاق موجة جديدة من الاستثمارات, تصل قيمتها الإجمالية إلى 10 ملايير درهم سنويا, عن طريق1500 مشروع, وتحقيق مساهمة ملموسة في المبادرة الوطنية للتنمية البشرية, لرفع مداخيل الفلاحين الصغار, الذين عانوا كثيرا بسبب مشاكل بنيوية, مرتبطة بطبيعة الأرض, من جهة, والتقلبات المناخية, من جهة أخرى, وضعف الاستثمار, من جهة ثالثة, ما جعلهم مهددين بالفقر.
ويرى عزيز أخنوش, أن "المغرب الأخضر" يعد "برنامجا برغماتيا وطموحا لتحقيق تنمية سريعة للفلاحة الوطنية", إذ يهدف إلى تحقيق ناتج داخلي خام إضافي سنوي, يتراوح بين 70 و100 مليار درهم, في حين تتمثل الانعكاسات الاقتصادية والاجتماعية, المنتظر أن تترتب من المخطط, في خلق ما بين مليون ونصف مليون فرصة عمل إضافية, ورفع مداخيل حوالي 3 ملايين شخص في الوسط القروي, بمقدار ضعفين إلى ثلاثة أضعاف, إضافة إلى أهمية حجم الاستثمارات المرتقبة.
ويستند المخطط إلى أفكار أساسية, منها, على الخصوص, الرهان على جعل القطاع الفلاحي أحد محركات تنمية الاقتصاد الوطني, للسنوات المقبلة, والقطيعة مع التصور التقليدي, الذي يقابل بين الفلاحة العصرية والفلاحة الاجتماعية, عبر صياغة استراتيجية متميزة وملائمة, تهم كل الفئات في القطاع, وتجديد نسيج الفاعلين, وإعادة هيكلته, اعتمادا على نماذج "التجميع".
ويتمحور المخطط حول ست أفكار قوية, تنطلق الأولى من كون الفلاحة "يجب أن تكون أحد محركات تنمية الاقتصاد الوطني", عن طريق إحداث تأثير قوي على معدل نمو الناتج الداخلي الخام, وخلق فرص العمل, وإنعاش التصدير ومحاربة الفقر.
وتعتبر الفكرة الثانية أن الفلاحة هي "القطاع الاستراتيجي الذي يحتاج إليه المغرب, لربح مزيد من نقاط التنمية", من خلال تبني شعار "فلاحة من أجل الجميع دون استثناء", عبر استراتيجية متميزة ملائمة لكل فئة من الفاعلين, تقطع مع التصور التقليدي, الذي يقابل بين الفلاحة العصرية والفلاحة الاجتماعية وتأخذ في الاعتبار, تنوع الفاعلين وإكراهاتهم السوسيو- اقتصادية.
وتتعلق الفكرة الثالثة بضرورة معالجة المشكل الجوهري للفلاحة المغربية, الذي يتجلى في ضعف نسيج الفاعلين, باعتماد نماذج التجميع التي أبانت, عن نجاحها على الصعيد الدولي والوطني.
وتهم الفكرة الرابعة تشجيع الاستثمار الخاص, المصاحب بدعم عمومي, عند الضرورة, بينما تعتمد الفكرة الخامسة مقاربة تعاقدية لإنجاز ملموس بين 1000 و1500 مشروع, محددة على أساس نموذج اقتصادي هادف, عبر الاستفادة من مسلسل خوصصة أراضي صوديا وصوجيطا.
أما الفكرة السادسة فتدعو إلى عدم استبعاد أي سلسلة إنتاج, إذ يمكـن لكل السلاسل أن تحقق النجاح المأمول, والأمر يتعلق بإعطاء الفاعلين جميع الفـرص, لإنجاح هذا التحول, في إطار من المرونة, ووضعِ الثقة فِي العاملين.
ويرى وزير الفلاحة, أن "المخطط الأخضر" يشجع سلاسل الإنتاج النباتية, ذات القيمة المضافة العالية في مجال التصدير, مثل الحوامض, والخضر, والزيتون, وتشغل أيد عاملة تفوق 70 في المائة, عما هو عليه الحال بالنسبة إلى زراعة الحبوب, رغم أن الأخيرة تتطلب استثمارات ضخمة.
ويواجه صغار الفلاحين وضعية صعبة, بسبب التجزئة المفرطة للأراضي, إذ لا يتعدى معدل مساحة الاستغلال 2 هكتار, ما يؤدي إلى إضعاف مداخيل هؤلاء, وتكريس معاناتهم مع الفقر.
وتمثل الفلاحة في المغرب, بين 15 إلى 20 في المائة من الناتج الداخلي الخام, ولها تأثير كبير على النمو الوطني. كما تشكل مصدرا مهما للتشغيل, إذ تشغل بين 3 و4 ملايين من السكان القرويين, فضلا عن أن نحو 100 ألف عامل يشتغلون في قطاع الصناعات التحويلية الغذائية.
لكن القطاع الفلاحي بالمغرب, مازال مرتبطا, في جزء كبير منه, بزراعات "معاشية", إلى جانب مشاريع فلاحية عصرية, بايدي فئة قليلة من المستثمرين, ما يشكل واقعا "يصعب استيعابه", بسبب هيمنة زراعات الحبوب على المساحات الفلاحية (75 في المائة من إجمالي المساحة الصالحة للزراعة), رغم أن قطاع الحبوب لا يمثل سوى 10 في المائة من معاملات القطاع الفلاحي, ولا يوفر سوى 5 في المائة من مناصب الشغل.
ويواجه صغار الفلاحين وضعية صعبة بسبب التجزئة المفرطة للأراضي, إذ لا يتعدى معدل مساحة الاستغلال هكتارين, ما يؤدي إلى إضعاف مداخيل هؤلاء, وتكريس ظاهرة الفقر, المتفشية في أوساطهم.
واتسم العقدان الأخيران بتسجيل عجز مزمن في نمو القطاع الفلاحي, إذ لم يشهد الناتج الداخلي الخام سوى زيادة طفيفة, مقارنة مع الدول المنافسة, مثل إسبانيا ومصر وتركيا, كما أن معدل نمو الصادرات لم يتجاوز 5 في المائة سنويا, مقابل بين 8 إلى 10 في المائة بالنسبة إلى الدول المنافسة.