الهيموفيليا مرض تنقل جينته الإناث ويستنزف دماء الذكور

الإثنين 20 أبريل 2009 - 15:52

يتوافد على ثلاثة مراكز استشفائية بالمغرب (ابن رشد و20 غشت وابن سينا) ألف حالة من المرضى المصابين بالهيموفيليا، أو المرضى النزافين.

وتعتبر البروفيسور حبيبة الحاج خليفة، رئيسة قسم طب الأطفال 3، بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، والرئيسة المنتدبة للجمعية المغربية لمحاربة مرض الهيموفيليا، أن هذا العدد لا يعكس الرقم الحقيقي للهيموفيليين المغاربة، إذ تتوقع أن يكون العدد الحقيقي هو 3500 مصاب.

وتستند في ذلك على المعيار الدولي، الذي يؤكد أن بين كل عشرة آلاف نسمة تسجل حالة إصابة بهذا الداء، وقالت في تصريح لـ"المغربية"، إن عدم تشخيص عدد من الحالات، أو وفاة حالات أخرى قبل تسجيلها، بسبب البعد عن مصادر العلاج، والجهل بالمرض وأعراضه، كلها أسباب تحصر عدد الهيموفيليين المغاربة في هذا الرقم، وشددت المسؤولة الجمعوية، على أن الأوضاع التي يعيشها هؤلاء المرضى، والمعاناة الصحية والاجتماعية.

أصبحت تفرض إحداث مركز أو وحدة علاجية متخصصة ومتفرغة لهذا الداء، مشيرة إلى أن الجمعية المغربية لمحاربة داء الهيموفيليا، وهي تخلد اليوم العالمي لهذا الداء، الذي يصادف تاريخ 17 أبريل من كل سنة، عبر تنظيم عدة أنشطة أيام 17 و18 و19 أبريل الجاري، ترفع هذا المطلب.

وتراهن على تحقيقه، اعتبارا للدور الذي يمكن أن يلعبه في حياة المرضى وذويهم، وشرحت الحاج خليفة الأدوار التي سيضطلع بها المركز قائلة سيشرف على عملية التشخيص كلينيكيا، وعبر التحاليل، لتحديد المرض ونوع الهيموفيليا، وأيضا مستويات الإصابة، إلى جانب تقديم العلاج.

وأضافت أن من أدوار المركز أيضا، إجراء بحث عائلي لمعرفة حجم الإصابة داخل كل عائلة، وكذلك التوعية وتلقين أساليب الإسعافات الأولية، في حال وقوع النزيف في انتظار الوصول إلى مركز العلاج، وتدريب المصاب ومحيطه على هذه الإسعافات، وأيضا على حقن الدواء، أي العلاج الذاتي، خصوصا بالنسبة للذين يقطنون في مناطق نائية، أو بعيدة عن المراكز الاستشفائية.

واعتبرت تكوين الأطباء والممرضين في هذا المرض، وأيضا إنجاز أبحاث ودراسات حول الهيموفيليا في المغرب، يعد من الأدوار التي ينبغي أن يلعبها المركز، كما هو الشأن بالنسبة للمراكز الدولية المشابهة، وأوضحت ضرورة وضع سجل وطني لتجميع معطيات حول حجم الإصابة بهذا الداء في المغرب، وخصوصياته، وأيضا خصوصيات المصابين به، إسهاما في البحث العلمي، وكذلك لمعرفة حجم انتشار المرض.

وزادت المسؤولة الطبية قائلة، إن المرضى يلجأون إلى مركزي ابن رشد وابن سينا، حيث تأسست وحدتان لعلاج والتكفل بهؤلاء المرضى، إلا أن الوحدتين أو المركزين لا يتوفران على المواصفات التي ينبغي أن توفر بمراكز علاج الهيموفيليا، وأن المطلب الرئيسي الذي يرفعه الهيموفيليون اليوم، هو إحداث مركز متخصص يسيره أطباء وممرضون لهم دراية وتكوين في مجال علاج المرض، ويتوفر على بنك من الأدوية التي يتطلبها التدخل الطبي لإيقاف النزيف.

البروفيسور الحاج خليفة تعتبر أن التغطية الصحية من الأهداف، التي ستعمل الجمعية المغربية لمحاربة مرض الهيموفيليا على الانكباب عليها للتخفيف من معاناة المصابين بالمرض، وأوضحت أن جل المرضى لا يتوفرون على التأمين على المرض، وحددت نسبة الذين يتوفرون على ذلك في أقل من 10 في المائة، موضحة أن المرض مزمن يرافق المصاب طيلة حياته، وهو مكلف جدا، والتدخل العلاجي أمر ضروري وإلا أدى النزيف إلى الوفاة.

دم الهيموفيليين نزاف لا يتختر

أفادت البروفيسور الحاج خليفة أن الهيموفيليا هي أحد أمراض الدم المزمنة، التي ترافق المصابين به مدى الحياة، وقد يودي بحياة المصاب، وقالت "يتكون دم الإنسان من 13 عامل، وكل عامل له دوره ووظيفته.

ويعتبر العاملان 8 و 9 مسؤولين عن تختر الدم في جسم الإنسان، لذلك فدم الهيموفيليين يفتقر إلى أحد هذين العاملين" وأوضحت أن الافتقار إلى العامل رقم 8 يؤدي إلى الإصابة بالهيموفيليا ألف، والافتقار إلى العامل 9 يؤدي إلى الإصابة بالنوع الثاني، هيموفيليا باء، وعرفت الحاج خليفة داء الهيموفيليا ، بأنه الجريان المستمر للدم، وهو ناتج عن افتقار المصاب به للعامل رقم 8 أو العامل رقم 9 من مكونات الدم المساعدة على تخثر الدم، مبينة أن النزيف يحدث لأسباب بسيطة جدا، أو لدى تعرض المصاب لأي حادث مهما كان قليل الأهمية، أي عند ممارسته لبعض الأنشطة أو اللعب أو حتى عند الحركة.

وأفادت المسؤولة الطبية، أنه في كثير من الأحيان، يكون المصاب بالهيموفيليا مهددا بالنزيف، لمجرد الاصطدام بأثاث البيت أو أشياء صلبة في المنزل أو خارجه. مبينة أن من نتائج ذلك، حدوث نزيف دموي داخلي، يعقبه ظهور ورم في مكان الإصابة، مصحوب بتغير لون الجلد، وغالبا ما يميل إلى اللون الأزرق الداكن، وبالآلام الشديدة.

وأشارت الحاج خليفة، إلى أن النزيف الداخلي، يصيب بشكل أساسي المفاصل والعضلات، خاصة على مستوى الركبة، مما يستدعي اللجوء إلى العامل المساعد على تخثر الدم في الحال ودون تأخر.

وعبرت رئيسة قسم الأطفال عن أسفها، لكون الطب لم يتوصل بعد لسبل التحكم في الجينة المسؤولة عن نقل المرض، مبينة أن الوسيلة الوحيدة للتحكم في تمظهرات المرض، هي تعويض العوامل المفقودة، على شكل دواء لإيقاف النزيف، أو حقن المريض بما يعرف بـ"البلازما" وهي أحد مشتقات الدم، وأشارت الحاج خليفة إلى أن اختيار أحد سبل العلاج (البلازما أو العامل كحقنة)، يضع الأطباء المعالجين لمرض الهيموفيليا، أمام صعوبة معنوية للاختيار بينهما، موضحة أن مادة البلازما، تثير مخاوف جل الأطباء، لأنها عامل مساعد في انتقال العدوى ببعض الأمراض الخطيرة، فيما اعتبرت المسؤولة الطبية ذاتها، أن النوع الثاني من العوامل المصنوعة من المستحضرات الصيدلية، وتبقى أكثر ضمانا بالنسبة للمستفيد، لتفادي الإصابة ببعض الأمراض المعدية.

وأشارت الحاج خليفة إلى أن الكثير من حالات الإصابة في صفوف الأطفال، لم تكتشف إلا عندما أقدم الآباء على عملية ختان أبنائهم، إذ تحدث للطفل العديد من المضاعفات، وأهمها النزيف المستمر، وقالت "هناك العديد من الأطفال الذين توفوا جراء ذلك، بسبب عدم إخضاعهم للتحاليل الطبية، للتأكد من سلامتهم من هذا المرض وغيره". وأكدت أن الطريق الوحيد للكشف عن المرض هو التحاليل.

وشددت على أن الإشارة القوية إلى الإصابة بالمرض، ظهور لون أزرق داكن في ناحية من نواحي جسم المصاب عقب تعرضه لاصطدام أو سقوط على الأرض، مهما كان ذلك بسيطا وتافها، أو أثناء إصابته بجرح أو في مرحلة تغيير الأسنان.

وأوضحت أن خطورة المرض، تتلخص في ظهور بعض التشوهات على مستوى مفاصل وعضلات المصاب، خصوصا الأرجل، مبينة أنه في حال عدم إخضاع المريض لترويض طبي، تموت العضلات، ويتلف غضروف العظم، ما يؤدي إلى ظهور مرض آخر مواز لمرض الهيموفيليا، وهو مرض المفاصل الهيموفيلي، الذي يحتاج بدوره إلى علاج وتتبع طبي خاص. ملخصة أنه في حال الإهمال، يصبح المريض بالهيموفيليا أكثر تهديدا بالوقوع في الإعاقة الحركية، قائلة "وللأسف فغالبية مرضى الهيموفيليا هم أشخاص معاقون حركيا".

وركزت الحاج خليفة على أنه لحسن الحظ، لا يعتبر المرض من الأمراض المعدية، وإن كان مرضا وراثيا، مؤكدة أنه لا يعتبر مرض أحد الزوجين بالهيموفيليا، سببا لنقل المرض إلى الأبناء بالضرورة، إذ يلعب الحظ دوره في مثل هذه الحالات.

وأوضحت الحاج خليفة أن "هذا المرض الوراثي، تحمل الأم جينته المسؤولة عن المرض"، موضحة أنها تنقله لأطفالها الإناث، فيصبحن ناقلات للمرض، وتنقله لأطفالها الذكور فيصبحون هيموفيليين، يعانون من مرض تختر الدم، وتمضهراته المتجلية في النزيف" وشددت على أن المصابين بهذا المرض قد يتعرضون للنزيف لمجرد حركة غير محسوبة، أو بسبب حركة عنيفة نسبيا، وهو ما يمكن أن يحدث لهم أثناء النوم أيضا.

وأعلنت أن علاج المرض غير متوفر، وأن كل ما يمكن اتخاذه من تدابير إزاء هذه الفئة، هو التدخل لإيقاف النزيف فقط، والحيلولة دون تلك المضاعفات، التي تؤدي إلى الإعاقة والشلل، كما هو الحال بالنسبة لعدد من هؤلاء المرضى.

وحول تكاليف العلاج أوضحت أن الفئات الفقيرة لا تستطيع تحمل العلاج بواسطة تلك الحقن التي يصل سعرها إلى ما يقارب 2200درهم للحقنة من فئة 500 وحدة.

وأكدت في السياق نفسه، أن التعرض لإصابة بسيطة، تكلف قنينتين أو ثلاثة، أما الإصابات الخطيرة فقد تتطلب حقنه بما يزيد عن 20 حقنة لإيقاف النزيف، وشدد على ضرورة إيلاء هذه الفئة أهمية عبر توفير مركز متخصص لها وتمكينها من التغطية الصحية، مبرزة أن هذا المرض هو من أخطر الأمراض، لأنه لا يعالج، ولأنه حصد عددا من الأطفال، وإن كان لا يقتل في حال توفر العلاج والتكفل.

الختان ممنوع على الهيموفيليين

وأفادت الحاج خليفة أن أغلب مرضى الهيموفيليا، لم يخضعوا لعملية الختان، نظرا لما تسببه هذه العملية لهم من خطورة على حياتهم. مشيرة إلى أن غالبيتهم، يصممون على إجراء هذه العملية، إلا أن قيمة إجرائها المرتفعة غالبا ما تدفع إلى التراجع عن تنفيذ عملية الختان اضطرارا لهذا المعيق المادي. فبالنسبة للشخص البالغ، تكلف عملية الختان 25 مليون سنتيم، فيما تصل قيمة إجرائها للأطفال، 5 ملايين سنتيم.

وقال أحد الهيموفيليين البالغ من العمر 32 سنة "إن معظمنا نحن النزافين غير خاضع لعملية الختان، وجلنا دبت الإعاقات إلى أطرافه، لقد أصبحنا معاقون، نواجه تبعات هذه الإعاقة، إلى جانب ما يطرحه المرض من مخاوف ومعاناة وحرمان من ممارسة حياة طبيعية".

جميع الهيموفيليين، الذين التقتهم "المغربية"، يتذكرون زميلهم في مشوار المعاناة، عبد الرحيم بنحمو الذي توفي حين كان يبلغ 29 سنة، نتيجة مضاعفات المرض، الذي أرقده ذات مرة أربع سنوات بالمستشفى، وصرفت عليه الجمعية قرابة مليار سنتيم، من أجل علاج نزيف دموي في جهازه الهضمي، لكنه فارق الحياة في ريعان شبابه، مخلفا أخا يتكبد الفراق والمعاناة نفسها نتيجة إصابته بالمرض نفسه.

وفي الحديث عن تكلفة علاج مرض الهيموفيليا، وصفتها البروفيسور الحاج خليفة، بالمرتفعة جدا، تفوق الإمكانيات المادية لغالبية المصابين وأفراد عائلاتهم، إذ تصل كلفة الحصول على العامل البلازماتيكي رقم 8 ب2300 درهم، يوجد على شكل حقنة من سعة500 وحدة، أما العامل البلازماتيكي رقم 9 فيبلغ ثمن الحصول عليه 1970 درهما، ويوجد بدوره على شكل حقنة 500 وحدة، ويباع العاملان في مراكز تحاقن الدم، دون غيرها من الأماكن الأخرى المعروفة بيعيها للأدوية الطبية. مشيرة إلى أن ثمن العوامل المصنوعة من مواد صيدلية محضة، يتراوح سعرها ما بين 5000 و6000 درهم.

وأكدت البروفيسور على أنه يستحيل تحديد عدد الوحدات التي يحتاج إليها الشخص المريض بالهيموفيليا في الشهر الواحد، إذ يعود تقدير ذلك إلى نسبة افتقاره للعوامل المساعدة على تخثر الدم من جهة، وما إذا كان العوز كليا أو جزئيا، من جهة أخرى، إضافة إلى الأخذ بعين الاعتبار سن ووزن المصاب، وعدد الحوادث التي تعرض لها وفرضت اللجوء إلى العلاج.




تابعونا على فيسبوك