سيدي محمد مرس السلطان مقصد لمن لا مقصود له

السبت 11 أبريل 2009 - 08:10
زوار داخل الضريح (سوري)

كانت الساعة تشير إلى التاسعة صباحا، صمت رهيب يخيم على المكان، وكان باب السيد مفتوحا على مصراعيه، على يمين الباب امرأة في عقدها الخامس اتخذت لنفسها زاوية لبيع الشموع وقنينات ماء الزهر.

وعلى طول الممر جلس بعض الأشخاص الذين يهتمون بأمور "السيد" والساهرين على خلق الأجواء الروحانية للزائرين، الذين بدأو يتوافدون منذ الساعات الأولى على الولي الصالح.

وكانت (ح.ع) امرأة في عقدها الرابع أولى الزائرات، ترتدي جلبابا مزركشا، وتحمل في يدها كيسا بلاستيكيا كانت بداخله دجاجة "بلدية"، وفي يدها الأخرى بعض الشموع، وقنينة ماء الزهر اقتنتها من السيدة التي تركن قرب باب الولي.

سارت (ح.ع) على طول الممر المؤدي إلى تابوت سيدي محمد، قبل ذلك عرجت على تابوت "لالة عيشة"، والدة سيدي محمد "مرس السلطان" حيث ألقت ببعض الشموع تبركا بها، ثم أكملت طريقها إلى أن وصلت إلى مكان الزاوية، وبعد أن ألقت التحية على "الشوافة"، ركنت إلى إحدى زوايا التابوت وبدأت تقول كلمات غير مفهومة.

أما الشوافة، التي كانت في عقدها الخامس، فترتدي ثيابا بألوان "مجذوبية"، توزعت بين الأحمر والأخضر والأصفر، وتضع على رأسها بعض السلاسل والقلائد يوحي مظهرها بالخوف والرهبة، أخذت لنفسها مكانا قارا قرب ثابوث الولي، حيث تتمثل مهمتها في جمع ما يجود به "أولاد الجواد" والزائرين من سكر وشمع ودجاج بلدي وتمور...

بعد برهة من الزمن، خرجت (ح.ع) وتوجهت صوب زاوية أخرى من الضريح حاملة معها الدجاجة البلدية . "خالد.. خالد.. نوض راه جات واحد السيدة باغ تشوف ورا جابت معاها الباروك..." السي خالد تأخر في المجيء، أما السيدة فبدأت تستعد للمقابلة، حيث وضعت الدجاجة فوق الطاولة، وبعض الشموع، ثم جلست تنتظر "خالد المنتظر". بعد برهة من الزمن وصلت سيدة أخرى في كامل أناقتها ترتدي قميصا أبيض وسروال من نوع "البنتكور" ،وتضع بعض الأكسسوارات يظهر عليها، ومنذ الوهلة الأولى، أنها سيدة راقية ومتعلمة، دخلت إلى الضريح وهي تتلفظ بعبارة "طالبين التسليم" اقتربت من الشوافة ووضعت في يدها كيسا أسود يحتوي على "قوالب" من السكر وقرطاس من الشمع التي احتفظت بالبعض منها قصد رميها داخل التابوت.

سارت قرب التابوت ووضعت رأسها على أحد زواياه ثم شرعت في تفريغ همومها، وهي لم تتوان لحظة عن رش الضريح بماء الزهر.

ويرى بعض المحللين الاجتماعيين أنه مازالت بعض الفئات الاجتماعية بكل أنواعها ( الأمية والمتعلمة، الغنية والفقيرة، النساء والرجال) تحت سيطرة الخرافة والاعتقاد السائد والإيمان الأعمى بمعجزات الأولياء الصالحين، فرغم التطور الذي يعرفه المجتمع المغربي في مجالات عدة ، يبقى التفكير الدغمائي والمغلوط يسيطر على العديد من شرائح المجتمع التي تسير في اتجاه مجهول ومليء بممارسات يستحضرها العقل الباطني.

وفي هذا الباب أقدم مجموعة من الباحثين على إنجاز دراسات دقيقة لهذه الظاهرة، وأثبتت أن الإدمان على زيارة "السادات" والأولياء ضياع للوقت، وأن العلم وصل إلى إاثباب درجة الضرر والخطر التي تسببها مثل هذه الأماكن.

وما يلاحظه الزائر عندما تطأ قدماه عتبة ضريح سيدي محمد مرس السلطان هو الاهتمام الكبير بتزيينه، والمبالغ المرتفعة التي خصصت لتنظيف المكان وترميمه، حيث جرت إعادة صباغة جدرانه، ووضع الزليج على حيطانه، ما أعطاه صبغة مميزة لمظهره، تجلب أنظار الزائرين الذين يجدون فيه السكينة والإنشراح والراحة التي يبحثون عنها، وبحكم وجوده قرب مستشفى ابن رشد، فزواره يتكونون من أقرباء المرضى والمرضى أنفسهم، الذين يتوافدون على الولي بهدف التبرك وطلب الشفاء من المرض.

قالت إحدى السيدات، إن بيع الماء، نشاط مدر للدخل بهذا الولي، حيث تبلغ تسعيرة قنينة الماء المبارك الواحدة خمسة دراهم، أما سعر الكأس الواحد فيبلغ درهما واحدا وتضيف "إلا ما حطتيش درهم ف داك الطبسيل اللي مغطيا بيه السطل والله لا شربتيه"، وأشارت إلى أن المكلفة ببيع الماء خرساء تتعامل فقط بالإشارات وتضع لائحة سعر الماء.

وقال أحد العاملين بالضريح ل "المغربية" (ب.ح) الملقب بـ "خالي" إن مولاي الحسن الأول عين سيدي محمد كي يكون وليا على منطقة مرس سلطان، والمرس، حسب قول "خالي" عبارة عن خزانة كانت تجمع فيها مدا خيل الدار البيضاء والنواحي، ويعطي الملك الأمر بتوزيعها إما في الشمال أو الجنوب أو الشرق. كما كانت إلى جانب الخزانة مدرسة تختص بتدريس القرآن والعلوم الدينية، بحيث كان يتوافد عليها مجموعة من الطلاب من جميع المدن المغربية، وكان يشرف عليها سيدي محمد. وقال أنه في الأيام المقبلة سيجري إصدار كتيب في طبعته الأولى يتحدث عن تاريخ الولي الصالح سيدي محمد.

وأضاف خالي أن "كل ونيتو، وكلشي بأمر الله. هاد الولي كيعطي البركة لأي واحد داخل مسلم وطالب التسليم. وهاد الشي كاين. شحال من واحد جا لهنا أودا معاه الخبزة والبركة حيث كيدير السباب والكمال على الله". وأن " الأعمال بالنيات، للاعيشة أم سيدي محمد وختو للا زهرة و باه سيدي محمد كل واحد في القبة ديالو".

وتتعدد الأنشطة التي تزاولها بعض النسوة في الضريح بين بيع الحناء والكحل والسواك وبعض الأغراض النسائية، إضافة إلى النقاشات اللواتي يوفرن دخلا قارا في هذه الزاوية، خصوصا يومي السبت والأحد، حيث يرتفع عدد الزوار. وتشكل النساء أغلبية القاصدين الضريح، يتوافدن عليه من كل حدب وصوب، جلهن ساقتهن الأقدار للتبرك والتخلص من النحس، حسب اعتقادهن.




تابعونا على فيسبوك