الزيارتان التاريخيتان للمغفور له محمد الخامس إلى طنجة وتطوان

صفحتان مشرقتان في الذاكرة الوطنية

الخميس 09 أبريل 2009 - 22:40

يخلد الشعب المغربي، اليوم الخميس، الذكرى 62 لزيارة الوحدة، التي قام بها بطل التحرير جلالة المغفور له محمد الخامس إلى مدينة طنجة سنة 1947، والذكرى 53 لزيارته إلى مدينة تطوان سنة 1956.

وشكلت هذه الزيارة الملكية منعطفا مهما في مسيرة النضال الوطني من أجل الاستقلال، وفصلا متميزا بين عهدين: عهد الصراع بين القصر والإقامة العامة، والنضال السياسي لرجال الحركة الوطنية، وعهد الجهر بالمطالبة بحق المغرب في الاستقلال أمام المحافل الدولية، وإسماع صوت المغرب بالخارج، والعالم آنذاك بصدد طي مرحلة التوسع الاستعماري والدخول في طور تحرير الشعوب وتقرير مصيرها.

لقد كانت هذه الزيارة التاريخية لجلالة المغفور له عنوانا بارزا لوحدة المغرب وتماسكه، وبالتالي مناسبة لطرح مسألة استقلال البلاد وحريتها.

وما أن علمت سلطات الحماية برغبة جلالته رضوان الله عليه، حتى عمدت إلى محاولة إفشال مخطط الرحلة الملكية وعرقلتها، لكنها لم تنجح في ذلك، إذ جاء رد جلالة المغفور له محمد الخامس على مبعوث هذه السلطات حاسما عندما جهر قائلا: "لا مجال مطلقا في الرجوع عن مبدأ هذه الرحلة".

وهكذا ارتكبت سلطات الاستعمار مجزرة شنيعة بمدينة الدارالبيضاء يوم7 أبريل 1947، ذهب ضحيتها مئات المواطنين الأبرياء، وسارع جلالة المغفور له محمد الخامس إلى زيارة عائلات الضحايا ومواساتها، وعبر لها عن تضامنه إثر هذه الجريمة النكراء.

ويوم 9 أبريل 1947، توجه جلالته على متن القطار الملكي، انطلاقا من مدينة الرباط نحو طنجة عبر مدينتي سوق أربعاء الغرب والقصر الكبير فأصيلة، التي خصص بها سمو الأمير مولاي الحسن بن المهدي استقبالا حماسيا، احتفاء بمقدم العاهل الكريم في حشد جماهيري عظيم، هذه الصورة كسرت العراقيل التي دبرتها سلطات الاستعمار، ليتأكد بذلك التلاحم المتين والأواصر القوية، التي جمعت على الدوام بين العرش العلوي المجيد والشعب المغربي الأبي.

وخصص سكان طنجة استقبالا حارا للموكب الملكي، جددوا من خلاله تمسكهم وتفانيهم في الإخلاص لثوابت الأمة ومقدساتها واستعدادهم للدفاع عن كرامة البلاد وعزتها.

وجاء الخطاب التاريخي، الذي ألقاه المغفور له محمد الخامس في فناء حدائق المندوبية، بحضور ممثلين عن الدول الأجنبية، وهيئة إدارة المنطقة، وشخصيات أخرى مغربية وأجنبية، ليعلن للعالم أجمع عن إرادة الأمة وحقها في استرجاع استقلال البلاد ووحدتها الترابية، حيث قال جلالته "إذا كان ضياع الحق في سكوت أهله عليه فما ضاع حق من ورائه طالب، وإن حق الأمة المغربية لا يضيع ولن يضيع ...".

كما أكد جلالته من خلال خطابه نظرته الصائبة وطموحاته النبيلة في صيانة وحدة المغرب، حيث قال جلالته بهذا الخصوص " فنحن بعون الله وفضله على حفظ كيان البلاد ساهرون، ولضمان مستقبلها المجيد عاملون، ولتحقيق تلك الأمنية التي تنعش قلب كل مغربي سائرون ... ".

لقد كان خطاب جلالة المغفور له رسالة واضحة المعالم والمضامين لأصحاب المطامع الاستعمارية، إذ أوضح أن عرش المغرب يقوم على وحدة البلاد من شمال المغرب إلى أقصى جنوبه، وأن مرحلة الحماية ما هي إلا مرحلة عابرة في تاريخ المغرب، شكلت في حد ذاتها حافزا رئيسيا لوعي المغاربة بأهمية الموقع الجغرافي الذي يحتله المغرب.

ولعل لاختيار مدينة طنجة دلالات كبرى، إذ خصها جلالة المغفور له بقوله "وأن نزور عاصمة طنجة التي نعدها من المغرب بمنزلة التاج من المفرق، فهي باب تجارته ومحور سياسته ... ".

بالإضافة إلى ذلك، كان لهذه الزيارة جانب روحي، إذ ألقى أمير المؤمنين جلالة المغفور له محمد الخامس، يوم الجمعة 11 أبريل، خطبة الجمعة وأم المؤمنين في الصلاة بالمسجد الأعظم بطنجة، وحث الأمة المغربية على التمسك برابطة الدين، فهي الحصن الحصين للأمة المغربية ضد مطامع الغزاة.

كان للرحلة الملكية إلى طنجة وقع بمثابة الصدمة بالنسبة لسلطات الحماية، وأربكت حساباتها ودفعتها إلى عزل المقيم العام الفرنسي "إيريك لابون"، ليحل محله الجنرال "جوان"، الذي بدأ حملته المسعورة على المغرب بتضييق الخناق على القصر الملكي وتنفيذ مؤامرة النفي.

وجاءت زيارة جلالته رضوان الله عليه لمدينة تطوان في التاسع من أبريل سنة 1956، ليزف منها بشرى استقلال الأقاليم الشمالية وتوحيد شمال المملكة بجنوبها، وكان جلالته قادما من إسبانيا، بعد أن أجرى مع القادة الإسبان مفاوضات تهم استكمال الوحدة الترابية للمملكة، توجت بالتوقيع على معاهدة 7 أبريل 1956، المعاهدة التي تعترف بموجبها دولة إسبانيا باستقلال المغرب وسيادته التامة على كافة أجزائه.

هكذا ألقى جلالة المغفور له محمد الخامس خطابا تاريخيا وسط ما يفوق 200 ألف مواطن من سكان مدينة تطوان، استهله بقوله "وبالأمس عدنا من ديار فرنسا ووجهتنا عاصمة مملكتنا رباط الفتح لنزف منها إلى رعايانا بشائر الاستقلال، واليوم نعود من رحلتنا من الديار الإسبانية ووجهتنا تطوان، قاعدة نواحي مملكتنا في الشمال، وتحت سماء هذه المدينة قصدنا أن يرن صوت الإعلان، بوحدة التراب إلى رعايانا في جميع أنحاء المملكة، رمزا إلى تتميم هذه الوحدة وتثبيتها في الحال".




تابعونا على فيسبوك