نظم، أول أمس الأحد، بنادي المحامين بالرباط، حفل تضامني مع سكان منطقة الغرب، ضحايا فيضانات فبراير الماضي، نظمته مجلتا "نسمة" الشهرية، التي تصدرها مجموعة "ماروك سوار"، و"سيدتي"، الصادرة بدبي، بشراكة مع هيئة "نساء من أجل النساء"، و"نادي ليونس" بالرباط.
وتخلل الحفل توزيع نافذة لمراسلة مجلة "نسمة" نجمة اليونسي، التي حملت عنوان "حملة الدفء تعيد الإعلام إلى الأرض" وكان التجاوب كبيرا، إذ اطلع الكثيرون على فحوى النافذة، التي أشادت بهذه المبادرة.
وجاءت هذه المبادرة الإنسانية لتبرز أن الصحافة ليست مجرد كلمات وصور باردة، وإنما هي رسالة نبيلة، لا يمكن إلا أن تكون منخرطة في كل قضايا المجتمع. وعرفت هذه المبادرة، التي اختارت "حملة الدفء" شعارا لها، حضور عدد من الوجوه السياسية والإعلامية، وأثثته أسماء فنية بوصلات غنائية، مثل عبد العالي الغاوي، وإيمان الوادي، وهناء الإدريسي، وأسماء بسيط. كما قدمت مصممة الأزياء، هدى الفلسطينية، خلال الحفل، مجموعة من أجمل تصاميمها، إلى جانب أسماء أخرى، أبت إلا أن تساهم في هذه المبادرة الخيرية، اختيارا وطواعية.
وجاء في كلمة عزيزة حلاق، سكرتيرة تحرير مجلة "نسمة"، بشأن هذه المبادرة أنها "انخراط للصحافة في الحدث، وهذه الأخيرة يجب ألا تكتفي بمتابعة الأحداث، بل عليها أن تساهم في صنعها، وهذا ما نريد تكريسه من خلال هذه المبادرة الإنسانية، التي تستدعي التدخل والتضامن".
وأكدت حلاق على الدعم اللامحدود لمحمد الجواهري، المدير العام لمجموعة "ماروك سوار"، الذي قالت بشأنه "ما كنا لنمضي بعيدا في هذه المبادرة لو لم نتلق مساندته". كما أشارت إلى اهتمامه بهذا الحدث، من خلال الدعم المادي المهم، الذي منحه للحملة من نادي "الروتاري"، كما وجهت شكرا خاصا، للحبيب سمارة ممون الحفلات، الذي تكفل بهذا الحفل، ولجمعية مراكب الصيد الساحلي بطنجة، وللأخوين خير الله، أصحاب مجوهرات "Diagold"، ووفاء عتابي، التي ساهمت ماديا في هذه الحملة، وتكفلت بتزيين العارضات، إلى جانب "جمعية التضامن الاجتماعي والطبي بلا حدود".
وأثنت، أيضا، على مبادرة تلاميذ ثانوية المولى إدريس الأول، وإدارة هذه المؤسسة، الذين كانوا أول من بادر إلى جمع التبرعات، وإرسالها إلى مكتب "سيدتي".
من جهتها، قالت سميرة مغداد، مسؤولة مكتب "سيدتي" بالرباط، إن هذه "المبادرة تجعل من الإعلام فاعلا حقيقيا في المجتمع، كي لا يظل دوره مقتصرا على المتابعة"، متمنية أن تساهم المبادرة، ولو بقسط بسيط، في التخفيف عن المتضررين من فيضانات الغرب الأخيرة.
وكانت مجلتا "سيدتي" و"نسمة" المغربية أعلنتا عن إطلاق "حملة الدفء"، خلال حفل "تبرع من ذهب" تضامنا مع ضحايا غزة، نظمته مجلة "سيدتي، كرمز للتضامن، عبر الإحساس بمعاناة المنكوبين، والتفاتة من نساء الإعلام والمجتمع المدني إلى كل المتضررين من الفيضانات.
واستقبلت الإعانات والمساعدات بمكتب "سيدتي" في الرباط، ومكتب "نسمة" في الدارالبيضاء، ونظمت قافلة الدفء، للتوجه نحو دواوير متضررة، بعد حفل نظمته المجلتان، بتنسيق مع مصممة الأزياء، هدى الفلسطينية، وبحضور عدد من الفنانين والإعلاميين.
يولد قسم من الناس من أجل خلق الأحداث وصنعها، ويولد قسم آخر من أجل رواية ما وقع والتعليق عليها، وفي أحيان أخرى يحدث الاستثناء، إذ يمكن لأشخاص أن يصنعوا الحدث، ويصنعوا حكايته، مثلما ذهب إلى ذلك الروائي الكولمبي غارسيا ماركيث، في سيرته الذاتية "عشت لأروي"، حين كتب "عشت وكأنني لا أعرف إلا الحياة. ثم كتبت وكأنني لا أجيد من الحياة، إلا الكتابة عنها".
ما فعلته "نسمة" و"سيدتي"، بإطلاق "حملة الدفء"، لمساعدة منكوبي الفيضانات بجهة الغرب، يندرج في هذا السياق الأخير، كنا أمام صحافيات وصحافيين زاوجوا بين رواية الحدث، وبين خلق الحدث، والانخراط في تفاصيله، بالنقطة والفاصلة. كنا أمام تجربة أخرى تعيد للصحافة بريقها، وتنزلها من برج مزعوم عن الإخبار والتعليق، وأحيانا الهرولة إلى ارتداء جبة القاضي، وتجاوز الخبر والتعليق، ووضع الناس في قفص الاتهام، ثم إصدار الأحكام، البراءة لهذا والإدانة لذاك!
صنيع "نسمة" و"سيدتي" مساهمة في إعادة الصحافة إلى الأرض، موقعها الحقيقي.
عندما كتبت في العدد المنصرم عن حرائق أستراليا، كنت أتحسر عندما أروي كيف خلقت الفجيعة مناخا من التعبئة العامة في أوساط الأستراليين، وكيف برزت موجة وحملات التضامن الواسعة، وكيف ساهمت وسائل الإعلام الأسترالية، من صحف وإذاعات وقنوات تلفزيونية، في هذه الحملات، بتنظيم برامج خاصة لجمع التبرعات والمساهمات المالية، لدعم ومساندة منكوبي الحرائق، بلغت مئات الملايين من الدولارات.
وبشكل بريء، طرحت السؤال: في خضم الفيضانات بعدد من مناطق المغرب، التي خلفت الكثير من الضحايا، وشردت مئات السكان، وتهدمت بيوت، وتخربت ممتلكات، وأتلفت مزروعات، أين هي وسائل الإعلام الوطنية؟ هل نظمت برامج تضامنية في القنوات التلفزيونية؟ وكيف حال الصحافة المكتوبة، هل فعلت شيئا؟ هل بادرت؟ أم غرقت في دوامة تنابزاتها، التي لا تكاد تنتهي؟ أم أنها تعفي نفسها من العملية برمتها، بداعي أن التضامن ليس مهمتها، وإنما الأخبار والإخبار وحدهما وظيفتها؟
وتحسرت وأنا أتابع كيف أن الصحافة الأسترالية لم يكن لها وقت تضيعه في طرح أسئلة معطلة، إذ أعلنت تضامنها ومارسته بالأفعال، واعتبرته جزءا لا يتجزأ من الرسالة النبيلة للإعلام...
حقيقة، لم أكن أدري شيئا عن مبادرة "نسمة" و"سيدتي"، مبادرة تعيد الأمل وتبعث على الاطمئنان، فالصحافة لا يمكن أن تكون مجرد مقالات، تكتب بكلمات باردة، بلا روح ولا حياة، الصحافة لا يمكن أن تكون إلا في قلب الحياة، والحياة هي كل هؤلاء الناس، هي أهلنا في تطوان، مثلما هم في الحسيمة، أو سيدي قاسم، أو سيدي سليمان، هم كل أولئك الذين جرفت السيول ممتلكاتهم، وتركتهم بلا ملاذ، الفيضانات توقفت، مثلما توقفت حرائق أستراليا، لكن المأساة باقية، والمعاناة مستمرة، والفجيعة قد تدوم عدة سنوات، والفجيعة، بالنسبة للصحافة، ليست مجرد أخبار وروبورتاجات وتحقيقات وتعليقات، وغيرها من صنوف الكتابة الصحفية، ننجزها، ثم نروح إلى بيوتنا مطمئنين أننا فعلنا ما يجب فعله، والسلام. الصحافة هي، أيضا، وأساسا، انخراط كامل في الحدث، وبحسب طبيعة الحدث، قد نكتفي أحيانا بروايته، وأحيانا بالمزاوجة بين روايته والمساهمة في صنعه، وهذا ما فعلته "حملة الدفء".
كثيرا ما نتحدث عن تحديات الصحافة المكتوبة، بشكل خاص، وعن الإعلام بمختلف قطاعاته بشكل عام، طيب، يمكن أن نقول مع القائلين إنه لن يتأتى لقطاع الصحافة المكتوبة الاضطلاع بمهمته البيداغوجية، في تكريس قيم الحرية والمسؤولية، ونشر ثقافة الديمقراطية والمساواة، وصيانة التعددية، إلا باعتماد مقاربة تزاوج ما بين توفير ضمانات حرية التعبير، والفعل الصحفي الحر والمسؤول، والتعاطي الخلاق لوسائل الإعلام مع رهانات الديمقراطية.
جميل، لكن الأجمل هو تعزيز ذلك بانخراط الصحافة، بأسلوب مبتكر، في حياة الناس، في مغربنا العميق، في قضاياهم وهمومهم وانشغالاتهم. وفي هذا الصدد، أستحضر بعض الأحكام المسبقة عن المجلات النسائية، وهي عموما أحكام جاهزة، فالمجلات النسائية المغربية، كل حسب تجربتها الخاصة، تحاول أن تقدم شيئا مفيدا للمجتمع، في الطبخ، والديكور، والأزياء، والماكياج، والموضة، والجمال، وأيضا في التربية وتكريس العديد من القيم الأخلاقية الجميلة، قيم الإيثار والتكافل والتضامن، مثل مبادرة "حملة الدفء"، التي غمرتنا بكل مشاعر الأمل والفخر والاعتزاز. تحية حب وتقدير لكل من ساهم في بناء "حملة الدفء"، تحية لكل جنديات وجنديي الخفاء في مجلتي "نسمة" وسيدتي". ودون أي أنانية، تحية أيضا لمجلات "للا فاطمة" و"نجمة" و"نساء من المغرب" و"سيتادين"، وشقيقاتها المغربيات المكتوبة بالفرنسية، فبلدنا في حاجة إلى كل منابره، مثل حاجته إلى كل بناته وأبنائه، من أجل مغرب جميل، فيه متسع لكل المغربيات والمغاربة.
(نجمة اليونسي)