أجساد تترآى لك في أوقات معينة ببعض الشوارع المغربية، تعرض للبيع "من أجل أن توفر لقمة عيش" من قبل مفضليها من الرجال، هذا هو محور أقدم مهنة في العالم، إنها مهنة الدعارة الرخيصة، التي يمارسها نساء، وجدن فيها مخرجا للظروف التي يعانينها بسبب الفقر.
وما يمكن القول عنها، حسب أراء استقتها "المغربية" لدى بعض المواطنين، هي "بقعة نجاسة على ثوب نظيف بالنسبة للمرأة".
تكاثرت أسئلة متعددة ومتشعبة حول فضاءات ببعض الشوارع، التي اشتهرت بجولان فتيات في مقتبل العمر "يبعن الهوى" لكل راغب في إشباع شهواته، وتلبية رغبات غريزته، انطلاقا من الكاموني وتيفلت والخميسات، ووصولا إلى الدارالبيضاء، خصوصا بشوارع محمد الخامس، وأنفا، ومولاي يوسف، وعين الذئاب.
يوجد عدد من الفتيات من هذه الشريحة يرتدين لباسا مغريا، يحاولن جلب أنظار الزبناء، مع العلم أن اللباس ليس معيارا لممارسات "الدعارة".
لاحظت "المغربية"، عند توجهها إلى منطقة الكاموني، أن من بين الراغبين في إشباع نزواتهم يقصدون "الطاكسيات"، لأنها، حسب تصريحات بعض الرجال، وسيلة نقل سريعة، تنقل في "لمح البصر" إلى المنطقة المقصودة، للحصول على ما طيب لهم من النساء، التي تكون محورا مهما في الأحاديث والمناقشة داخل "الطاكسي الكبير"، التي تبدأ بسماع الضحكات المتعالية والقهقهات المشيرة إلى الفخر والاعتزاز بما يقومون به.
بمنطقة الكاموني، يقام سوق أسبوعي كل يوم أحد، يتحول إلى فضاء واسع تعرض فيه جميع المواد الاستهلاكية التي يبحثها عنها المواطنون، بأسعار يجدونها مناسبة، ويرى بعض الزوار أن هذا الفضاء يتحول إلى كرنفال أسبوعي، تفقد فيه "القرية المتمدنة" هدوءها النسبي، لتلتحق هي الأخرى بضجيج العالم الحضري.
يوجد بضواحي الكاموني، بعض الديار غاب عنها التخطيط وخذلها المسؤولون, حيث تستعرض بعض النساء، عند أبوابها أنوثتهن الباهتة أمام القادمين من السهول وحصين والمعمورة والسمايطو والرباط وسلا، من بينهن من استعمر الشيب رأسها، وفعلت التجاعيد فيها ما فعلت، ومنهن من لم تنه بعد ربيعها الثالث عشر. عارضات الهوى من كل الأجيال والألوان، اقتادتهن الظروف إلى احتراف أقدم مهنة, ينادين المارة, ويستعملن مختلف وسائل الإغراء للظفر بالزبائن. "إنها ماركوتينغ اللذة".
يعد يوم السوق "يوم الجوك", الذي تستخدم فيها هذه الشريحة من النساء جميع وسائل الإغراء، للظفر بأكبر عدد من الزبناء، وتحقيق أكبر دخل يمكنه أن يغطي مصاريف باقي أيام الأسبوع.
قالت نعيمة، التي تجاوز عمرها الثلاثين لـ "المغربية" إن عليها أن تستعمل كل الأساليب حتى "تطلع الرصيطة"، خصوصا أن العرض، خلال السوق، يفوق الطلب.
أوضحت نعيمة، التي كانت ترتدي جلبابا ضيقا يبرز جميع مفاتنها، أنها جاءت من دكالة، واستقر بها المطاف بالكاموني، بعدما اشتغلت في العديد من البيوت، واغتصبها والدها، الذي استغل سفر والدتها وإخوتها، ولم يكن أمامها سوى الهروب من "الصدمة".
حاولت نعيمة في البداية أن تجد عملا شريفا، لكنها فشلت في ذلك، فوجدت نفسها تمارس الدعارة. تعلمت أصول "الحرفة"، وصارت على دربها. ذكرت نعيمة أنها أنجبت مرة واحدة وأعطت طفلها "لأناس أغنياء". وقاطعت "الحاجة"، امرأة في العقد الخامس، حديث نعيمة، قائلة: "أنا ما عنديش الأوطيل هنايا، تحركي شويا اليوم 40 درهما ماشي 10"، كانت الجملة بمثابة تيار كهربائي صاعق جعل نعيمة في حالة غضب. "الحاجة" هي صاحبة المنزل الذي تعيش فيه نعيمة وتزاول نشاطها، كانت تجلس على كرسي عالي، تنظر إلى المارة بعينين نافذتين، بينما طوق "اللويز" عنقها، وتدلت من أذنيها أقراط ذهبية، محيطة بتلميذاتها يفترشن حصيرا قديما ويحتضن وسادات لا لون لها.
توقفت نعيمة عن حديثها لتتوجه نحو ما ينتظرها من عناء, إنه "يوم الجوك".
كانت امرأة تقترح على أحد المارة "بضاعتها"، غير أن الشخص كان في عجلة من أمره، وبعد تردد طويل روت حكايتها لـ"المغربية".
قالت سعاد (36 سنة) إن زوجها هجرها منذ 5 سنوات، لأنها أثقلت كاهله بكثرة الأولاد، ولم يعد قادرا على التكلف بمصاريف البيت. حاولت في البداية أن تقوم بالدور، إذ اشتغلت خادمة ببعض البيوت، غير أنها لم تعد قادرة على مواجهة غلاء المعيشة بأجر هزيل، فلجأت إلى بيع لحمها. وذكرت أنها تعرف مخاطر المهنة، خصوصا الأمراض التي يمكن أن تسببها، غير أن الفقر "ولد الحرام".
أشارت في حديثها إلى أنها عملت عند "الباطرونة ف" في البداية، وبالنسبة للمدخول فهو يتراوح بين 200 و250 درهما يوم الأحد، أما الأيام الأخرى فلا يتجاوز 50 درهما".
وكفت سعاد عن رواية حكايتها عندما نزل شابان من "طاكسي كبير" وشرعا في توزيع نظراتهما على الشارع، الذي كان يبدو خاليا.
أوضح "ر" لـ "المغربية" أنه يلبي رغباته عند بعض الفتيات التي ألفهن بالمنطقة، ويقمن في بيوت معينة، يقدمن خدمات في حذر شديد.
وأشار إلى أنه لا يستطيع الزواج حاليا, خصوصا أن أعباءه ثقيلة، موضحا في يأس أنه لن يجد "بنت الناس"، التي يمكنها أن تعينه على تحدي مشاكل الحياة، لأن جل الفتيات اللواتي يتوفرن على مواصفات الزواج، يحددن شروطا مستحيلة التحقيق بالنسبة لشاب في وضعه، لأنه مجرد "طالب معاشو" (حمال)، دخله لا يكفي لسد حاجياته اليومية، فكيف له بالزواج.
بدوره، يقول صديقه، الذي أمسك منه خيط الحديث، إنه من غير المنطقي أن نلقي اللوم على ممارسات الدعارة، خصوصا أن من بينهن الأرامل، والمطلقات، اللواتي يجدن صعوبة في إيجاد مناصب شغل لمواجهات غلاء المعيشة.
وتجد حرفة "بيع الهوى" زبائنها، حسب (م.م) 28 سنة، الحاصل على الإجازة في الأدب العربي، بين بعض العاطلين مثله، والمطلقين والعازفين عن الزواج.
هذه بعض الحكايات من منطقة الكاموني، التي يوجد مثيلا لها، في جميع المجتمعات والدول، تحت أقنعة مختلفة، أبطالها نساء رمى بهن الزمن في براثين الدعارة، وشباب لم يجدوا بديلا لإشباع رغباتهم الجنسية سوى الاستعانة بأجساد المومسات.
عودة من الكاموني إلى بعض شوارع مدينة الدار البيضاء، التي توجد بها قصص عديدة ومختلفة، لكن، حسب بعض التصريحات هذه الأيام "السوق طايحة"، بسبب اكتساح بعض البولونيات والإفريقيات على حانات "عين الذئاب"، وبعض شوارع العاصمة الاقتصادية، حيث أصبحت مزاولات الحرفة على أبواب البطالة.
تقول كريمة (30 سنة) لـ "المغربية" "هاذوا طيحوا علينا سوق، ما بق لا كليان ولا والو، ولينا غير كنشوا ذبان هنا". استرسلت كريمة تشتكي بصوت غاضب عن وضعية غير متوقعة، "أواه، هي لخدمة قليلة عندهم حتى لهاد الدراجا، باش يتزاحموا معانا حنا، راه الغالب الله، حتى حنا باغيين نعيشوا ونترزقوا الله".
أما مليكة (24 سنة)، فتقول إن الأمر عاد، موضحة أن "كل واحد كا يقلب على رزقو، وهادشي غير زهر، إلى كنتي مطلوبة، راك مطلوبة، متسناي حتى حد يجري ليك على لكليان".
هذه السيناريوهات عديدة ومتكررة توجد في كل من شوارع أنفا وبوردو ومحمد الخامس، وزنقة باريز، والجيش الملكي، وللاياقوت، والعامل القوي، الذي وطد هذه المهنة، التي انهالت عليها أقلام الصحافيين بسخاء لتسليط الضوء عليها، هو وسيطات تجارة بيع الأجساد، اللواتي انتشرن انتشار الورم الخبيث، الذي تفشى في مجتمعات عدة، وأخذ يسري بسرعة قصوى في أحياء ودروب مدن المملكة، ما يعيد للأذهان الصورة التي يرسمها الأجانب عن بعض المغاربة كونهم مدمني الدعارة.
رغم الحملات الأمنية والتطهيرية للحد من هذه الظاهرة ، تمكن وسطاء ووسيطات المهنة، الذبن يختفون وراء صفات عدة، الانتشار في فضاءات متعددة ذات طابع شعبي، مثل الحدائق العمومية، ومحطات حافلات الركاب، وأمام المستشفيات، والمقاهي، والشواطئ، والفنادق.
يلجأ الوسطاء بوسائلهم الإغرائية، إلى تحبيب مهنة بيع الأجساد للتلميذات، اللواتي يجدن أنفسهن في آخر المطاف أمهات عازبات عاهرات، سجينات، مصيرهن مثل أوراق "كليكنس المجففة"، التي تنتهي وظيفتها بمجرد انتهاء مهمتها.
هذا ما وقع لفاتن (22 سنة)، التي وقعت ضحية وسيطة لبيع الأجساد، إذ قالت إن المقولة التي يقولها المصريون "الزن على الوذان أمر من السحر" تنطبف على وضعها، لأن حاجتها الماسة للمال ووضع عائلتها المزري ساهم في تحقيق رغبة وسيطة زجت بها في براثين هذه المهنة، التي دمرت مستقبلها.
أوضحت فاتن أنها كانت تعيش في السابق وضعية مالية جيدة بحكم أن والدها كان يشتغل بشركة لها وزنها في السوق الاقتصادية، وكان دائما يعطيها النقود بسخاء، وقالت "أدمنت النقود التي أصبحت حاجة ضرورية بالنسبة لي للشراء الملابس والسهر مع الأصدقاء والسفر، لكن لما استقال والدي من العمل لم يعد يعطيني النقود كالسابق، فضاق بي الحال، فلم أجد مخرجا سوى وسيطة كنت التقيت بها صدفة في أحد الأيام، فتوالت الأحداث حتى أصبح حالي هكذا ".
تحكي هذه الشريحة من بعض المغربيات الواقع المرير، الذي دفعهن إلى ممارسة الدعارة، إذ أن أغلبيتهن عانت مشاكل مادية ونفسية، تعود في الأصل إلى الفقر، والاعتداءات الجسدية خصوصا منها الجنسية، فعجزن عن الإفلات منها، ليسقطن بين أنياب حرفة ترفضها جميع المجتمعات.