في شارع "بوركون"، بمحاذاة السوق المركزي، تقف مجموعة من النساء، أو تجلسن على عتبات بعض المحلات، في فضاء يطلق عليه "الموقف"، فيهن العازبات والمطلقات والأرامل، بحثا عن زبون أو زبونة في حاجة إلى غسل الملابس أو تنظيف المنزل.
لم تقدم الحياة لهؤلاء النساء سوى الشقاء والبؤس، يتجرعن كؤوسا مريرة بين براثن الفقر، وقصر ذات اليد، تختلف أعمارهن، وإن كان هندامهن شبه موحد، بجلابيبهن، التي أكلت الشمس بعضا، أو كلا من ألوانها، فحولتها إلى ألوان باهتة، بعضهن يجلسن على الرصيف، ويحتمين ببعض الأشجار والأسوار، من لهيب شمس حارقة، أو حتى بعض قطرات المطر، ويشكلن مجموعات لا تتجاوز الواحدة منها ثلاثة نسوة، يطاردن كل سيارة يلمحنها، لطلب العمل، ويعتبرن أنفسهن في حالة تأهب قصوى، يترقبن تحركات الأشخاص والسيارات المقبلة في اتجاههن، وكلما توقفت إحدى السيارات، تسابقن نحوها مرددات عبارة "صبانة...خدامة"، لتجري عملية الانتقاء، وبعد التفاوض من لدن الزبون مع التي وقع عليها الاختيار، تعود الأخريات خائبات إلى أماكنهن.
تعود الزبناء على مثل هذه الخدمات، التي لا تكلفهم الكثير، ما تؤكده عائشة، (40 سنة)، إذ قالت إن هذه "الخدمة" التي تقدمها لها هؤلاء النساء، وتدفع مقابلها أجرا بخسا، سهلت عليها مسؤولية العمل خارج البيت، والتخلص من هموم أشغال البيت، التي تسبب لها تعبا مضاعفا، وتضيف أن الصبانة لا تكلفها مبلغا كبيرا، بل إن هذه الأخيرة ترضى بما تقدمه إليها.
الصبانة الخادمة المطيعة والمغلوبة على أمرها، عليها أن ترضى، بما يجود به الزبناء، سواء كان قليلا أو كثير، كما عليها أن تبذل ما في وسعها كي "توري حنت يديها" حتى تكسب ثقة ورضا الزبائن مرة أخرى.
سيناريو المشهد نفسه ظل يتكرر كل يوم، منذ سنوات، ومن هؤلاء "الصبانات" من تقع في أيدي أمينة، تعطف عليها وتساعدها قدر المستطاع، ومنهن من يسلط عليها القدر وحوشا آدمية، تستغل حاجتها وظمأها لدخل، قد يجعلها فريسة سهلة المنال، فهذه الفئة فقدت الأمل في العثور على عمل قار، يقيها شر الفقر، ويؤمن لها ما تحتاجه من ضروريات الحياة.
بعض الزبائن يستغلون هؤلاء النساء، فغسل الملابس وحده لا يشفي غليل صاحبة البيت، إذ بعد الانتهاء منه، تصبح مطالبة بإنجاز مهام أخرى، كتنظيف أركان البيت، أو ما يصطلح عليه "التخمال والسوسان"، فهي ليس أمام حظها العاثر، إلا الاستسلام لأوامر أصحاب المنزل، ومتابعة أشغال البيت في صمت، مقابل مبلغ لا يتجاوز 60 أو 70 درهما، أما البعض الآخر من الزبناء، فيستغل حاجتها ليضاعف لها الأجر، من أجل أن تشبع رغباته الجنسية، وتطفأ شعلة مكبوتاثه.
نساء على الهامش، أجبرتهن الظروف على الجلوس في قارعة الطريق "لعلى وعسى يحن ربي"، ينتظرن من يعتق رقابهن من وحش المصاريف ومسؤوليات مزدوجة، رعاية البيت من جهة، والبحث عن رزق لا يعول عليه حتى لتغطية أبسط المتطلبات. لكل واحدة منهن حكاية شبيهة برواية درامية بكل المقاييس.
عزيزة امرأة في الأربعينيات، ترتدي جلبابا قديما، وتلتحف منديلا صغيرا، أم لابن متزوج، تسكن بأحد الأحياء الفقيرة، تقول "خرجت للعمل كصبانة بعد وفاة زوجي، منذ أزيد من 20 سنة، وأعيش وحدي في بيت يتكون من غرفة واحدة، أستأجره بخمسمائة درهم للشهر، عملت في البداية بمجموعة من المقاهي، لكنني لم أتمكن من توفير المبلغ اللازم للكراء ومصاريف الكهرباء والماء، إذ كنت أتقاضى مائتي درهم أسبوعيا"، وتضيف أن هذه المهنة متعبة وشاقة جدا "مرة تنطيحوا في اولاد الناس كيحنو فينا، أو مرة كنطيحوا في شي وحدين كيستغلونا على زوج فرانك".
أما بخصوص أجرتها فهي لا تتعدى 50 أو 70 درهما، وأكدت أنها لا تستقر في مكان محدد، بسبب دوريات الشرطة، التي تقدم من حين لآخر حملات تمشيطية في المنطقة، إذ أن بعض النساء يضعن هذه المهنة كحجاب يتخفين وراءه لالتقاط زبناء استثنائيين، دون إدراك من الآخرين، كما تجد هؤلاء النساء، في هذه العملية، حماية لهن من أعين الشرطة، وتوفر لهن بعض النقود يصرفن بها على أنفسهن دون مبالاة أو أي اعتبار لأي أحد".
بعد حديثها إلى "المغربية" عادت عزيزة لتجلس على الرصيف، فيما صديقتها مليكة كانت منشغلة بالحديث مع رفيقتها في العمل.
هي امرأة في عقدها الخامس، أم لسبعة أبناء، تقطن بأحد الأحياء الشعبية، وتستأجر بيتا تدفع لصاحبه سومة كرائية شهرية تبلغ ثمانمائة درهم، تقول إنها مجبرة على اللجوء إلى هذا المكان، لإعانة زوجها العاطل عن العمل، من جهة، ومن جهة ثانية لتغطية مصاريف أبنائها السبعة، تحكي بصوت يمتزج برنة الحزن والأسف على مآلها، "آتي إلى هذا (الموقف) بشكل يومي منذ الساعات الأولى من الصباح، نهار كيجيب الله ونهار مكايجيبش". 17 سنة قضتها وهي تتردد على هذا المكان، وأوضحت أن الأجر الذي تتقاضاه لا يجاوز الخمسين درهما، إلا في بعض الحالات الاستثنائية، إذ تصل الأجرة إلى 100 درهم.
المحظوظات منهن من تشتغل ليوم واحد أو يومين في الأسبوع، أما عاثرات الحظ، قد يظللن عاطلات عن العمل لمدة تتجاوز 10 أيام، ويرجع السبب إلى ضعف الطلب، الذي يقل في الأيام العادية بخلاف المناسبات والأعياد.
بدورها قالت فاطمة بنبرة غاضبة بدت واضحة على محياها، إن "بعض النساء لسن في حاجة إلى المال، لكنهن يترددن على هذا الفضاء باستمرار، لأشياء أخرى، فيقطعن رزق نساء فقيرات لا حول لهن ولا قوة".
رغم الترسانة القانونية التي تحمي عددا من حقوق المرأة في العديد من مجالات الحياة الاجتماعية، إلا أن أوضاع الخادمات مازالت لم تخضع للتقنين، والتنظيم، ما يجعلهن عرضة لأبشع المعاملات غير الإنسانية، وغير الأخلاقية، رغم أن وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، تفرد مقالات للحديث عن هذه الفئة ومعاناتها سلوكات أصحاب البيت.
رغم أن آلة غسيل الملابس حلت محل "الصبانة"، وقدمت حلولا بديلة تفي بالغرض، إلا أن فكرة الاستغناء عن الصبانة غير واردة بالنسبة لبعض الأسر، التي تقضي معظم أوقاتها في العمل، وتحتاج لقضاء بعض المهام المستعجلة، أو المستعصية، التي تصبح سهلة بوجود "الصبانة" الأمينة، التي تخلص "مولات الدار" من هموم الغسيل.