"طالبين التسليم آسي لفقيه"هذه قولة يرددها عدد من المغاربة، يطرقون باب الشعوذة لحل مشاكلهم، ووضع حد لمعاناتهم، يعتقدون أنها مفتاح الباب المسدود، الذي يكشف المستور، ويوجه إلى الطريق الصحيح، لتحقيق رغباتهم.
ويرى المحللون الاجتماعيون أن الشعوذة تستشري بين عدد من المواطنين، ضاقوا ذرعا من مشاكل الحياة، واستعصى عليهم حلها فاتجهوا للمشعوذين، رغم تحقيق قفزة نوعية، شملت مجالات عدة اقتصادية، وسياسية، واجتماعية، غير أنها لم تمس الموروث الفكري والثقافي الشعبي عند البعض.
ويرجع البعض تنامي هذه الظاهرة إلى الفقر، بحيث يلجأ بعض الفقراء إلى المشعوذين من أجل تحقيق بعض رغباتهم بواسطة "حرز القبول" يفتح أمامهم أبواب الرزق. وبالإضافة إلى الفقر، هناك عدم النضج، والهروب من المسؤوليات، فبعض الأشخاص يلعبون دور الضحايا، وإسناد أسباب الفشل إلى قوى خفية. ورغم أن ديانة المجتمع المغربي هي الإسلام، إلا أن هذا المجتمع يعرف وجود ممارسات بعيدة عن تعاليم الدين الإسلامي، خاصة منها طلب قضاء حاجيات بزيارة "السادات" أو أضرحة الأولياء الصالحين. ويشير غالبية الناس إلى ذكر السحر في القرآن وفي جميع الأديان , متناسين النهي عنه.
وتعتبر الفئة النسوية الأكثر تعاطيا لهذه الظاهرة، بذريعة "الإبقاء على الزوج، وجمع الشمل،
وبالنسبة لبعض الرجال للمحافظة على مكانتهم السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية".
ويوجد من بين النساء من تلجأ إلى الشعوذة خوفا لتخلي الزوج عنها والارتباط بامرأة أخرى، أو بحثا عن علاج لمرض استعصى الطب الحديث علاجه، مثل الأمراض النفسية، والعضوية، مثل العقم، وبعض الأمراض الجلدية.
وترفض شريحة من المغاربة اللجوء إلى "الخرافات والغيبيات" لحل مشاكل مستعصية، لأن المواجهة والحوار يحلان جميع المشاكل، كما أن الطب الحديث يشفي العديد من الأمراض التي كانت تشكل في الماضي خطرا على حياة الإنسان.
وتنظر هذه الشريحة إلى الظاهرة على أنها غير عادية، نظرا لإقبال عدد هائل من الناس على طرق باب المشعوذ، إذ تقول عائشة، التي تجاوز عمرها 60 سنة، عن السحر والشعوذة "الله يحفظنا من السحور التسليم أرجال البلاد" وأخذت تردد آيات قرآنية، وهي مرعوبة من أن تسمعها قوى خفية، يزعم أنها تتحكم في مصير الإنسان، ثم راحت تتلعثم "بسم الله الرحمان الرحيم". وفي السياق ذاته تقول فاطمة، ربة بيت، في مقتبل العمر وذات تلعيم متوسط، إن الشعوذة موجودة، ولها مفعول في حل بعض المشاكل، حسب تجارب عدد من المواطنين، وأن السحر ممارسة علم قائم بذاته، "ما كايفك السحور غير السحور بحالو داك الشي ما كاينفع معاه حتى شي طبيب" .
وأفضل من يمكن استفسارهم حول الموضوع هم الدجالون أنفسهم، الذين يوجدون بجميع المناطق المغربية، ويتمركزون في الأحياء الشعبية, كما يوجدون بأحياء راقية، ويتعاملون بأجهزة حديثة، ولا يمكن مقابلتهم، إلا عبر موعد مسبق عن طريق الهاتف، أو عبر الأنترنت، تقول )ف.س(، وهي مشعوذة ذات صيت واسع بالدارالبيضاء :"هذه البركة ورثتها عن أجدادي، وأستخدمها لأساعد المغلوبين على أمرهم".
وفي ما يخص الخدمات التي تقدمها، تقول (ف.س) بطلاقة" "الجواد الي معايا كايفكو النحس وكايبعدو الحسد وكايحايدو السحور الخايب"، وأضافت لائحة طويلة من الخدمات، التي تستطيع تقديمها للزبناء بواسطة "الجواد"، ومجموعة من الطقوس الغريبة، وطلاسم سحرية مخيفة تجري العادة باستخدامها عند قراءة طالع الزبناء.
لا يمكن القول إن هذا الإقبال من طرف مختلف الفئات يترتبط أساسا بالمستوى الثقافي والاجتماعي أو حتى المادي , لأن الأمر يتعلق، حسب المحللين الاجتماعيين، بقلة الوعي الذي تحجبه الثقة العمياء في السحرة والمشعوذين، الذين باتوا يعتقدون أنهم "يعلمون بالغيب, وقادرون على تحقيق كل ما خاب زبناؤهم في الوصول إليه، وأصبحوا في الدعاية لنشاطهم تجار أغنياء، وبالإضافة إلى أنهم مشعوذون، فقد احترفوا مهنة التطبيب النفسي، بحيث يعالجون انفصام الشخصية بالضرب المبرح، الذي يؤدي أحيانا إلى الموت".
ويستغل مجموعة من المحتالين صفة "الفقيه" للنصب على الفئات غير الواعية ، ويغذي هذا المجال وفرة محلات ودكاكين العطارين والعشابين الذين يبدعون في إعداد وصفات سحرية حسب الطلب.
ولا يمكن عزل العرافة أو "الشوافة" عن منظومة ثقافة شعبية متكاملة يدخل في إطارها العطار, والزبون، والفقيه ووسيطه، ما يجعلها اجتماعيا في مستوى طبيب نفسي شعبي بأقل تكلفة. ويتمحور اختصاصها بالأساس في كشف النزاعات القائمة بين الزوج والزوجة، وكذا بين الزملاء في العمل، والشركاء في الحرف، كما يمكنها أن تحلل بعض العلاقات القائمة بين الجيران، والشباب، وحتى أرباب بعض الشركات بمستخدميهم.