وجهت جمعية "الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان"، المغربية، وهي منظمة غير حكومية، مذكرة إلى إيريك كولدشتين، مدير البحوث بقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش).
تتضمن ملاحظات حول تقرير المنظمة الدولية غير الحكومية، بشأن حقوق الإنسان في الصحراء المغربية، والحريات العامة. وقالت خديجة مروازي، الأمينة العامة للجمعية، إن المذكرة جاءت في سياق المهام، التي تطلع بها الجمعية، وهي مراقبة وتتبع التقارير الوطنية والدولية، التي تعنى بحقوق الإنسان في المغرب، إلى جانب مهام الرصد والتتبع الميداني، وأضافت مروازي في اتصال مع "المغربية" أن الهدف من المذكرة هو إنارة الطريق لأي عمل حقوقي من أجل أن تظل التقارير وفية للهدف من إحداثها، وأن تنهض بالدور المنوط بها أولا وأخيرا، وهو الدفاع عن حقوق الإنسان، وحمايتها، وتعزيز مكتسباتها كلما تحقق ذلك.
وتضمنت المذكرة باستغراب ملاحظات بشأن الطريقة التي أجرت بها هيومن رايتس ووتش المقارنة بين وضعية حقوق الإنسان في الصحراء بالمغرب وفي المخيمات، التي تسيطر عليها جبهة البوليساريو، فوق التراب الجزائري، كما استغربت جمعية الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان، تجاهل هيومن رايتس ووتش، دور منظمات حقوقية مغربية واهتمامها بأوضاع حقوق الإنسان في الصحراء بالمغرب، وهو ما لا يوجد أصلا في مخيمات تندوف، وجاء في المذكرة " إننا لا نعرف أين يصنف التقرير عمل منظمات حقوق الإنسان بالمغرب في فضح تلك الانتهاكات منذ 20 عاما، وعملها الدؤوب للكشف عن عشرات المختطفين والمعتقلين الصحراويين بمعتقلات نظامية أو غير نظامية بالمغرب كما هو الشأن بأكدز وقلعة مكونة".
وأضاف تقرير جمعية الوسيط، أن "مجهودات جمعية هيئات المحامين، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ومنتدى الحقيقة والإنصاف في مرحلة لاحقة، موثقة وموجودة، كما أن الكثير من الخطوات المنجزة اليوم ضمن مسار إيجاد الحلول المنصفة لتلك الملفات، تعكس أيضا التفاعل مابين إرادة الدولة وهذه المنظمات ذات الصلة". إضافة إلى ور الصحافة الوطنية في فضح ومواكبة مختلف التجاوزات التي قد يتعرض إليها سكان الصحراء بسبب أفكارهم، أو انتماءاتهمن وهو الأمر الذي لا وجود له في المخيمات الصحراوية. وفي ما يلي نص المذكرة:
انطلاقا مما للمنظمات الدولية والمحلية غير الحكومية من دور فعال في النهوض بحقوق الإنسان وحمايتها، وانطلاقا مما راكمته تلك المنظمات من رصيد محترم، في مجال فضح انتهاكات حقوق الإنسان،عبر آلية التقارير، فإن المغرب لم يشكل استثناء عن تلك القاعدة، حيث خصصت المنظمات الدولية، تقارير خاصة وموضوعاتية بخصوص ما عرفه من انتهاكات وتجاوزات.
وإذا كان تعاطيه مع تلك التقارير اتسم خلال السنوات الأولى من صدورها، بتموقعه في البداية في موقع الدفاع، والتبرير، فإن بداية التسعينيات، قد سجلت منعطفا على هذا المستوى، حين وضع المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، في اجتماعه الأول مباشرة بعد تأسيسه، على جدول أعماله، تقرير منظمة العفو الدولية بخصوص لوائح المعتقلين والمختطفين بالمغرب، وما ترتب عن ذلك من إحداث لجن عمل بخصوص أوضاع السجون، أو ذات صلة بدراسة الوضع أثناء الحراسة النظرية، كما ستتلوها مباشرة بعد ذلك، عدة خطوات تهم إطلاق سراح المعتقلين في علاقة بأحداث سياسية، والإفراج عن المختطفين وعودة المغتربين...
ومن هذا المنطلق يتأتى حرصنا على مناقشة تقريركم وتقديم بعضا من ملاحظاتنا بخصوص مضامينه.
ملاحظات الوسيط من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان
قدم التقرير خطته المنهجية على أساس مقارن لأوضاع حقوق الإنسان في الصحراء وبمخيمات تندوف، وقد جعل التقرير من ممارسة الحريات العامة، ومعايير المحاكمة العادلة موضوعا للرصد والمقارنة، وهو ما يتطلب وصفا لوضعيتهما هنا بالصحراء وهناك بمخيمات تندوف.
أ - على مستوى الصحراء بالمغرب
1- بخصوص المحاكمة العادلة:
قدم التقرير نماذج من المحاكمات، التي استنتج من خلالها انتفاء شروط المحاكمة العادلة، مستندا في ذلك على ما يلي:
- اعتماد محاضر الشرطة القضائية كأدلة، ورفض المحكمة طلبات المدعى عليهم بإجراء الخبرة الطبية للتحقق في ما يدل على حدوث التعذيب أو غيره من الإساءات، إضافة إلى عدم الموافقة على طلبات الدفاع، بدعوة شهود النفي حين يوجدون.
وانطلاقا من هذه القرائن المدرجة، يستنتج المقرر بأن نظام العدالة بالمغرب لا يوفر للمواطنين في الصحراء محاكمات عادلة. غير أن هذا الاستنتاج يتطلب مستوى مقارن آخر، في علاقة بكيف يمارس نظام العدالة في مناطق أخرى من المغرب، ولأن هذا النظام رغم المكتسبات الحاصلة على مستوى إصلاح القوانين ذات الصلة ، بتغييرها أو ملاءمتها، فإن الخصاص ما يزال مطروحا على هذا المستوى، وما يزال أيضا مطروحا وبحدة على مستوى الإعمال. وتظلمات مواطنين من شمال وشرق وغرب المغرب لدى المنظمات الحقوقية والمؤسسات ذات الصلة بخصوص القرائن نفسها، دالة سواء من خلال غياب أحد أو بعض مبادئ المحاكمة العادلة، وهو ما يجعل استنتاجا من هذا القبيل يحاول أن يختزل ويحصر هذا الخصاص على مستوى نظام العدالة مرتبطا بالصحراء فقط، يعني الإدعاء بأن نظام العدالة بالمغرب تمييزي اتجاه المواطنين من أصل صحراوي، وهو ما يبدو هشا ولا يصمد أمام المشاكل التي يعانيها نظام العدالة بالمغرب عامة، التي تتفق حوله التشخيصات عبر تقارير دولية ووطنية، وتكثف بصدده المناشدات والخطط من أجل التدخل لإصلاحه.
من هذا المنطلق وكما يبدو الاستنتاج غير مؤسس، تبدو التوصية المرتبطة بذلك مسقطة بشكل تعسفي، وهو ما قد يفسر لماذا جرى استبعاد مقارنة نظام العدالة بالصحراء في علاقة بباقي مناطق المغرب. لأن مثل هذا الاستنتاج لا يتأسس إلا على هذه المقارنة، وبالتالي في حالة حدوت ذلك فالتوصية، التي كانت ستترتب عن ذلك، ستتجه نحو تسريع وتيرة إصلاح نظام العدالة، بدءا بإصلاح مؤسسة قضاء التحقيق، فقاضي التحقيق، انطلاقا من الحالات التي أدرجها التقرير، بدل أن يبحث ويقابل ويواجه ويستمع ويتحرى، فإنه لا يقوم سوى بإيصال محاضر الضابطة القضائية إلى المحكمة. وهو مشكل نفسه لمؤسسة قضاء التحقيق بالمغرب عامة.
من جهة أخرى، ومن خلال الحالات المدرجة، تطرح الحالة الواردة في صفحة 43 من التقرير، التي جرت أطوار المحاكمة بشأنها خلا سنة 2008، إشكالا في سياق الحالات المستدل بها على انتفاء المحاكمة العادلة، ولأن التقرير نفسه وقف على توفر ضمانات المحاكمة العادلة، فإن الاستنتاج بخصوصها انزاح تكثيف الجهود من مناقشة تلك الضمانات إلى مناقشة صك الاتهام، من منطلق أن المتهم بجنحة العنف اتجاه مواطنة، هو أحد "النشطاء الصحراويين". لذلك حسب التقرير، وجب التشكيك في نوايا المتابعة، دون أن يلجأ التقرير إلى الاستماع إلى الضحية كطرف مورس عليها العنف موضوع المتابعة.
2- بخصوص الحريات العامة:
يقدم التقرير جردا للمضايقات المتصلة بممارسة الحق في التعبير والتجمع، وتكوين الجمعيات بمنطقة الصحراء بالمغرب، ويحيل في ذلك على ما يلي:
- ما يتعرض إليه حق التظاهر من منع، وما تلاقيه الجمعيات من صعوبات تصل حد حل بعضها أو منع البعض الأخر، غير أن التقرير، وهو يقوم بالرصد على هذا المستوى، يطرح مبررات التدخل أو المنع من خلال ما يلي:
- لجوء المتظاهرين إلى العنف خلال ممارستهم للحق في التظاهر.
- تجاوز فرع لجمعية غير حكومية، للقانون التأسيسي للجمعية الأم (حالة المنتدى).
وكان حريا بالتقرير أن ينفذ بخصوص الحالات، التي أدرجها للتدليل على ما سجله من مس بالحق في التظاهر إلى التمايزات الحاصلة ما بين المظاهرة والتجمهر، على مستوى القانون المنظم للحريات العامة،
إن التقرير وهو يسوق كون "القانون المغربي الخاص بالتجمعات العمومية، لا يتطلب الحصول على تصريح مسبق من أجل تنظيم مظاهرة في المساحات العامة"، لا يحيل على القانون ذي الصلة، كما جرى تغييره وتتميمه، وصدر الأمر بتنفيذه بموجب ظهير 200- 02- 1 بتاريخ 23 يوليوز 2002، وهو ما عنونه المشرع بـ "في المظاهرات بالطرق العمومية".
وبناء عليه، فإنه ولكي يجوز نعت أي تجمع بمقتضيات المظاهرة، فلابد من توفر عناصر قانونية، وغياب أحدها حسب المشرع ينزع عن المظاهرة، الوصف والتكييف القانوني. وتتحدد تلك العناصر في:
أولا: التنظيم، وهو عنصر خاص إذا غاب تحولت المظاهرة إلى تجمهر، وهو تجمع يقترن بالعفوية والاندفاع، وانعدام التنظيم، فمعيار الإعداد والتهييء، هو المميز للمظاهرة كالمداولة حول نقطة الانطلاق والتفكك والطرق التي سيجري المرور منها، واليوم والساعة والشعارات وما إلى ذلك من انشغالات الجهة المنظمة.
ثانيا : التصريح المسبق إلى السلطة الإدارية المحلية، وهو إجراء ضروري، بدونه تصير المظاهرة، حشدا، أو تجمعا أو تجمهرا، والغاية منه حسب المشرع هو" إخبار السلطة الإدارية المحلية المكلفة بحفظ النظام حتى تتخذ جميع الترتيبات الأمنية لضمان ممارسة هذه الحرية العامة" ويسلم التصريح إلى السلطة المحلية ثلاثة أيام كاملة على الأقل، وخمسة عشر يوما على الأكثر قبل تاريخ المظاهرة.
إضافة إلى ذلك يتحدد المنطلق الفكري، الذي ينبني عليه التقرير في توصيف تلك التجاوزات ومناقشتها من منطلق التضييق على الحريات، بينما نسبة التظاهر وحجم تزايد الجمعيات يعكس أن الإشكالات، التي يعيشها المغرب اليوم سواء بمدينة لعيون أو بالرباط أو سيدي افني أو صفرو...هي ذات طبيعة مختلفة فعلا، لأنها تتصل بتوسيع هامش الحريات، وما يترتب عن ذلك من تحديات جديدة في تدبير الاحتجاجات في علاقة بالفضاء العام، وهو تحدي مطروح في ذات الوقت على السلطات العمومية كما هو مطروح بالدرجة نفسها على الموطنين وتعبيراتهم المختلفة في مختلف هذه المناطق.
إن مشاكل اليوم، تطرح تحديات جديدة تواجه مجال حرية التعبير، كما تواجه تأسيس الجمعيات والحق في التظاهر، وهي تحديات تتطلب صياغة أسئلة جديدة، ومقاربات متجددة من قبيل التساؤل مثلا بخصوص مدى شرعية دعوة جمعية لجميع المواطنين(الشعب) للتظاهر، بينما الجمعية لا تؤطر إلا أعضاءها في أقصى الحالات، وكيف ينبغي التعاطي مع هذا الواقع كلما انزاح الموقف إلى العنف وتضاربت مصالح المواطنين (الذين يستعملون الشارع العام للمرور أو الكسب... وبين من يتظاهرون فيه).
في مستوى ثالث يوفر القانون سبل الانتصاف في حالة المنع سواء بالنسبة للحق في التظاهر، أو في تأسيس الجمعيات، غير أن السؤال المطروح هنا لماذا لا يلجأ الفاعلون إلى القانون واستنفاد سبله، كما وقع مع الجمعية المشار إليها في التقرير، التي حكمت المحكمة الإدارية لها بوصل التأسيس، (صفحة...) بعدما منعتها السلطات المحلية بمدينة العيون.
ب - على مستوى مخيمات تندوف بالجزائر
حاول التقرير(في صفحة 90) في سياق حديثه عن فضح بعض المنظمات لانتهاكات حقوق الإنسان المرتكبة بتند وف، أن يربطها بالجهات الرسمية بالمغرب، عوض أن يقف عند ما تقدمه تلك المنظمات من وقائع وشهادات، وليستنتج التقرير على عجل، التمييز بين تعاطي الدولة مع هذه الجمعيات، مقابل تجاهلها للمنظمات، التي تفضح الانتهاكات المرتكبة من طرف السلطات المغربية. غير أننا لا نعرف أين يصنف التقرير عمل منظمات حقوق الإنسان بالمغرب في فضح تلك الانتهاكات منذ 20 عاما، وعملها الدؤوب للكشف عن عشرات المختطفين والمعتقلين الصحراويين بمعتقلات نظامية أو غير نظامية بالمغرب كما هو الشأن بأكدز وقلعة مكونة.
إن مجهودات جمعية هيئات المحامين، والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان، ومنتدى الحقيقة والإنصاف في مرحلة لاحقة، موثقة وموجودة، كما أن الكثير من الخطوات المنجزة اليوم ضمن مسار إيجاد الحلول المنصفة لتلك الملفات، تعكس أيضا التفاعل مابين إرادة الدولة وهذه المنظمات ذات الصلة.
بموازاة ذلك هناك الانخراط المستمر للصحافة المغربية في الفضح والمواكبة لمختلف التجاوزات التي قد يتعرض إليها الفاعلون بالصحراء بسبب أفكارهم، أو انتماءاتهم.
- في مستوى ثان وفي إطار مقارن بخصوص نظام العدالة من خلال رصد مجريات المحاكمات، يتحدث التقرير عن اعتقالات هناك بتند وف على خلفية أحدات 2006، حيث أدانت محاكم البوليساريو 14 مشاركا في المظاهرة الاحتجاجية.
ليستخلص التقرير مباشرة ما يلي:
"وانتهت أبحاث هيومن رايتش ووتشن إلى أن مصادمات 2006، هذه كانت واقعة منعزلة، وأنه لم تقع أي خسائر، أو إصابات جسيمة، وأنها لا تمثل نسقا لقسوة الشرطة، أو لقمع المتظاهرين..." ص 93.
غير أن التقرير لا يقدم كيف جرى ترجيح هذه القناعة، فعدم إدراج أي معطيات بخصوص تلك المحاكمات بتندوف، لا يوفر أساسا للحكم على طبيعة نظام العدالة هناك، بينما يفترض اتباع نفس المقاربة ، في الكشف عن أسماء المعتقلين الأربعة عشر، ومساءلة محاكماتهم بالمعايير نفسها المحاكمة العادلة نفسها، التي ستحيل أيضا على ممارسة الحق في التعبير والتظاهر وتأسيس الجمعيات، وليس الاكتفاء برصد هذا الحق فقط على مستوى القوانين.