يشتكي المتقاعدون من غياب أندية لممارسة هواياتهم وتجديد نشاطهم، بعد أن أفنوا زهرة شبابهم في الشغل، وفي مواجهة مختلف المتاعب، والسهر على تربية الأبناء وتكوينهم، أصبحوا يمضون الوقت في الكارطا والضاما والمشادات الكلامية.
فبعد أن يكون العامل أو الموظف يترقب فترة التقاعد بشوق كبير، لأنه ينتقل من الانشغال الكلي بأمور ومشاكل العمل والأبناء إلى التفرغ التام لشخصه، يصطدم بواقع مرير ومحبط.
المغربية حاولت أن تنتزع شهادات من أفواه مجموعة من المتقاعدين، حتى تقف مع القارئ على التغيرات التي طرأت على حياتهم، نتيجة توقفهم عن العمل.
وحسب بعض المحللين أن الإحالة على التقاعد تمثل لأغلبية المتقاعدين مرحلة كئيبة يملؤها الألم والشعور بأن دورهم في الحياة قد توقف عند توقفهم عن الشغل، في حين يرى البعض الآخر أنها تيار جارف نحو الأزمات الصحية والنفسية، لكن السبب الرئيسي حسب المحللين أنفسهم يكمن في سوء التخطيط وكيفية التعامل مع فترة التقاعد وكيفية الاحتفاظ على الحركة والنشاط نفسيهما اللذين كان يتمتع بهما المعني قبل تقاعده.
أما الحاج الغالي ، فله نمط حياة آخر مختلف عن سابقيه في مسار التقاعد، وبدا في حديثه إلى "المغربية" وكأنه استسلم للقدر "لابد أن نصل إلى هذه المرحلة من العمر مهما طال الزمن، لأنها سنة من سنن الحياة، ولا بد من المرور منها في يوم من الأيام، المسألة تتمثل في أن يحسن الإنسان التكيف معها" وأبرز أن أغلبية المغاربة "لا يعرفون كيف يعيشون حياة التقاعد".
وعن تجربته يضيف أنه "يقضي معظم أوقاته مع عائلته وأصدقائه، ويساعد ابنه في ورشة الميكانيكا، لأنه كان في الأصل ميكانيكي بإحدى الشركات التي كان يعمل بها"
يتخذ الغالي من المشي رياضته المفضل، خصوصا في الصباح الباكر، ثم يتوجه إلى السوق للتبضع، بعدها يتفقد أصدقاءه في الدرب، لان أغلبهم يشكي من مرض معين، وأثناء العطل يسافر مع أسرتهم للاستمتاع بالطبيعية، إما للبادية أو أي منطقة أخرى من مناطق المغرب الخلابة.
لم يعان الغالي أي تغيير في نمط حياته بعد حصوله على التقاعد، فهو يعيش حياة بسيطة ونشيطة، لاسيما أنه صاحب نكتة ودم خفيف، ويقول في هذا الصدد "إنه أصبح يستمتع بالجلوس الوقت الكافي مع أسرته وأصدقائه، على عكس الماضي، إذ كان يقضى طوال اليوم في الشركة ".
قال حسن أوعلي (66سنة) لـ" المغربية" إنه كان يشتغل بمعمل للحديد لمدة 40 سنة، يقصد المعمل كل صباح ويعود في المساء إلى البيت، لكي يرعى شؤون أسرته، وبعدما توقف عن الشغل، ما لبث أن أصبح يشعر بالقلق ويغضب بسرعة لأقل سبب، وينتابه دائما إحساس بأن شيئا ما ينقصه، مضيفا "أشتاق للمصنع ولضوضائه وللآلات الحديدية وللزملاء، لأن المصنع كان جزءا من حياتي".
يقول هذا المتقاعد إنه يشعر بالوحدة، فكل أبنائه كبروا وغادروا البيت ولم يعد يراهم إلا مرة في الأسبوع، نظرا لانشغالهم بأمورهم الخاصة, مشيرا إلى انه يقضي الصباح بالبيت، ومنتصف النهار، يذهب ليلتقي برفاقه الجدد من المتقاعدين بالمقهى المجاور لبيته.
وجاء على لسان بعض المتقاعدين المتذمرين من الوضع أنه من المؤسف جدا أن يتخذوا من الحدائق العمومية مكانا للتقاء مع بعضهم البعض، لكي يمارسوا هوايتهم المفضلة "الكارطا" وهي لعبة الورق، ومن بينهم محمد الخماري (67 سنة)، الذي التقته المغربية بالحديقة العمومية بدرب السلطان، حيث يلعب مع أصدقائه "ضامة" وهي لعبة شعبية شبيهة بالشطرنج، من أجل التسلية وقتل الوقت، هذا ينسيه حسب قوله، بعض المتاعب والمرض لأنه مصاب بمرض السكري ويحتاج للترويح عن نفسه.
أما ابا العربي (64 سنة)، فيعتبر نفسه من المتقاعدين المحظوظين لأنه حسب تصريحه لـ"المغربية" استطاع أن يتغلب على الإحساس بالفراغ، بالاشتغال سائقا لسيارة أجرة، لأنه كان في السابق سائقا بشركة للنسيج. مضيفا أن عمله الجديد مكنه من اكتساب أصدقاء جدد يشاطرهم الحديث، وفي المساء يجتمع مع أبنائه وأحفاده، فضلا عن كونه يلتقي بسائقي الطاكسيات باستمرار حتى يكون على علم بكل المستجدات، وهو بذلك لا يعير أي اهتمام لمسألة وقت الفراغ الناجم عن التقاعد، لأنه مازال يتمتع بصحة جيدة.