أبو حفص يتهم الصحافة بخلق السلفية الجهادية

الإثنين 16 مارس 2009 - 20:01
استقدام المتهمين إلى غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء (أيس بريس)

أجلت غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدارالبيضاء، مساء الجمعة الماضي، الاستماع إلى شهود الإثبات في قضية حسن الكتاني وعبد الوهاب الرفيقي، المتابعين في ملف ما يعرف بـ"شيوخ السلفية"، إلى الجمعة المقبل.

وشهدت جلسة الجمعة، التي قسمت إلى جلستين، جلسة صباحية وجلسة مسائية، تطورات مثيرة، إذ استمعت هيئة الحكم في البداية إلى تصريحات المتهم عبد الوهاب الرفيقي، بعدما أخرت الاستماع له في جلسة سابقة، بسبب غياب دفاعه.

ونفى الرفيقي، الملقب بـ"أبو حفص"، جميع التهم الموجهة إليه، وأكد لهيئة الحكم أنه "ينبذ العنف واستعماله ضد المسلمين، كما ينبذ استعمال المتفجرات ولا يعترف بتيار السلفية الجهادية"، مشيرا إلى أنه عرف هذا المصطلح بعد دخوله السجن، وعن طريق بعض الصحف، واتهم الأخيرة بأنها من روجت لهذا المصطلح.
وأوضح الرفيقي، الذي حضر إلى جانب حسن الكتاني، وهما في كامل أناقتهما، بلباس تقليدي مغربي، وكان يتحدث بلغة عربية فصيحة، أنه لم يدع يوما الشباب إلى الجهاد في أي بلد من العالم، سواء فلسطين أو أفغانستان، كما نفى أن يكون أعطى دروسا تتحدث عن الجهاد ضد المسلمين، موضحا أنه لم يكفر المجتمع يوما، وأنه كان دوما معارضا لكل أشكال العنف والتكفير.

وفي الجلسة المسائية، التي استمرت من الثانية والنصف بعد الظهر إلى السادسة مساء، شرعت هيئة الحكم في الاستماع إلى شهود الإثبات في هذه القضية، البالغ عددهم 29 شاهدا.

وكان أول الشهود المستمع إليهم، محمد العماري، الانتحاري الذي لم يفجر نفسه بفندق فرح ليلة 16 ماي 2003 بالدارالبيضاء على خلفية الأحداث الإرهابية، وحكم عليه بالإعدام، وما زال ملفه معروضا أمام المجلس الأعلى للقضاء، ومحمد الفيزازي، المصنف كأحد كبار شيوخ السلفية، والمحكوم بـ30 سنة سجنا بتهم من بينها التنظير للفكر التكفيري،

والمعتقل على خلفية الأحداث نفسها، ومحمد أمزيل. وأحضر العماري بلباس تقليدي وعلت ذقنه لحية قصيرة، ووقف أمام هيئة الحكم بكل هدوء، وقال إنه يطعن في المحاكمات التي جرت في 16 ماي، واعتبر أنها "مرت في ظروف مشحونة، وأوضاع سياسية استثنائية"، مضيفا أن "الكتاني وأبو حفص وغيرهما من الشيوخ، لا علاقة لهم بهذه الأحداث، ولم يعتمد المنفذون على دروسهم الدينية أو أفكارهم في مخطط 16 ماي".

وبرأ العماري جميع "شيوخ" السلفية، سواء الكتاني أو أبو حفص أو الفيزازي أو عمر الحدوشي من هجمات 16 ماي الإرهابية، كما برأ جميع المعتقلين في هذه الأحداث.

وقال العماري إن "أخطر ما في هذه الأحداث هم المعتقلون لأنهم جميعا أبرياء، ولا علاقة لهم بالموضوع"، مضيفا أن الانتحاريين الذين نفذوا التفجيرات كانوا 14 فقط، وبقي منهم ثلاثة، رشيد جليل وحسن الطاوسي، إضافة إلى العماري. وزعم ألا أحد من الانتحاريين الـ14 كان يعرف الغاية الحقيقية من التفجيرات، وقال "اجتمعنا وخططنا، لكن لا أحد منا كان يعرف شيئا، وما هو السبب وراء تنفيذها، ومن المدبر لذلك المخطط".

وزاد قائلا إن "من كان يعلم بكل شيء، هو أمير الجماعة عبد الفتاح بوليقضان، الذي توفي في تفجيرات الدارالبيضاء، وأخذ سره معه، وكان العنصر الأساسي الذي كان يترأسهم، ويرتب لقاءاتهم، ويخطط لهم، ويزودهم بالتعليمات، بمساعدة محمد مهني، الذي توفي بدوره في التفجيرات، ورغم أن الاجتماعات كانت تجري في بيته بحي المسيرة بالبيضاء، إلا أنه لم يكن يعرف إلا البعض من أعضاء المجموعة، بل لم يتعرفوا على بعضهم إلا في ذلك اليوم، ولم يكونوا يعرفون ماذا ستفعله كل مجموعة من المجموعات الخمس، التي قسمها الأمير عبد الفتاح".

وعن سؤال لهيئة الحكم حول الجهاد، أكد العماري أنه يؤيد "الجهاد والقتال في سبيل القضية الفلسطينية داخل فلسطين، ويدعو جميع الشباب للقتال الضد الصهاينة".

كما أكد العماري أنه ومن خطط معه للأحداث لم يتأثروا بدروس الكتاني أو أبو حفص أو غيرهما من "الشيوخ"، ولم ينظروا لهم، وبرأهم مما جاء في المحاضر، معتبرا أن أقوالهم وتصريحاتهم، التي دونت بمحاضر الشرطة القضائية وقاضي التحقيق، "انتزعت منهم بالقوة وتحت التهديد والتعذيب".

وكرر العماري على مسامع هيئة الحكم تفاصيل العمليات الانتحارية، التي أودت بحياة 45 شخصا وإصابة أكثر من مائة آخرين بجروح، واستهدفت خمسة مواقع بالبيضاء في 16 ماي 2003، معترفا بمشاركته في الهجوم على فندق فرح، "تحت الضغط والتهديد"، وكشف أن عبد الفتاح بوليقضان، أمير المجموعة، ومساعده محمد المهني، هدداه بالقتل والانتقام من أفراد عائلته إن هو تراجع عن تنفيذ العملية.

وكان العماري يتحدث بهدوء وطلاقة أمام هيئة الحكم، ولم يبد عليه الارتباك، وكان ينصت جيدا لأسئلة القاضي، الذي أكد له في البداية أنه يحضر إلى المحاكمة كشاهد في قضية "الشيخين" وليس كمتهم، وأن له كامل الحرية في الإدلاء بشهادته والجواب عن الأسئلة، لكن العماري كان يبتعد أحيانا عن أسئلة القاضي، ويبدأ في الحديث عن ظروف اعتقاله وأوضاعه داخل السجن، وكان القاضي يوقفه بأسئلة جديدة، تصب في موضوع القضية.

أما محمد الفيزازي، الذي حضر، بدوره، بلباس تقليدي ويطلق لحيته، وكان بصحة جيدة، وتحدث بطلاقة وبلغة عربية فصيحة، وأحيانا بأسلوب هزلي أثناء مثوله للشهادة أمام هيئة الحكم، فأكد أن "الشيوخ" الأربعة لا علاقة لهم بأحداث 16 ماي الإرهابية، "ولا علاقة لهم بالإرهاب أو بالمخططات الجهنمية".

وفي رد على سؤال هيئة الحكم حول موقفه من أحداث 16 ماي، رد الفيزازي أن موقفه "هو التنديد بها ولا أقبلها لبلدي. إننا نقولها للتاريخ، بأنه لا علاقة لنا بهذه الأحداث، التي رفضناها، وما زلنا نرفضها لحد اليوم".
وعن تيار "السلفية الجهادية"، رد الفيزازي "لست سلفيا جهاديا، ولست أدري من ساهم في إطلاق هذه التسمية، إنني أنبذ العنف، والانتحار، والاعتداء على الأبرياء، من المسلمين وغير المسلمين".

وحين سأله القاضي عن الجهاد، قال الفيزازي "نحن أهل علم، ونعتقد أن اليد الفاعلة هي السلطة القائمة في البلد".

وانتقد الفيزازي جريدة وطنية، غطت أحداث 16 ماي، في جوابه عن سؤال رئيس الجلسة حول رأيه في "السلفية الجهادية"، مشيرا إلى أنها كرست هذا المصطلح، الذي "سمع به داخل السجن"، وأن "ما كان ينشر بالجريدة أثر بشكل سيء على مجرى المحاكمات".

وتوجه الفيزازي بالسؤال لهيئة الحكم قائلا "ما ذنبي أنا لتوريطي في هذا الملف باطلا، الذي حرم أبنائي من المعاش، ويقولون إنني أملك عقارا بمدينة طنجة، في حين أني أكتري به شقة بالطابق السفلي؟".

وأضاف أن التهم، التي وجهت سواء للكتاني وأبو حفص أو له أو لغيره من العلماء، "باطلة، والأحكام الصادرة في حقهم قاسية جدا"، معتبرا أن "الجهات المعنية، التي دبرت الملف، بنته على قضية الشيوخ، واعتبرت أن أسباب الأحداث كانت التنظير والاستقطاب الذي كان سببا في ظهور الخلايا الإرهابية وتنفيذها للتفجيرات".

وسأل القاضي الفيزازي عن الميلودي زكريا، "أمير جماعة الصراط المستقيم"، فأكد أنه عرفه بالسجن، قبل أن توافيه المنية، وأنه كان، بدوره، ينكر تزعمه لجماعة "الصراط المستقيم" أو لتيار "السلفية الجهادية".

كما تحدث الفيزازي كثيرا عن معاناته مع ظروف الاعتقال والمحاكمة وحتى الدفاع، مؤكدا أن عددا من المحامين أخذوا منه، ومن باقي المتورطين في أحداث 16 ماي، المال فقط، من دون أن يفعلوا لهم شيئا.

واستمعت هيئة الحكم للمتهم محمد أمزيل، الذي أكد تصريحات العماري والفيزازي.

ووجه القاضي وممثل النيابة العامة مجموعة من الأسئلة للعماري والفيزازي وأمزيل، وكانت هيئة الدفاع تتدخل لطرح بعض الأسئلة على الشهود، كما طلب الكتاني مرات عدة من هيئة الحكم السماح له بالتعقيب على تصريحات الشهود.

وشهدت الجلسة حضورا حاشدا لعائلات المتهمين، الذين ملأوا القاعة رقم 2 بمحكمة الاستئناف عن آخرها، كما عرفت حضورا مكثفا لرجال الأمن، وحراسة أمنية مشددة ولصيقة بشهود الإثبات، الذين أحضروا من السجن، وينتمون إلى جماعة الفرنسي بيير روبير، وجماعة "الصراط المستقيم"، ومجموعة 86. كما كان رجال الأمن يتحققون من هويات أفراد العائلات، ويفتشونهم، قبل دخول القاعة.

ويتابع الكتاني والرفيقي بتهم "تكوين عصابة إجرامية، والمشاركة في جناية المس بسلامة الدولة الداخلية، بارتكاب اعتداءات، الغرض منها إحداث التخريب والتقتيل في منطقة أو أكثر، والمشاركة في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى عاهة مستديمة، والمشاركة في الإيذاء العمدي المؤدي إلى جروح".

وكان المجلس الأعلى بالرباط قرر، في يناير 2008، إلغاء قرار غرفة الجنايات باستئنافية البيضاء، التي أدانت المتهمين بـ20 و30 سنة سجنا نافذا، على إثر الأحداث الإرهابية بالدارالبيضاء في 16 ماي 2003، وأمر بإعادة محاكمتهما أمام الغرفة ذاتها، مع تغيير هيئة الحكم، بعد قبول طلب النقض، المقدم من الدفاع.




تابعونا على فيسبوك