كرابة يتسولون بشوارع وحافلات الدار البيضاء

الخميس 26 فبراير 2009 - 08:45

يعاني "كرابة" الدار البيضاء من تراجع دورهم الذي كان في الماضي يتمثل في خدمة المارة بسقيهم جرعة ماء مقابل دريهمات، وإن قلت فإنها كانت توفر لهم قوت يومهم.

"الكراب" شخصية محبوبة ومعروفة عند كل المغاربة، بزيه المزركش الجميل، كان في الماضي ينعم بإقبال، أما اليوم العوز والمعاناة رفيقي دربه.

تحول الكراب إلى متسول بالشوارع والطرقات وبالحافلات،ومجرد ديكور في الفضاءات العمومية، خاصة وسط المدينة، في انتظار شفقة أو إحسان من المارة أو من السياح، الذين يبهرهم زي الكراب التقليدي، فيطلبون التقاط صور تذكارية له أو معه، مقابل بعض الدريهمات.
هذه المهنة غير مقننة وليست تابعة لأي جهة، فليس للكراب ضمان اجتماعي أو معاش يعيش منه حين يتقدم في السن، فرزقه مرتبط بكرم المحسنين أو السياح. المغربية حاولت أن تقترب أكثر من هذه الشريحة التي أصبحت تعاني من مهنة طالها النسيان والاهمال.

ابا بوشعيب، 70 سنة، يمارس مهنة "الكراب" منذ عقود، بحيث يعتبر من الأوائل، الذين نزحوا إلى الدارالبيضاء وتعاطوا لهذه " المهنة" التي كانت منتعشة آنذاك " ذلك أن زوار مركز المدينة كانوا كثيرين،خاصة في أيام العطل ونهاية الأسبوع، فكان هناك إقبال على خدمات الكراب، الذي يسقي المارة والابتسامة لا تفارق محياه، لكن اليوم، تغير كل شيء، ولم نعد نحظى إلا بالصدقة، حتى أن بعض الكرابة لم يعودوا يحملون ماء في قربهم، ويكتفون بلباسهم التقليدي في نوع من الاستعراض اليومي أمام المارة" يقول ابا بوشعيب، مشيرا إلى أن هناك جملة من المشاكل التي تهدد الكرابة بالانقراض، فهي حرفة غير مقننة، وبالتالي لا ضمان اجتماعي، ولا تغطية صحية ولا تقاعد يتيح إمكانية عيش كريم لهذه الفئة في المجتمع في أرذل العمر.

ورغم قساوة الظروف، ظل ابا بوشعيب وفيا لحرفته، التي تصارع من أجل البقاء. يستيقظ باكرا ويملأ القربة بالماء البارد من السقاية التي توجد بالحي الذي يقطن به، ثم يرتدي بدلته وقبعته المزركشتين، ويحمل قربته المصنوعة من جلد الماعز، وحزامه الذي يعلق عليه كؤوس النحاس التي يحرص على تلميعها كل يوم، لأنها تعتبر مرآة تعكس أصالة الحرفة.

يضيف ابا بوشعيب " القربة كانت مصدر رزقي الوحيد، أكلنا وشربنا منها، إذ كنا نعود إلى البيت، آخر النهار، محملين بحاجيات البيت الأساسية، بل كنا نوفر منها كذلك ما تيسر لنا لنستغله أيام الأزمات". اليوم، تعب ابا بوشعيب ويقول إنه يحتاج للراحة، لكن حاجته للقمة العيش لا تجعله يترك الساحة، التي يقف فيها منذ سنوات، في انتظار من يتصدق عليه، فمهنة " التكرابت" ولت مع الزمن.

وعن زملائه في الحرفة يقول ابا بوشعيب إن بعضهم فارق الحياة والكثير منهم انسحبوا مبكرا منها والباقي ما زالوا مثله تزين بهم الساحات العمومية والفنادق والمطاعم من اجل تأثيث فضائها وإضفاء لمسة المحافظة على الأصالة المغربية.

أغلب " الكرابة" تقدم بهم العمر، في حين لم تعد" التكرابت" تستهوي الشباب، فقط لأنها أصبحت تعتبر تسولا مقنعا، يقول السي علي، كراب بمنطقة درب السلطان: " لم نشتك في الماضي من الوقوف مطولا في الشارع والساحات العمومية، لعرض خدماتنا على المارة. فقد كان الإقبال كبيرا، اليوم أغلبيتنا يتسولون بالحافلات والشوارع " ولعل شهر رمضان أكثر الشهور التي تجعل الكراب يتحول إلى متسول بامتياز.

بعض الكرابة فطنوا إلى أسلوب أكثر إثارة، مثل حال أحمد، الذي يقدم خدمته بحركات بهلوانية تلفت الأنظار، وتسترعي فضول المارة، مرفقة بكلمات طيبة لتشجيع الناس على شرب الماء. قال لـ "المغربية " إنه يرفض أن يمد يده ويتسول ليكون مجرد متسول، لأن أنفته وشخصيته لا تسمحان له بذلك، مشيرا إلى أنه ينتقل من مكان إلى آخر للبحث عن الرزق، مشددا على ان مهنة التكرابت غير منظمة".

وعزت فتيحة، التي التقتها "المغربية" بباب مراكش، وهي تشرب كأس ماء من عند (عبد الله)" الكراب"، أسباب عزوف الناس عن طلب ماء الكراب إلى أن الناس أصبحوا يقبلون على شراء قنينات الماء المعلب من المتاجر، لتجنب الأمراض والعدوى التي يخشون أن تنقل لهم عبر الارتواء من نفس الكأس،مضيفة أن " القنينات المائية أصبحت تنافس الكراب مما تسبب في كساد تجارته (بيع الماء)".

ويبقى الأطفال هم أكثر زبناء الكرابة، الذين ما إن يروا واحدا منهم، أو يسمعون رنين ناقوسه، حتى يركضون نحوه طالبين جرعة ماء تروي ظمأهم، وغالبا ما لايبخل الكراب بها عليهم ولو بدون مقابل.




تابعونا على فيسبوك