الإعلام البيئي رهان التنمية

ورشة عمل لتنمية قدرات الإعلاميين والصحفيين العرب حول المياه والأرض

الجمعة 20 فبراير 2009 - 12:08
المشاركون في الملتقى في صورة تذكارية

أضحى من نافلة القول أن الإعلام البيئي يلعب دورا أساسيا في التحسيس والإرشاد بقضايا البيئة، وقناة توعية الرأي العام، يمكن من الارتقاء بتغيير نمط سلوك الأفراد، وتطبيع عاداتهم نحو البيئة والمجتمع، وكذا التعريف بالإشكالات الكبرى، التي يشهدها كوكبنا الأزرق.

كما أصبح مصطلح البيئة رديفا للإعلام، كما هو الشأن لمصطلحي الماء والأرض، كوجهين لعملة واحدة، عملة الحياة، التي أصبحت مهددة بما كسبت أيدي الناس من ندرة للمياه، واستنزاف مريب للموارد الطبيعية، وما يلي ذلك من الإجهاز على حقوق الجيل اللاحق، وإمكانية وقوع أزمة مائية عالمية، تحدث اختلالا في الأمن الغذائي، وصحة الإنسان، والأمن الاجتماعي والسياسي.

وتحقيقا لرهان التصدي لمعضلة القرن الجاري، واستجابة لرسالة التواصل، بتمرير معطيات المشهد البيئي العربي والعالمي المقلقة للرأي العام، في أفق إدراك واستيعاب المتلقي لقضايا البيئة المعاصرة، وبناء قناعات تجاه البيئة وقضاياها، تمكن جميع الأطراف من الانخراط في سياسة استراتيجية تستشرف الآفاق، وترشد أنماط الاستهلاك، وتعي حساسية المآل، وبات لا مناص من تكثيف جهود الأطراف المعنية، من خبراء، وفنيين، وإعلام، ومجتمع مدني لبلوغ المراد، وفق مقاربة تشاركية، تلغي الحسابات السياسية، والمثبطات العرقية أو الحدود الجغرافية.

وفي السياق نفسه، نظم أخيرا، المجلس العربي للمياه وبرنامج الأمم المتحدة لبناء القدرات وبرنامج الأمم المتحدة لمقاومة التصحر، بالتعاون مع المركز القومي لتنمية القدرات، ورشة عمل لتنمية قدرات الإعلاميين والصحفيين في البلدان العربية حول المياه والأرض، بالقاهرة، مكنت المشاركين من الاطلاع على مختلف المستجدات والمعطيات في مجال الموارد المائية والطبيعية، والإجراءات المتخذة من الجهات المعنية، للحد من التدهور المتزايد، والحيلولة دون تقهقر الأراضي وندرة المياه. وتبادل من خلالها المشاركون وجهات النظر، بشأن الآثار المترتبة عن تدهور الأراضي والمياه في الدول العربية، وضرورة إطلاع الرأي العام من خلال وسائل الإعلام.

وأكد وزير الموارد المائية والري المصري، محمود أبو زيد، أن "أكثر من ثلث سكان العالم من المتوقع أن يعانوا من نقص المياه خلال الـ 25 عاما المقبلة، ذلك أن الإحصاءات تشير إلى أن العالم يستهلك الآن نحو 54 في المائة من المياه العذبة المتاحة، وأن هذه النسبة قد تصل إلى 70 في المائة، بحلول العام 2025، نتيجة لزيادة عدد السكان" مؤكدا أن ذلك "يأتي بسبب التدهور المستمر في نوعية المياه ".

وأضاف أبو زيد، رئيس المجلس العربي للمياه، خلال الجلسة الافتتاحية للورشة التكوينية، أن "تزايد الطلب على المياه، لتوفير متطلبات مياه الزراعة والشرب والصناعة، أدت إلى جعل عملية التوازن بين الموارد والاحتياجات مشكلة خطيرة في العديد من الدول العربية، خاصة أن الأمر لا يقتصر على كمية الموارد المائية المتاحة، بل على طبيعتها أيضا، إذ تشير الإحصائيات إلى أن أكثر من نصف مواردنا المائية السطحية تأتي من خارج حدود العالم العربي، ومعظم المياه الجوفية في العالم العربي غير متجددة".

وما يفاقم التحديات التي يواجهها العالم العربي، تلك الآثار السلبية المتوقعة للتغيرات المناخية على عالمنا العربي، يضيف أبوزيد، وما قد يصاحبها من نقص في معدلات هطول الأمطار، ما يزيد من الضغوط على مواردنا المائية، بخلاف العديد من التغيرات الأخرى، التي قد تزيد من تفاقم الأزمة المالية في العالم العربي، مثل زيادة أسعار الوقود والمنتجات الزراعية، وهي أمور ذات علاقة بكميات المياه المطلوبة، لتوفير الحد الأدنى من الأمن المائي والغذائي، أو من تكلفة إنشاء وتشغيل المشروعات المائية، لتوفير المياه المطلوبة مستقبلا.

واعتبر أبو زيد أن ندرة المياه في العالم العربي ليست أمرا جديدا على المنطقة، إذ بدأت بوادر هذه الندرة منذ أكثر من خمسين عاما، واستمرت في الزيادة المطردة، بنسبة موازية لزيادة تعداد السكان، وهذه هي النتيجة الحتمية لهذه الزيادة المستمرة، مع الثبات في المصادر المائية العذبة، التي لها أثر كبير في زيادة التهديد للمصادر المائية بالأنهار المشتركة مع الدول العربية.

وذكر بما حدث من عدوان صارخ على الأراضي الفلسطينية ومواردها المائية، وهو أمر يقع على قائمة الأولويات المستوجبة لإيجاد آلية تضمن حقوق الشعوب، هذا فضلا عن تفاقم الأحوال الاقتصادية للعديد من الدول العربية، ما يعيق خطوات التنمية، وتنفيذ وسائل حل كثير من المشاكل، وتوفير التقنيات المناسبة وزيادة الاستثمارات الحكومية وغير الحكومية، لتحقيق الكفاية المستهدفة.

مضيفا أن "قضية المياه هي المحرك الأساسي لضمان الأمن الغذائي، الذي يأتي كعامل رئيسي من عوامل تلك المعادلة، حيث يستهلك إنتاج الغذاء أزيد من 80 في المائة من الموارد المائية بصفة عامة، في حين يتزايد اعتماد الدول العربية على استيراد الغذاء من الأسواق العالمية ما يزيد من حدود المخاطر السياسية والاقتصادية، التي يمكن أن تفرضها الدول المصدرة في ظل تقلبات الأسعار في الأسواق الدولية".

وأبرز في السياق ذاته دور المجلس العربي للمياه كمنبر للفكر المشترك، بعيدا عن القيود الرسمية، وأهم إنجازاته المتمثلة في إنشاء شبكة لتحلية المياه، وشبكة أخلاقيات المياه، ولجنة التشريعات والقوانين المائية، وإنجاز دراسة عن وضعية الموارد المائية في العالم العربي.

و أكد الوزير أبوزيد على دور وسائل الإعلام كهمزة وصل بين الرأي العام ومختلف الجهات المعنية، بغية تعريف ومواجهة تحديات كيفية الحفاظ على الموارد المائية المحدودة، وتوظيفها التوظيف الأمثل، لتحقيق أكبر عائد اقتصادي واجتماعي، من خلال التركيز، ومداومة إطلاع رجال الإعلام على قضايا المياه وجوانبها الفنية والسياسية والاقتصادية.

وأبرز رؤوف درويش، عن المجلس العربي للمياه، إكراهات المشهد البيئي العربي، خصوصا جانب المياه وإشكالياتها المتشعبة، وما تطرحه من تحديات جسيمة على حاضر ومستقبل الإنسان.

وأضاف رضا أردخان، مدير مكتب برنامج الأمم المتحدة لتنمية القدرات والأراضي، أن تنمية القدرات في مجال المياه والأراضي لمختلف الإدارات والمؤسسات الإعلامية، وسيلة أساسية للتأثير المباشر على توعية الجمهور، وخلق عقلية جديدة من الوعي، إذ يمكن لصحافي واحد ملتزم ومخلص للأهداف الملحة ولرهانات الأجندة البيئية، أن يوصل رسالة توعوية إلى مليون شخص .

وحدد منسق برنامج الأمم المتحدة لتنمية القدرات، خوسيه مارتن، دواعي وسياق هذه الورشة، التي تعد الرابعة على مستوى العالم، والأولى على مستوى الوطن العربي، والتي تروم من خلالها الأمم المتحدة رفع مستوى كفاءة وقدرات الإعلاميين بالمنطقة العربية بقضايا وتحديات المياه والتصحر، وفق شراكة متميزة مع المختصين والمهتمين بقضايا المياه وصانعي القرار في البلدان العربية.

نشر الوعي بين العاملين في وسائط الإعلام

وتندرج ورشة قدرات الإعلاميين والصحفيين في البلدان العربية حول المياه والأرض، وفق رؤية نشر الوعي بين العاملين في وسائط الإعلام، بأهمية المياه وإدارة موارد الأراضي، والسعي إلى المشاركة الإيجابية رفقة وسائل الإعلام، لخلق وعي عام يراعي التحديات والإكراهات في هذا المجال.

واستعرض ماركوس، مسؤول الاتصال ببرنامج الأمم المتحدة لمقاومة التصحر، الوضعية المتفاقمة لمظاهر التصحر وانعكاسها الخطير على مستوى الجوع والعطش والفقر والأمراض، وما يرافق ذلك من صراعات وهجرة، إذ تقدر الأراضي المتدهورة بعوامل التصحر، مند عام 1950، بما يناهز مليار هكتار في أنحاء العالم.

ودعا ماركوس إلى تشجيع المزيد من الشفافية والمساءلة، ومشاركة العديد من الأطراف الفاعلة، وتبادل المعلومات والمتابعة، فضلا عن ضرورة تثقيف السكان المحليين، وصناع القرار مع وضع العلم في صلب عمليات صنع السياسات، وتعزيز البحوث بشأن القضايا الناشئة المرتبطة بالهجرة والتصحر.

وطالب كذلك، بتنسيق السياسات المشتتة عبر الوزارات والمنظمات الحكومية، من أجل الترشيد والتنمية، وكذا معالجة القضايا العابرة للحدود، مثل الإدارة المتكاملة لأحواض الأنهار والبيئة والهجرة، وفق الاتفاقيات العالمية في الموضوع.

وأكد رئيس المستشارين الفنيين، برنامج المياه للمدن الآسيوية بالأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، سينك Kulwant singh أن أكثر من بليون شخص يعانون من مشكل الوصول إلى الماء الشروب والنظيف، كما أن 2.6 مليار شخص أو 38 في المائة من سكان العالم لا يتوفرون على جودة مرافق الصرف الصحي، من ضمنهم حوالى 1.8 مليار في آسيا. ما يستوجب التدخل العاجل لأن الأطفال، الذين ماتوا خلال العشر سنوات السالفة، فاقوا، بفعل غياب الخدمات الأساسية، عدد ضحايا الحرب العالمية مبرزا صورا حية لمظاهر التحدي، الذي تواجهه البشرية على مستوى ندرة المياه، وسوء خدمات الصرف الصحي، وهشاشة الحياة، إذ لا يحصل ما يفوق 1 بليون أو 13 في المائة من سكان العالم على إمدادات كافية من المياه، حيث يعيش 59 في المائة منهم في الشرق والجنوب، وجنوب شرق آسيا، وكذا 30 في المائة في إفريقيا وجنوب الصحراء الكبرى.
وتحدث إسماعيل الباكوري، عن مفهوم ومؤشرات التصحر وعوامله، وسبل متابعة وتقييم التقنيات المتطلبة، كعملية مستمرة تتطلب أنشطة مستمرة في محاربته، ودعا في معرض مداخلته العلمية، إلى تبني استراتيجية محلية لكل بلد حسب خصوصياته المناسبة لظروفه وخلفيته البشرية المختلفة.


وتناول صالح عابدين، مجال سوء استخدام الموارد الطبيعية، وتدهور التربة، وتحديات ندرة المياه، وتفشي الملوحة في التربة في المنطقة العربية.

وأكد صالح أن المنطقة العربية تعاني حاليا من نقص حاد في مصادر المياه، ويتوقع استمرار انخفاضها إلى حدود 25 سنة القادمة، وطالب بممارسة الحماية والإدارة الصارمتين للموارد المائية، مع تطوير سياسات وطنية ومحلية حكيمة، واستراتيجيات رشيدة، وإدارة خطط عمل التعاون والشراكة الكاملة على كل المستويات، وكذا تحسين البحث والتعليمِ اللذين يؤهلان لوعي عام بإكراهات الواقع البيئي.

ومن جهته، تناول حمو العمراني، بالشرح والتحليل، إشكالية الاستخدام المسؤول للمياه المعتمد على التكنولوجيا والسياسة والسلوك، مبرزا دور الإعلام كمرشد ومؤثر في تغيير سلوك الناس وصناع القرار، من خلال اعتماد وسائل الإعلام للفعالية والاستدامة.

وأشار العمراني إلى أنه من الضروري مقاربة قضايا المياه بأجناس صحفية أخرى، أكثر نفاذا وتأثيرا، ووجوب اعتماد التناول التحليلي، بدل التقريري المتداول عموما في الخطاب الإعلامي، بتوفير المعلومة الدقيقة، مع الشفافية والمساءلة الضروريتين، كما أن إشكالية الماء ذات طبيعة سياسية وموضوع مزايدات، لذلك لابد من توفر الإعلام على القدرة على المناورة، وبناء تحالفات شعبية، مع فنيين وخبراء وجمعيات المجتمع المدني، وبالتالي تأهيل إعلاميين مهنيين ومتخصصين في مجال المياه، وبخصوص تسعيرة الماء، التي كانت محط نقاش واسع، من لدن الإعلاميين المشاركين، واعتبر العمراني أن إقرار مبدأ تسعير الماء في الوطن العربي لا محيد عنه، كسبيل أوحد لترشيد المياه العربية، والحفاظ عليها مع شرط مراعاة مبدأ العدالة الاجتماعية، وإتاحة الماء لكل المواطنين، فقراء وأغنياء، عبر وضع قواعد بيانات عن الاحتياجات الاستهلاكية المنزلية والصناعية والزراعية.

وأكد ديك دي يونغ Dick de Jong، مسؤول الإعلام والاتصال بالمركز الدولي للمياه والصرف الصحي، أن تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية الحالية يصعب، دون دعم مستمر من قبل وسائل الإعلام.
وأضاف أن الإشكال ليس موضوع نقص في المياه أو انعدام الإمكانيات المادية، بل كنه الأزمة يتجلى في انعدام التزام سياسي واستراتيجي واضح، إذ أن معظم المدن فيها أعداد كبيرة من الناس يعيشون دون صنابير ومراحيض، رغم أن هناك إمدادات وفيرة من المياه.

كما أن مرض الإسهال وحده يقتل ستة آلاف من الأطفال كل يوم، ذلك أن أكثر من نصف فقراء العالم النامي يعانون من انعدام النظافة، والصرف الصحي، وإمدادات المياه.

إن بليون نسمة يعيشون حياة غير آمنة في ما يتعلق بمياه للشرب، وغسل اليدين والوجه والجسم، وغسل الملابس، وفرشاة الأسنان وطهي الطعام، وكذا تنظيف البيوت والمطابخ.

يشار إلى أن المشاركين قاموا بزيارة ميدانية إلى الطريق الصحراوي المصري للوقوف على بعض مظاهر التصحر و أمثلة على مختلف الأساليب الزراعية من قبيل مزارع الموز و الزيتون والنخيل والمزارع، التي تدعم التنمية المستدامة في الأراضي الصحراوية المستصلحة.

وفي نهاية الورشة، قدم المشاركون مجموعة من التوصيات بشأن الإجراءات في المستقبل، من بينها، قرار إنشاء شبكة من الصحفيين العرب حول المياه والأراضي، في أفق تبادل الأخبار المتعلقة بقضايا الأراضي والمياه، ودعم بناء قدرات الإعلاميين بقضايا البيئة المختلفة، والحاجة إلى زيادة المواقع العربية والمجلات الإلكترونية المتخصصة في البيئة.

رئيس الشبكة المغربية للإعلام البيئي والتنمية المستدامة




تابعونا على فيسبوك