اتسعت رقعة التسول بعدد من المدن المغربية، بعد ارتفاع أسعار عدد من المواد الاستهلاكية الأساسية والخدمات الاجتماعية، خصوصا النقل والعلاج.
ونتج عن البطالة وقلة فرص الشغل لجوء فئة من المواطنين إلى التسول لتأمين دخلهم اليومي.
وتبين من خلال جولة "المغربية" في عدد من شوارع الدارالبيضاء، أن المتسولين ينتشرون بكل مكان ، مستغلين عاهاتهم وسوء مظهرهم، كطريقة يستجدون بها عطف المارة.
فمنهم من اتخذ التسول كحرفة، لا يمكنه الاستغناء عنها، فأتقنها وأحسن لغتها، بارتدائه ملابس بالية ، مرددا كلمات مؤثرة ، يستميل بها كرم المحسنين، فاكتنز بها الملايين والعقارات، فالكثير منهم استهوتهم هذه المهنة، التي أصبح من الصعب عليهم التخلي عنها، أو البحث عن عمل يعيشون من خلاله بكرامة.
ومنهم من أجبرته الظروف على امتهانها، كـ "محمد لعوينة"، مثلا ، يبلغ من العمر (10 سنوات)، طفل متسول بإشارة مرور وسط المدينة ، حيث صرح لـ"المغربية" " أنه، فقد والديه في سن مبكرة، حتى أنه لا يتذكر ملامحهما، ووجد نفسه يعيش في حضن أسرة متسولة، الزوج والزوجة وحتى ابنهما الوحيد، الذي يكبره بعدة سنوات، وهو غير متأكد من كونه ابنهما ، أم أن له حكاية مشابهة لحكايته ، مضيفا أنه لم يدخل المدرسة قط، لكن بدل أن يتلقى العلم، تلقى مبادئ التسول على يد شحاذين لهم باع طويل في الميدان، فوجهه الجميل، ومظهره المؤلم يدعوان للشفقة عليه ، يتخذ من شارات المرور مقرا لتسوله، كل صباح يتنقل بين السيارات سائلا سائقيها منحه بعض الدراهم، وبيده الصغيرة يجمع ما جاد به السائقون الذين يرثون لحاله مشيرا إلى أنه "مجبر على ممارسة التسول ، فليس لدي من يشرف على تربيتي أو من يوجهني، لقد فتحت عيني على أبوين بالتبني، يجبراني على نهج هذا الطريق، لآتي بالمال في آخر النهار".
أما " بوشعيب" الملقب "الدكالي"، متسول في عقده السادس، معروف لذا جميع سائقي الحافلات، يرتدي أسمالا رثة وحذاء مهترئا، يجوب خطوطا معينة من حافلات النقل طوال النهار، لان لكل متسول خط معين ،لا يمكن لمتسول آخر التطاول عليه، وإلا فالصراع من اجل الاحتفاظ بالمكان يبقى سيد الموقف.
فـ" الدكالي" رجل في عقده السادس، حسب ما أكده سائق حافلة لـ"المغربية"، الذي يعرفه منذ سنوات، لكونه يتخذ من الحافلة مكانا قارا، مضيفا أنه دائما على هذه الحال، متسخ لا يغير ملابسه ، ولا يستحم، لقد ضبطته الشرطة وهو يحمل تحت جلبابه عدة ملايين مخبأة بشكل محكم، اكتنزها لمدة بضع سنوات فقط، حين ذاك اختفى عن الأنظار، حتى لا يكون عرضة للسرقة، ويضيف السائق نفسه، لما نسي الناس أمره ، رجع للتسول عبر الحافلة نفسها مرة أخرى، ويستبعد فكرة التخلي عن مهنته، و توظيف أمواله في مشروع صغير يبعده عن التسول.
وفي منطقة أخرى تتجول «أمي فاطنة » المعروفة عند الكل بـ" الفاسية"، وهي امرأة عجوز، تظهر عليها الأنفة قلما تجدها عند الكثير من المتسولين ، كانت تستحيي حينما تمد يدها تسأل المارة بعض الدراهم، حكاية أمي فاطنة غريبة، نتيجة عقوق الأبناء، تجوب الشوارع طيلة اليوم ، و قالت لـ"المغربية" : "الله ينعل اللي كيتيق في الزمان" ، رزقت ببنت وحيدة ، ففكرت هي وزوجها أن يكتبا البيت الذي كانا يملكانه باسم البنت، تفاديا لمشكل الإرث إن توفي احدهما ، "و شأت الأقدار أن يتوفى زوجي" ، تزوجت الابنة وأنجبت ثلاثة أطفال ذكور، كانت تعيش بينهم بما يرضي الله، مضيفة " لما كبر الأحفاد كبر الهم معهم، لم تحسن أمهم تربيتهم، فأصبحوا من المتسكعين والحشاشين" ولما كانت "أمي فاطنة" تؤاخذها عن سوء توجيهها لهم كانت تتضايق من ذلك، فطردتها من البيت، مؤكدة أنها تعيش الآن مع بعض الصديقات ، اللواتي وضعهن ليس بأحسن من وضعها.وتقتات مما يجود به عليها المحسنون.
عند إشارات المرور ، وأمام المساجد، يوجد نساء يحملون أطفالا صغارا أو رضع، يتسولن بهم صيفا وشتاء، لكسب عطف المتصدقين، وأحيانا تشاهد نفس المرأة ، تحمل طفلا صغيرا عدة سنوات، وكأن هذا الطفل لم يكتب له بعد أن يكبر ويترعرع، لأنها تعتمد دائما على الصغار الذين تكتريهم من ذويهم بهدف مزاولة نشاطها.
وهذا ما ينطبق على متسولة بطريق مديونة بالدار البيضاء، كانت تحمل طفلا على ظهرها ، و تتهرب من أي شخص يقترب منها، وبعد أن كسبنا ثقتها، أكدت لـ"المغربية"، أنها تستأجر الأطفال الصغار من أوليائهم الفقراء، تأخذهم بالنهار وترجعهم لبيوتهم بالليل، إلى أن يشتد عودهم، ومن ثمة تبحث عن أطفال آخرين، مقابل مبالغ مالية معينة كل يوم مضيفة :أن " الناس يرقون لحال المتسولات اللواتي لديهن أطفال ، كما أنها تستبعد فكرة التخلي عن التسول، والبحث عن عمل، لأن هذا الأخير يقيد حريتها ، ويجعلها تخضع لقوانين وشروط الشغل، في حين أن التسول يدر عليها أرباحا أكثر بدون قيد أو شرط.