قالت المندوبية السامية للتخطيط, إن أجواء من عدم وضوح الرؤية, تجاه قوة التأثيرات المحتملة للأزمة المالية العالمية, على الاقتصاد الوطني, تسود حاليا
إذ تشير التوقعات، عموما, إلى استمرار تراجع وتيرة نمو القيمة المضافة لفروع النشاط، دون احتساب الفلاحة، إلى ما يناهز 3.9 في المائة, في الفصل الأول من 2009.
وأوضحت المندوبية, في مذكرة حول الظرفية الاقتصادية, توصلت "المغربية" بنسخة منها, أن التحسن الذي قد يشهده الإنتاج الفلاحي في الموسم الجاري, وبعض الأنشطة المرتبطة به، في ظل استمرار ظروف مناخية ملائمة, خلال شهري فبراير ومارس، سيدعم, مع ذلك, تطور النشاط الاقتصادي, ويحافظ على وتيرة نموه المرتفعة, كما ينتظر أن يحقق الناتج الداخلي الخام زيادة قدرها 6.6 في المائة, خلال الفصل الأول من 2009، مقابل 4.8 في المائة, خلال الفصل الرابع من 2008.
ويتوقع المصدر, تراجع وتيرة النمو الاقتصادي، الخاص بالفصل الأخير من 2008، إلى 4.8 في المائة، بعد المستويات المرتفعة التي بلغها في بداية السنة, وبناء على ذلك, يكون الناتج الداخلي الخام حقق ارتفاعا بـ 5.8 في المائة, خلال سنة 2008. ويعزى هذا النمو، الذي يمثل زيادة قدرها 3.1 نقطة, مقارنة مع 2007، إلى تطور الإنتاج الفلاحي, على الخصوص، في الوقت الذي شهدت باقي فروع الإنتاج شيئا من التباطؤ.
وأوضح المصدر, أن نمو القيمة المضافة للصناعة لم تتجاوز 2.7 في المائة، في الفصل الثالث من 2008, ما يشكل "انحرافا مهما عن الاتجاه العام, الذي شهده القطاع, خلال السنتين الأخيرتين".
وعلى صعيد الأنشطة السياحية، ذكر المصدر أن مبيتات السياح المقيمين حققت توسعا ملحوظا، "إلا أن ذلك لم يحل دون انخفاض المبيتات الإجمالية بـ 2.3 في المائة, في نهاية شهر نونبر الماضي، بسبب ركود الطلب السياحي الأجنبي.
ومن المرجح أن تتراجع وتيرة نمو القيمة المضافة لأنشطة البناء, من 10.7 في المائة, خلال الفصل الثاني إلى نحو 8.8 في المائة, في نهاية السنة، كما يوحي بذلك تباطؤ المبيعات من الإسمنت، التي انتقل نموها من 13.5 في المائة, إلى 3.8 في المائة, والقروض الموجهة نحو العقار خلال الفترة نفسها. ولم ينفصل القطاع الطاقي عن مسار هذا التراجع، إذ دخل إنتاجه مرحلة من الركود النسبي، إثر تناقص الإنتاج الكهربائي, وانكماش الأنشطة المتعلقة بتكرير البترول, وترتب عن ذلك انخفاض في قيمته المضافة قدر بـ 2.9 في المائة, في الفصل الثالث.
وفي المقابل، شهدت الأنشطة الفلاحية تحسنا بـ 11 في المائة, في الفترة نفسها. ومن المنتظر أن يتعزز هذا الانتعاش في بداية السنة الحالية، بفضل ظروف مناخية ملائمة، إذ تشير البيانات إلى ارتفاع متوسط التساقطات بما يعادل 106 في المائة، مقارنة مع الكمية العادية المسجلة إلى حدود شهر دجنبر, ما انعكس إيجابيا على حقينة السدود، التي شهدت بدورها تزايدا بـ 4 في المائة, وفي ظل ذلك، وبناء على محصول قد يصل إلى 70 مليون قنطار من الحبوب، فإن القيمة المضافة للقطاع الفلاحي ستحقق زيادة تصل إلى 22.2 في المائة, خلال الفصل الأول من سنة 2009، مقارنة مع الفترة نفسها من السنة الماضية.
من ناحية أخرى, أفادت المندوبية السامية للتخطيط, أن الاستهلاك الخاص سجل زيادة تقدر بـ 7.8 في المائة, خلال السنة الماضية، مقابل 3.8 في المائة سنة 2007. وتزامن حدوث هذا التسارع, مع تزايد الضغوط التضخمية, واعتدال في وضعية التشغيل. وكانت أسعار الاستهلاك شهدت "تطورا مهما" في السنة الماضية، إذ انتقل معدل التضخم الأساسي من 2.8 في المائة، خلال شهر فبراير 2008، إلى 5.5 في المائة في نهاية شهر يوليوز, غير أن معدلات التضخم شهدت بعض التراجع, خلال الفصل الأخير من السنة الماضية، مستفيدة من الانخفاض الذي مس، على الخصوص، أسعار المواد الأولية المستوردة، لاسيما تلك المتعلقة منها بالمواد الغذائية والطاقية. وعلى العموم، فإن التوقعات تشير إلى استمرار تباطؤ الضغوط التضخمية خلال الفصل الأول من 2009، إذ من المرجح ألا يتعدى ارتفاع أسعار الاستهلاك 3.4 في المائة, مقابل 3.9 في المائة, خلال الفصل الأخير من السنة الماضية.
ومن المتوقع أيضا، أن تتأثر وضعية التشغيل, على مستوى القطاعات الغير فلاحية بالتباطؤ, الذي قد تشهده أنشطتها في بداية هذه السنة. وكان مستوى التشغيل شهد تطورا معتدلا خلال السنة الماضية، إذ استقر معدل البطالة في حدود 9.9 في المائة, في نهاية الفصل الثالث من 2008، ما يعادل ما جرى تسجيله خلال 2007. كما استطاع الاقتصاد الوطني إحداث ما يقارب 145 ألف منصب جديد, خلال الفترة نفسها, ويعكس التوزيع القطاعي لهذه المناصب، المساهمة المتميزة لقطاعي البناء والخدمات.
دخلت البلدان الصناعية دورة من الركود الاقتصادي، بسبب زيادة رسوخ الأزمة الاقتصادية الراهنة، التي فجرها الجمود, الذي أصبح سائدا في سوق الائتمان, والخسائر الفادحة في الثروات, وضعف الطلب الداخلي. وترتب عن ذلك كبح للاتجاه التصاعدي, الذي ميز معدلات نموها الاقتصادي, خلال السنوات الأخيرة، إذ يتوقع أن ينخفض ناتجها الداخلي الخام بـ 0.4 في المائة, خلال الفصل الأول من 2009، بعد تراجع قدر بـ 0.9 في المائة, خلال الفصل السابق. كما أن اقتصاديات البلدان الصاعدة لم تعد محصنة تماما من آثار هذا الركود، إذ من المرجح أن يتأثر نموها بانكماش الطلب الداخلي للبلدان المتقدمة, وكذا تقلص التمويل الخارجي المتاح لها.
وفي أعقاب ذلك، سيشهد الطلب الخارجي الموجه نحو المغرب تباطؤا ملحوظا, خلال بداية هذه السنة. ويلاحظ أن هذا التباطؤ الذي ظهرت أولى معالمه في نهاية الفصل الثاني من السنة الماضية، زادت حدته خلال بقية السنة، إذ لم يتعد نمو الطلب الخارجي 2.8 في المائة, خلال الفصل الثالث، عوض 9 في المائة, خلال الفترة نفسها من 2007. و هو ما اثر سلبا على الصادرات الوطنية، التي من المحتمل أن يعرف معدل تطورها، المصحح من آثار التغيرات الموسمية، تراجعا بـ 16.3 في المائة, خلال الفصل الرابع من 2008، مقارنة مع ما جرى تحقيقه خلال الفصل الذي سبقه. أما بخصوص الواردات، تشير بيانات مكتب الصرف إلى ارتفاع مهم في قيمتها, خلال الربع الثالث من سنة 2008، قدر بـ 10.1 في المائة, على أساس التغير الفصلي. ويعزى ذلك أساسا, إلى تزايد المقتنيات من المواد الطاقية وأنصاف المواد ومنتجات التجهيز. ومن المنتظر أن تشهد وتيرة نموها بعض التراجع, خلال بداية هذه السنة، متأثرة بالتقلص الحاصل في أسعار المواد الأولية المستوردة