أكد أحمد حلمي علمي، المندوب السامي للتخطيط،، أن ارتفاع أسعار المواد الغذائية على المستوى الماكرو اقتصادي، كان له أثر جد ملموس على الميزانية المخصصة للدعم.
التي تجاوزت بكثير التوقعات، وهددت بالتالي توازن ميزانية الدولة.
وأضاف المندوب السامي في الكلمة التي ألقاها بمناسبة تنظيم المندوبية، في الخامس من الشهر الجاري بالرباط، اليوم الإفريقي للإحصاء، حول موضوع "التحديات والتنمية الزراعية التي يفرضها ارتفاع أسعار المواد الغذائية في إفريقيا: دور الإحصاء"، قائلا "ساهمت الأزمة أيضا في تفاقم العجز التجاري، إذ ارتفعت الواردات من المواد الغذائية بنسبة 73 في المائة سنة 2007، مقارنة مع سنة 2006، وبـ 22 في المائة، خلال الفترة الممتدة ما بين يناير ونونبر من سنة 2008، مقارنة مع نفس الفترة من سنة 2007. وعرفت واردات الحبوب على الخصوص ارتفاعا بنسبة 168 في المائة خلال سنة 2007.
وأفاد أنه مقارنة مع دول مماثلة، يبقى هذا التأثير محدودا في المغرب، ذلك أن نسبة التضخم، التي لن تتجاوز نسبة 4 في المائة بالمملكة سنة 2008، بلغت 15.8 في المائة بالأردن، و 5.1 في المائة بتونس، و9.4 في المائة كمعدل في الدول الصاعدة والسائرة في طريق النمو.
وأشار الحليمي، إلى أن تباطؤ وتيرة النمو الاقتصادي العالمي، الذي تسارع مع تداعيات الأزمة المالية التي يعرفها العالم، كان من بين نتائجها وضع نهاية لظاهرة ارتفاع أسعار المواد الأولية منذ شهر يوليوز 2008. موضحا أن الرقم الاستدلالي لأسعار المواد الغذائية لصندوق النقد الدولي انخفض بـ 32 في المائة، منذ أن سجل أعلى ارتفاع له خلال شهر يونيو 2008، مقتربا بذلك من المستوى الذي كان عليه قبل الأزمة. وانعكس هذا الانخفاض تدريجيا على الأسعار عند الاستهلاك وعلى القدرة الشرائية للمستهلكين.
وأكد المندوب السامي في هذا السياق، أن الرقم الاستدلالي لتكلفة المعيشة بالنسبة للمواد الغذائية في المغرب اتجه نحو الانخفاض منذ نهاية رمضان الذي صادف شهر شتنبر، إذ فقد 1 في المائة، من قيمته خلال الشهرين الأخيرين. مشيرا إلى أن من شأن هذا التحول أن يحافظ ويقوي المكتسبات والتقدم المحقق خلال السنوات الأخيرة في مجال تقليص الفقر، وتحسين القدرة الشرائية للأسر. مذكرا هنا أن معدل الفقر سجل ما بين سنتي 2001 و2007 تراجعا ملموسا، إذ انتقل من 15.3 إلى 9 في المائة، وأن الدخل المتوفر للأسر يعرف نموا سنويا حقيقيا يقدر بـ 2.3 في المائة.
واستطرد الحليمي قائلا "لكن هذا الانخفاض الذي من المتوقع أن يستمر لبعض السنوات، لا يجب أن ينسينا أن ارتفاع أسعار البترول والمواد الأولية سيبقى حاضرا باستمرار في الاقتصاد العالمي. فالنمو الديموغرافي والتمدن وتحسن الدخل في الدول الصاعدة، وآفاق نضوب احتياط النفط العالمي، وهي العوامل التي كانت وراء هذا الارتفاع في الأسعار، تندرج ضمن التطور البنيوي للاقتصاد العالمي".
وأوضح الحليمي أن هذه المعطيات الجديدة، كانت من بين ما أفرزته الدراسة حول قطاع الفلاحة، التي أنجزتها المندوبية السامية للتخطيط في إطار الدراسات المستقبلية "المغرب في أفق 2030"، التي تقوم بها منذ سنة 2004 تحت الرعاية السامية لجلالة الملك. مبرزا أن تنمية القطاع الفلاحي تتطلب سياسات تروم تشجيع بروز أقطاب فلاحية موجهة نحو التصدير، وتعطي أولوية لتنمية المقاولات الفلاحية الصغيرة والمتوسطة، التي توجه إنتاجها للاستهلاك الداخلي، وتساهم في تأمين حد ضروري للأمن الغذائي، وأضاف قائلا "تشكل هذه الأهداف أهم محاور السيناريو الذي ارتأينا أنه الأفضل لبلادنا في إطار هذه الدراسة، حيث يعتمد كأساس له ميثاقا فلاحيا وقرويا، وانفتاحا متحكما فيه يعتمد على تعبئة مختلف الفاعلين، من خلال حكامة جديدة تهدف إنعاش تنمية قروية لامركزية، تنبنـي على تهيئة مجالية على المستوى المحلي، وعلى تكثيف أقطاب تنموية تعتمد سياسة القرب وترتبط بأنشطة تقوم على تثمين المنتوجات الفلاحية وعلى أنشطة غير فلاحية متنوعة".
واعتبر الحليمي أن الإلمام بالحقائق الاقتصادية والاجتماعية وبأثرها على الأسعار والقدرة الشرائية، وبالتالي علي ظروف معيشة الأسر، يتطلب أدوات إحصائية، وتقنيات نمذجة متطورة، تعتمد على معلومات إحصائية شاملة وموثوق بها ومنسجمة ومتوفرة في الوقت الملائم. ليخلص في هذا الإطار، إلى أن المندوبية السامية للتخطيط قامت، في إطار تأهيل النظام الوطني للمعلومات الإحصائية، بإطلاق برنامج مندمج للعمليات الإحصائية ذات البعد الوطني.
وأفاد المندوب السامي، أن هذا البرنامج تجسد من خلال إنجاز عدة بحوث، منها البحث الوطني حول مستوى معيشة الأسر لسنة 2007، والبحث حول القطاع غير المنظم لسنة 2007، والبحوث البنيوية في قطاعات الصيد البحري والصناعة والطاقة والمعادن والبناء والأشغال العمومية والتجارة والخدمات لسنة 2008.
وأعلن الحليمي، أن المندوبية السامية للتخطيط تعتزم خلال سنة 2009، إنجاز عدة بحوث إحصائية، منها على الخصوص البحث الديموغرافي الثاني من نوعه في المغرب بغية إعداد جدول الوفيات، والشروع في إنجاز بحثين جديدين يهم الأول ظاهرة العنف ضد النساء، والثاني المؤسسات غير الهادفة للربح.
كما تجسد هذا البرنامج من خلال القيام بعدة إصلاحات كتلك التي شملت الرقم الاستدلالي لتكلفة المعيشة والبحث الوطني حول التشغيل.
وتابع بخصوص إصلاح الرقم الاستدلالي لتكلفة المعيشة، أن المندوبية السامية للتخطيط، تقوم حاليا بإتمام الأشغال المتعلقة بإعداد رقم استدلالي جديد للأثمان هو "الرقم الاستدلالي للأثمان عند الاستهلاك"، يعتمد على سلة مرجعية موسعة تأخذ بعين الاعتبار آخر المعطيات حول بنية الاستهلاك لدى الأسر، التي وفرها البحث حول مستوى معيشة الأسر لسنة 2007. وأضاف هذا المؤشر يمتاز أيضا بتوسيع مجال السكان المعنيين، لتشمل كافة سكان الوسط الحضري، والتغطية الجغرافية ليشمل 17 مدينة تنتمي إلى الجهات الستة عشر للمملكة.
وخلص الحليمي في كلمته، إلى أن المعطيات المستخلصة من هذه البحوث تشكل ركيزة للعديد من أعمال التحليل والنمذجة. مبينا في هذا الإطار أن المندوبية السامية للتخطيط تعكف على استغلال نتائج البحث حول مستوى معيشة الأسر لسنة 2008، لإعداد دراسة مدققة حول تحديد مستويات ومصادر دخل الأسر ومقاربة الفئات الاجتماعية وخاصة الطبقة المتوسطة.
وأضاف في نفس الاتجاه، أن المندوبية السامية للتخطيط قامت بتطوير مقاربات للاستهداف الجغرافي للفقر، تشكل نتائجها منطلقا لإعداد سياسات بديلة لتلك المعتمدة حاليا في مجال المقاصة، والتي كشفت ظاهرة ارتفاع أسعار المواد الأولية محدوديتها. كما قامت المندوبية السامية للتخطيط بتطوير نماذج لتقييم آثار السياسات الاقتصادية والصدمات الخارجية على النمو والفقر والفوارق الاجتماعية.