قانون المالية يراهن على محاربة الفقر والمحافظة على القدرة الشرائية

الإثنين 05 يناير 2009 - 10:01
مصاريف الموازنة استقرت في حدود 27.2 مليار درهم نهاية 2008

أظهر الاقتصاد الوطني خلال سنة 2008 قدرة عالية على التكيف والصمود وامتصاص الصدمات.

ما مكنه من مواجهة الظرفية الدولية العصيبة التي تميزت بارتفاع تاريخي لأسعار المواد الأولية، وبروز أزمة مالية عالمية كانت لها انعكاسات سلبية على الاقتصاديات الدولية الأكثر قوة.

وتميزت السنة المنصرمة, أيضا بكونها سنة تعزيز المكتسبات التي جرى تحقيقها خلال سنة 2007, إذ تمكن المغرب, رغم الجفاف وارتفاع أسعار المواد الأولية من تحقيق إنجازات اقتصادية مرضية في مجال النمو والمحافظة على التوازنات الماكرو- اقتصادية الكبرى.

وحسب المندوبية السامية للتخطيط, ارتفع معدل الناتج الداخلي الخام الحقيقي بمعدل 6.5 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2008, بعد نمو بلغ نسبة 7 في المائة خلال الفصل الأول، وهو تطور لاقتصاد يساير توقعات وزارة الاقتصاد والمالية التي راهنت على معدل نمو يصل إلى 6.8 في المائة بالنسبة لمجمل سنة 2008.

وتعتبر السلطات العمومية أن تأثير الأزمة المالية على الاقتصاد الوطني، ستكون معتدلة، بل يمكن التحكم فيها بواسطة نظام مالي وطني "سليم وقوي"، واقتصاد يتسم بمرونة قوية, وفق ما أشار إليه صندوق النقد الدولي.

وأوضح صندوق النقد الدولي في تقريره الأخير، أن "الأداء الجيد للاقتصاد المغربي راهنا, يستمد قوته من اقتصاد يتسم بتنوع كبير ووضعية مالية معززة، وقطاع مالي قوي. ويوجد المغرب, وفقا لذلك, في موقع جيد لمواصلة نموه, رغم الظرفية العالمية الصعبة".

وفي حال ظل المجال المالي في منأى عن تقلبات الأزمة المالية، نتيجة متانة القطاع البنكي والاندماج المحدود في السوق المالية العالمية, فإن الأمر لا يسلم من احتمال انتقال مخاطر عدوى حقيقية، عبر بعض قنوات الاقتصاد ذات الصلة بتطور الوضعية الاقتصادية للبلدان الشريكة الأساسية للمملكة.

وتنعكس هذه الآثار السلبية نوعا ما, خاصة على القطاع السياحي، وتحويلات الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، والطلب الخارجي الموجه للمغرب, ما من شأنه أن يكلف الناتج الداخلي الخام المغربي حوالي نقطة مائوية إضافية خلال سنة 2008.

وهو تأثير غير مهم برأي العديد من المسؤولين والخبراء الماليين، الذي يرون أن سياق الأزمة المالية، قد يمنح فرصا حقيقية لصالح عدد من قطاعات الأنشطة الحيوية بالمملكة.
وفي ما يتعلق بقطاع النسيج والألبسة, يجري, في إطار التوجه الجديد, إعطاء الأولوية لتبادل تجاري بكميات محدودة على المدى القصير وضمن سياسة للقرب. ثم أن المغرب, وباعتبار موقعه الجغرافي المتميز ومؤهلات قطاعه هذا, يشغل موقعا جيدا يؤهله لانتهاز أفضل الفرص.

كما أن المملكة على أتم الاستعداد لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في أفق البحث عن فرص أعمال أفضل وأكثر عطاء, وتكون بالدرجة الأولى مضمونة وسليمة في بلد انخرط بقوة في برنامج إصلاحات جريئة ومشاريع رائدة.

وعلاوة على ذلك, خلفت الأزمة المالية انهيارا في الأسعار الدولية للنفط ولعدد من المواد الأولية الأخرى, وهي وضعية, سيستفيد دون شك منها المغرب, خصوصا وأنه يستورد غالبية احتياجاته الطاقية, وأنه أيضا تأثر, وعلى نحو مباشر وقوي, بتقلبات سوق نفطي دولي يتسم بعدم الاستقرار.

ومن جهة أخرى, اعتبر قطاع المالية أن الانعكاسات الإيجابية للسياسة القطاعية والتأثيرات المتراكمة للإجراءات السياسية المالية الضريبية، التي جرى تبنيها خلال السنوات الماضية, وتلك التي جرى اقتراحها في إطار القانون المالي لسنة 2009, ستعطي لامحالة دفعة قوية للنشاط الاقتصادي الوطني, كما أنها ستحفز الطلب الداخلي الذي سيواصل دعمه للاقتصاد الوطني.

ويستمد هذا الدعم قوته أكثر من ارتفاع المداخيل بالعالم القروي وتحسن سوق الشغل بمعدل بطالة وطني تحت عتبة 10 في المائة، وقوة استهلاك الأسر مع ارتفاع في قروض الاستهلاك بنحو 32 في المائة مع نهاية أكتوبر 2008, إضافة إلى تفعيل مقتضيات الحوار الاجتماعي.
وفي ما يتعلق بالتضخم, عرف مرحلة تراجع، انتقل فيها من معدل 4.6 في المائة خلال الفصل الثاني من سنة 2008 إلى 3.9 في المائة خلال نونبر الماضي.

ويعزو بنك المغرب هذا التراجع في الأسعار إلى انخفاض أسعار المواد القابلة للتبادل، خاصة المواد الغذائية الأساسية المستوردة, بفعل تراجع أسعار المواد الأولية في الأسواق الدولية.

وكان من الممكن أن يسجل التضخم معدلا أكثر قوة، لولا وجود صندوق مقاصة يتسم بالدينامية والذي تحمل جزءا من ارتفاع أسعار المواد الأساسية, إذ تجاوزت مصاريف الموازنة عند نهاية أكتوبر الماضي توقعات سنة 2008 بأكملها (11.8 مليار درهم) لترتفع إلى 27.7 مليار درهم, ارتباطا بدعمه لأسعار المواد النفطية والمواد الأساسية.

وأضاف المصدر ذاته أن هذا الدعم ساهم بواقع 77.8 في المائة من ارتفاع حجم المصاريف العادية، التي انتقلت من 16.7 في المائة إلى حوالي 127.4 مليار درهم.

وسجلت سنة 2008 تحسنا ملحوظا على مستوى جاذبية المغرب, وأيضا نموا متواصلا لحركة الاستثمار, التي تعززت بمشاريع البنيات التحتية الكبرى، التي جرى الانخرط فيها في عدد من القطاعات, إلى جانب تنامي مصاريف الاستثمار العمومي، وتحقيق مستوى مرضي لمداخيل الاستثمار والقروض الأجنبية الخاصة, أي بقيمة 25.6 مليار درهم.


ومن جهة أخرى, وعلى الرغم من أن عجز الميزان التجاري ما يزال قائما, سجلت المبادلات التجارية برسم 2008 منحى تصاعديا، في ما يتعلق بقيمة الصادرات، فاق المنحى التصاعدي المسجل على مستوى الواردات, بزائد 32.8 في المائة مقابل زائد 30.3 في المائة.

ورغم ذلك, أثر, حسب مكتب الصرف, ارتفاع أسعار المواد الأساسية خاصة منها الطاقية بشكل سلبي على الميزان التجاري الطاقي والغذائي، إذ استورد المغرب إلى نهاية أكتوبر 2008 منتجات طاقية بقيمة 23.5 مليار درهم, مسجلا بذلك ارتفاعا بواقع 46.9 في المائة, أي حوالي 28.7 مليار درهم (زائد 34.5 في المائة) من النفط الخام, فيما بلغت قيمة عمليات اقتناء المواد الغذائية 26.3 مليون درهم مقابل 20.8 مليون درهم, وهو ارتفاع يعزى إلى ارتفاع مقتنيات الحبوب والذرة والزبدة.

وعلى صعيد آخر, تؤكد وضعية المالية العمومية دينامية النشاط الاقتصادي برسم 2008 , رغم التكلفة التي تطلبتها تسوية ملف الحوار الاجتماعي وارتفاع مصاريف الموازنة، التي تجاوزت عتبة 13 مليار درهم، متم أكتوبر 2007 لتستقر في حدود 27.2 مليار درهم مع نهاية 2008.

ويعزو قطاع المالية الأداء الجيد للمالية العمومية خاصة إلى المساهمة الإيجابية للمداخيل الضريبية، التي ارتفعت بقيمة 25.6 في المائة لتبلغ مع نهاية أكتوبر الماضي حوالي 158 مليار درهم.

وهكذا, ورغم الصعوبات, التي طبعت السنة الماضية, حقق الاقتصاد إنجازات مشجعة من شأنها أن تشكل قاعدة صلبة لولوج هذه السنة بتفاؤل وواقعية, خصوصا في ظل مراهنة القانون المالي لسنة 2009 على معدل نمو بواقع 5.8 في المائة، ومعدل تضخم لا يتجاوز عتبة 3 في المائة.

وخصصت الحكومة حوالي 53 في المائة من ميزانية الدولة برسم سنة 2009 للقطاعات الاجتماعية, مانحة بذلك دفعة جديدة لهذا المجال في إطار رؤية متجددة، تضع في صلب انشغالاتها التنمية البشرية ومحاربة الفقر والمحافظة على القدرة الشرائية.

وتعد كل هذه الإنجازات "المرضية" ثمرة سنوات عديدة من العمل والإصلاح, تظهر أن المغرب, تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس, انخرط بكل وعي ومسؤولية في استراتيجية جديدة للإصلاح والتطهير والمصالحة والتضامن الاجتماعي.

وبمقدور المملكة اليوم، مواجهة مستقبلها بكل هدوء وإرادة وتفاؤل في أفق رفع التحديات، التي تفرضها العولمة والفقر والبطالة, ومواصلة تسريع وتيرة الإصلاحات والتحكم في الإطار الماكرو- اقتصادي، وتعزيز السياسات القطاعية الجاري العمل بها، مع تحسين مناخ الأعمال.

رضا برايم




تابعونا على فيسبوك