حركة وضجيج وحوار متبادل يصادفك وأنت تدخل مقر جمعية النهار للأشخاص المصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة.
التي تأسست بمبادرة من أشخاص مصابين بالفيروس لكن استطاعوا التعايش مع المرض، وأرادوا أن ينقلوا تجربتهم لغيرهم من المرضى وأن يخلقوا فضاء للحوار واللقاء مع بعضهم البعض.
تقول أمينة العربي، رئيسة جمعية النهار:" هدفنا هو تقديم نوع من الدعم النفسي الذي نجده أهم مطلب يحتاجه المريض. فلحد الآن، مازالت النظرة المجتمعية إلى هؤلاء غير موضوعية، لكننا استطعنا منذ التأسيس إلى اليوم أن نخلق أجواء جديدة للمرضى الذين أصبح بإمكانهم الحديث عن معاناتهم وعن تجربتهم والبوح بما في داخلهم بكل ثقة في النفس ودون حرج، وهذا ما يعطيهم أمل في الاستمرار في العيش وفي الحياة بشكل طبيعي".
تأسست جمعية النهار في 14 أبريل 2006، لتكون أول جمعية تجمع بين المصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة، إذ تأسست بمبادرة منهم، إيمانا بأنه لا أحد غيرهم يعي معاناتهم وحاجياتهم الحقيقية.
وترمي الجمعية إلى تحسين ظروف عيش المرضى، وتعليمهم كيفية التعايش مع مرضهم، كما تهدف إلى محاربة كل أشكال الإقصاء الاجتماعي والتمييز الذي يطالهم، حتى من طرف الأسرة، في الكثير من الأحيان.
" الجمعية ساعدت، منذ فاتح يناير 2008، أكثر من 200 مصاب، انخرطوا بالجمعية، على تقبل المرض وحالتهم الصحية، بعد أن استبد بهم اليأس، وتركوا العمل سواء بمحض إرادتهم، أو لأنهم طردوا، وفكر عدد منهم في الانتحار" تقول أمينة العربي.
جمعية النهار تسعى، اليوم، إلى الانخراط الكلي في المشروع الوطني لمحاربة السيدا، برسم 2007-2011، حتى تكون شريكة في مبادرات الدولة الرامية إلى تحقيق الوقاية والإعلام، وتمكين المصابين من التشخيص والوصول إلى العلاج، والتكفل بالمعالجة النفسية للمرضى ولعائلاتهم.
وهكذا، تضع الجمعية برنامجا سنويا يتضمن عدة أنشطة أهمها لقاءات، يومي الثلاثاء والجمعة، في إطار عملية "مجموعة دعم ومساندة" مصحوبة بوجبة غذائية للمرضى. " هذه اللقاءات تمكن المصابين بالفيروس من التعرف على مرضى آخرين يشعرون بالمعاناة نفسها، ما يعطيهم قوة وإحساسا بوجودهم داخل المجتمع، وقد تمكن العديد منهم من تجاوز الأزمة، خصوصا حين يحضرون جلسات الاستماع التي تشرف عليها المساعدة الاجتماعية، التي يطمئنون إليها، ويستطيعون التحدث إليها بكل صراحة ودون حرج".
المساعدة الاجتماعية، لبنى حربيلي، تصرح أن جل المرضى الذين استقبلتهم داخل الجمعية، تعرضوا لصدمة نفسية أثناء تلقيهم خبر إصابتهم بالمرض، " أريد أن أنتحر، هي أول كلمة يلقيها المريض على مسامعي، هكذا، يكون وقع الخبر قويا على المرضى إلى درجة يفقدون فيها الأمل في الحياة، بعد أن نبذتهم الأسرة والمجتمع".
وبعد حصة الاستماع، تبدأ لبنى في تحضير ملف عن المريض، بكل تفاصيل الحياة التي يعيشها منذ علمه بالإصابة، فالتقرب من المريض يجعله يشعر بالاطمئنان، وبضرورة الاستمرار في الحياة بشكل طبيعي مع كل ما يتطلبه الوضع من تعايش.
وهكذا، تسعى الجمعية إلى تحقيق انخراط قوي للمريض داخل عالم المرضى الآخرين
" هذا الانخراط الكلي سيساعده على تحمل حالته النفسية والتعايش مع مرض كان يخجل من ذكره. وبعد أسبوع فقط نلمس بالفعل تغييرا على حياته".
لكن الجمعية رغم ما يمكن أن تقدمه من مساندة لهؤلاء، تبقى المشاكل المادية مطروحة بشكل قوي، حيث إن أغلب المرضى من فئات اجتماعية فقيرة، إضافة إلى أن بعضهم يواجهون الطرد من العمل إن لم تساهم الأسرة هي الأخرى في نبذهم وإقصائهم.
تقول لبنى الحربيلي:" عملي كمساعدة اجتماعية، يحتم علي استدعاء أقرباء المريض والتحدث إليهم، وتقديم لهم المعطيات الضرورية حول المرض الذي يشكل لديهم عارا، وبالفعل فقد استطعنا أن نبدد تلك الفكرة الخاطئة التي تجعل الأسرة تقصي مريضها، ما يزيد الأمر استفحالا".
لبنى لم تتخوف يوما من التعامل مع هؤلاء المرضى بحكم الثقافة والفكر اللذين تتحلى بهما المساعدة الاجتماعية. وتحاول أن تكون جد قريبة من المريض، دون أن تصدر أي حكم، أو تبدي تدخلا في حياته الشخصية "فالحياد والتعامل بندية هما سمتا الدور الذي أقوم به داخل الجمعية".
تقوم الجمعية بعدة أنشطة، موازاة مع الاستقبال اليومي لحوالي ثمانية مرضى، كان آخرها المرافعة التي نظمتها، يوم 26 دجنبر، بالدارالبيضاء، من خلال ندوة حول "حقوق الأشخاص المتعايشين مع داء فقدان المناعة المكتسبة"، التي قدمت فيها معطيات حول المرض والمرضى، ومعاناتهم، مطالبة بحقهم في التطبيب، والتغذية المتوازنة، والتنقل إلى مراكز العلاج، والحصول على الدواء بالمجان، خاصة بالنسبة إلى المعوزين، إذ لا يعقل أن يدفع ثمن العلاج، حتى لو صادف ذلك الاحتفال باليوم العالمي للسيدا.
طموحات جمعية النهار كثيرة، لكن يحدها خصاص في الإمكانيات المادية " فمواردنا جد ضعيفة، ولحد الآن، ليست لنا شراكات مهمة، غير الصندوق العالمي لمحاربة السيدا والسل، الذي مكننا من إيجاد مقرنا الاجتماعي، ومن تنظيم الندوة الأخيرة بالدارالبيضاء، إلى جانب وكالة التعاون البلجيكي للتنمية ووزارة الصحة" تقول أمينة العربي.
ويستفيد المنخرطون من المرضى من خرجات ترفيهية تنظمها الجمعية كل 3 أشهر وهي خرجات ما زالت تقتصر على مدينة الدارالبيضاء، في أفق توسيعها إلى مدن سياحية أخرى.
ولا تغفل الجمعية برامج التحسيس والتوعية بالمدارس والثانويات والكليات. وانفردت الجمعية بنشاط تحسيسي أجرته رئيسة الجمعية على متن القطار" بغرض دحض فكرة نبذ المريض وإقصائه من المجتمع في الوقت الذي يكون مازال في قمة عطائه، والأخذ بعين الاعتبار أن حاملي الفيروس هم نشطاء في المجتمع".
الجمعية تقوم من حين إلى آخر بدورات تكوينية لفائدة الأعضاء والمسيرين، بهدف ضمان الاستمرارية في المساعدة والأخذ بأيدي كل المرضى الذين سيكثر توافدهم على الجمعية، طلبا للدعم النفسي قبل كل شيء.
إنها مبادرات ملموسة تهدف إلى الرفع من مستوى عيش المرضى المصابين، وطموحات أكبر في أفق تأسيس فضاء للاستقبال والاستماع والدعم للمرضى وعائلاتهم، وفضاء للإعلام والوقاية والتحسيس والتوعية بالتعفنات المتنقلة جنسيا،
والتمكين من الإدماج المهني للمرضى وتغيير النظرة السوداوية التي ينظر بها المجتمع إليهم.
كما تطمح الجمعية إلى إنشاء مشروع مأوى للاستقبال للمرضى " نتمنى أن نجد ممولا قادرا على تمكيننا من بقعة نبني عليها مشروعنا هذا الذي سيساعد المرضى كثيرا، على تلقيهم العلاجات في وقتها المحدد لها من طرف مركز التطبيب، خاصة أولئك القادمون من مدن بعيدة جدا" تشرح رئيسة الجمعية.
جمعية النهار تعي جيدا انعكاسات التدهور الصحي لأحد الوالدين على الأطفال، وتتوق لتوفير فضاء استقبال، من أجل تنظيم أنشطة ترفيهية للأطفال المصابين المصابين، تكون بمثابة حافز نفسي آخر لهم للتشبث بالأمل والحياة.
كما تعي جمعية النهار، جيدا، أن لا أحد يمكنه الحديث باسم المرضى، أو عن حالاتهم لأنهم أدرى بمعاناتهم، وبمشاكلهم، وبحاجياتهم أكثر. وبالتالي، فهم أحق بالإنصات إليهم، خاصة أن أغلبيتهم لم تعد بحاجة إلى التعامل بسرية " لأنه لا يمكن التكتم على المرض إذا أردنا التغلب عليه ومقاومته".
ولعل جمعية النهار للأشخاص المتعايشين مع الداء، أكثر وأول جمعية تلغي الطابوهات وتكشف عن وجه مرضاها، الذين يلجؤون إليها طلبا في المساعدة، دون سرية أو حرج. هؤلاء المرضى الذين يتساءلون عن مآل كل التبرعات التي تجمع باسم مكافحة السيدا، دون أن يتمكنوا، هم أنفسهم، من الحصول على دواء بالمجان.
جمعية النهار تأسست على أيدي مصابين بداء فقدان المناعة المكتسبة، عرفوا هم أيضا لحظات يأس، لكنهم قرروا تحمل مسؤوليتهم بأنفسهم، ويتشبثون بالحياة قدر الإمكان، ما دام المجتمع قد لا يتعامل معهم المعاملة الصحيحة بكل ما تقتضيه ظروفهم وحالتهم الصحية من تفهم ومساندة وتضامن، متجاهلا أن الكل معرض للإصابة، كما هو الحال بالنسبة إلى عدد من الأمراض الفتاكة الأخرى.
وهكذا، أخذ المؤسسون على عاتقهم مسؤولية الدفاع عن وجودهم في المجتمع، وعلى رأسهم أمينة العربي، ومنسقا، وأمينا للمال، الذين يمثلون المكتب المسير، ويوجد إلى جانبهم مؤطرون، هم الطبيب النفساني، والمساعدة الاجتماعية، والمستشار القانوني، كل واحد يجهد من جهته في سبيل التخفيف عن المرضى المنخرطين في الجمعية، معاناتهم والوقوف إلى جانبهم، مع مراعاة ضرورة حسن التعامل والإنصات والدعم النفسي الذي تقتضيه الحالات المعروضة على الجمعية.
كل ما يأمل هؤلاء، هو أن يجدوا الممولين لمشاريعهم التي تصب كلها المحسنين، من الفعاليات الحية في المجتمع التي يمكنها مد يد المساعدة إلى هؤلاء الذين هم بحاجة أكثر من غيرهم، إلى الإعانة المادية والنفسية:
شارع محمد الخامس، زنقة البكري، رقم 53
الهاتف: 022543986
الفاكس: 022543986
البريد الإلكتروني: [email protected]