ما تزال الصيحات المدوية, الصادرة عن مختلف الهيئات الوطنية والإقليمية والدولية, تتوالى في الوقت الراهن.
مثيرة انتباه البشرية إلى ما يحف بكوكب الأرض من مخاطر تهدد حياة الإنسان والحيوان والنبات, بسبب الآثار السلبية الزاحفة للتغيرات المناخية, الناتجة عن الاستغلال المفرط للثروات الطبيعية من طرف الإنسان, الذي داهمته هذه الحقيقة المرة, وهو غارق في تكديس المنافع دون التفكير في المآل الذي ينتظر الأجيال اللاحقة.
والمغرب, مثل غيره من البلدان النامية, معني بهذا التحدي, الذي يواجه أيضا الدول الأقل نموا, والبلدان المتقدمة على حد سواء, ما دام الطرف المعني بهذا التهديد هو الجنس البشري في المقام الأول, إذ أصبح الحديث في السنين الأخيرة حاضرا بقوة, حول النقص في التزود بالماء, وزحف التصحر, والتراجع المهول في المساحات الخضراء, وارتفاع حرارة الأرض وغيرها من الظواهر الطبيعية السلبية الأخرى, التي تلقي بثقلها الكبير على ميزانيات الدول, وتعرقل مسيرتها التنموية.
وتعيش منطقة سوس ماسة في الجنوب المغربي, واحدة من أخطر تجليات ظاهرة التغيرات المناخية, إذ من المعروف أن هذه المنطقة تتميز بمناخها شبه الجاف, الذي زادت من قساوته قلة التساقطات المطرية خلال العقود الثلاثة الأخيرة.
وموازاة مع ذلك, تشهد المنطقة نشاطا زراعيا مكثفا وعصريا, يستثمر آخر المستجدات الطارئة في مجال البحث الزراعي, مع استخدام التكنولوجيا الحديثة, ما يجعل اللجوء إلى استغلال الفرشاة المائية الجوفية أمرا لا مفر منه.
وتفيد المعطيات الصادرة عن المكتب الوطني للماء الصالح للشرب, أن 95 في المائة من المياه الجوفية المستغلة في حوض سوس ماسة موجهة للأغراض الزراعية, حيث ما تزال أزيد من50 بالمائة من المساحات الفلاحية في المنطقة تستخدم أساليب الري العتيقة, مقابل حوالي 40 ألف هكتار فقط تستعمل تقنية الري بالتنقيط, ما نتج عنه ضخ كمية من المياه توازي حوالي 729 مليون متر مكعب سنة 2003, بينما انحصرت كمية تطعيم الفرشاة الجوفية بالمياه المتجددة في حدود 358 مليون متر مكعب.
وإذا كانت نتيجة هذا الاستغلال المفرط للمياه الجوفية في منطقة سوس ماسة إيجابية على مستوى المردود الزراعي, إذ تنتج المنطقة أزيد من70 في المائة من صادرات المغرب الإجمالية من الخضر والبواكير, وأزيد من 60 في المائة من صادراته من مختلف أصناف الحوامض, فضلا عن تزويد السوق المغربية بقسط كبير من حاجياتها من المواد الاستهلاكية الزراعية, فإن هذا الاستغلال المفرط للموارد المائية له وقع سلبي خطير على الوضع البيئي في المنطقة بكاملها, إذ تكفي الإشارة في هذا الصدد إلى أن نسبة انحدار مستوى المياه الجوفية في بعض الأحواض السقوية في المنطقة يتراوح بين مترين ونصف وأربعة أمتار سنويا.
وإزاء هذه الوضعية المقلقة, دقت وكالة الحوض المائي لسوس ماسة ناقوس الخطر, محذرة من كون هذه المنطقة المحاذية لشاطئ المحيط الأطلسي, أصبحت مهددة بخطر زحف المياه المالحة, في حال استمرار الضغط بالطريقة الحالية على المياه الجوفية, دون أن يوازيه تجدد متزامن في التطعيم, مع ما سيترتب عن ذلك من هلاك للآلاف من الهكتارات من أشجار الحوامض, وغيرها من الأغراس الزراعية الأخرى, مثل الزيتون واللوز, وانقراض ملايين الأغراس من شجرة أركان, التي تشكل حاجزا طبيعيا أخضر أمام زحف الرمال الصحراوية على سهلي سوس وماسة, وربما على التراب المغربي بكامله, دون الحديث عن ضياع عشرات الآلاف من الهكتارات الأخرى المشمولة بزراعات الخضروات وكلأ الماشية, مع ما سيترتب عن ذلك من معضلات اجتماعية نتيجة ضياع مئات الآلاف من فرص التشغيل.
ومقابل هذه الحالة, التي تنبئ بوقوع كارثة بيئية وإنسانية, في حال استمرار الوضعية على ما هي عليه, لم يعد غض الطرف على استمرار عملية استنزاف الموارد المائية في سهلي سوس وماسة ممكنا, تحت أي ذريعة كانت. ما جعل التفكير ينصب على كيفية التعامل مع هذه الظاهرة البيئية والمناخية المعقدة, وهي المهمة التي انخرط فيها مجموعة من الفاعلين المؤسساتيين منهم من ينحصر عمله على الصعيد المحلي, ومنهم من يمتد مجال تدخله ليشمل المستوى الجهوي والوطني.
وانكب تفكير مختلف المتدخلين, في هذا السياق, وفي مقدمتهم وكالة الحوض المائي لسوس ماسة, باعتبارها الإدارة العمومية المشرفة على تدبير الملك العام المائي, على صياغة أفضل التصورات الممكنة الكفيلة بضمان الحق في التزود بالماء الصالح للشرب للأجيال المقبلة في منطقة سوس ماسة من جهة, ومن جهة ثانية الحفاظ على الثروة النباتية والزراعية التي تشكل جزءا أساسيا من النسيج الاقتصادي, ليس على صعيد هذه المنطقة فحسب, لكن على الصعيد الوطني, باعتبار مساهمة صادرات المنطقة في ميزان التجارة الخارجية المغربية, فضلا عن الأخذ في الحسبان حاجيات المنطقة من الماء بالنسبة إلى القطاع الصناعي, إذ تعتبر مدينة أكادير, عاصمة المنطقة, قطبا صناعيا على الصعيد الوطني, في ما يتعلق بالصناعات التحويلية المرتبطة بالمنتجات الزراعية والصيد البحري, إضافة إلى كونها قطبا سياحيا يتوافد عليه مئات الآلاف من السياح الأجانب سنويا.
والخلاصة التي أفضى إليها هذا التفكير, الذي يعد عصارة خبرة متراكمة متعددة الروافد, هو وضع مخطط عمل نموذجي تنخرط في تنفيذه جميع الأطراف المتدخلة في مجال المياه بمنطقة سوس ماسة من إدارات ومؤسسات عمومية, وغرف فلاحية, والجمعيات المهنية لمنتجي ومصدري المنتجات الزراعية, والمجالس المنتخبة, وبرلمانيي المنطقة, وجمعيات مستعملي المياه في أغراض الري, والسلطات المحلية, إذ اقتنع جميع المتدخلين بأن لكل واحد منهم دور يجب القيام به, في إطار منظومة موحدة, اصطلح على تسميتها بـ "التهيئة المندمجة والمستدامة للموارد المائية في حوض سوس ماسة".
وتشكل "الاتفاقية الإطار للحفاظ على الموارد المائية وتنميتها" في منطقة سوس ماسة, التي جرت المصادقة عليها في شهر شتنبر2007, بعد مضي 18 شهرا من المفاوضات, التي أشرف عليها عزيز أخنوش, رئيس مجلس جهة سوس- ماسة - درعة (قبل أن تسند إليه حقيبة وزارة الفلاحة والصيد البحري), محورا أساسيا في إطار هذه الخطة الإنقاذية, حيث تعتبر هذه "الاتفاقية الإطار" بمثابة خارطة طريق للتصدي للآثار السلبية للتغيرات المناخية في المنطقة, وبالتالي ضمان استمرارية الدور, الذي تضطلع به سوس ماسة في النسيج الاقتصادي الوطني. (و م ع)