سجلت منظمة "هيومن رايت ووتش" الحقوقية جملة من الخروقات في مجال حقوق الإنسان بمخيمات تندوف، على يد قيادة انفصاليي بوليساريو، وفي مقدمة هذه الخروقات واقع الاحتجاز وحالة الحصار المفروض على سكان المخيمات ضد إرادتهم.
وأبرزت المنظمة المستقلة، التي تتخذ من نيويورك مقرا لها، في تقرير أنجزته على أساس تحقيق ميداني في مخيمات الاحتجاز بتندوف، جنوب غرب الجزائر، الظروف المأساوية المفروضة على المواطنين المغاربة هناك، مشيرة إلى أن "حقوقهم الأساسية تظل هشة ومعرضة لكل أنواع الخرق، في ظل واقع العزلة، وغياب المتابعة المنتظمة لواقع حقوق الإنسان في الميدان".
كما حملت المنظمة، بشكل مباشر، الجزائر مسؤولية الانتهاكات المرتكبة في المخيمات، مسجلة "غياب أي مراقبة من طرف البلد المضيف، الجزائر، من أجل ضمان حقوق الصحراويين، الذين يعيشون في المخيمات، التي يديرها بوليساريو، على التراب الجزائري".
وأمام هذا الواقع المزري، يرى تقرير "هيومن رايت ووتش" أن على "مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، أن يحدث آلية للمراقبة ولصياغة تقارير عن شروط حقوق الإنسان في مخيمات تندوف".
وتوضح "هيومن رايت ووتش" أن تقريرها الجديد يقتصر على فترة ما بعد 2006، ولا يشمل الخروقات المرتبكة بالمخيمات في الماضي، وأن تقريرها ينطلق من مرجعية حقوقية صرفة، "من دون موقف بشأن النزاع" في قضية الصحراء المغربية.
وأبرزت المنظمة الحقوقية أن قيادة بوليساريو تهمش كل الذين يختلفون مع توجهاتها وطروحاتها السياسية، وقال التقرير إن جبهة بوليساريو تحتكر الخطاب السياسي في مخيمات تندوف، وتهمش وتضطهد كل الذين يطعنون في قيادتها، وكل الذين يعارضونها في القضايا الأساسية، موضحة رفض البوليساريو السماح بوجود أي تعبير عن الخلافات، في ظل انعدام تظاهرات، أو تنظيمات، أو وسائل إعلام، تعبر عن رأي مغاير لأطروحة الانفصال، أو عن مساندة المقترح المغربي للحكم الذاتي في الأقاليم الصحراوية.
وسجلت المنظمة الحقوقية وجود "جريدة ضعيفة، ومجموعة منشقين صغيرة" عن البوليساريو في مخيمات تندوف، "لكن من دون أي تأثير ملموس على الحياة العامة" للمحتجزين، في ظل هيمنة بوليساريو.
ويفسر تقرير المنظمة الحقوقية غياب معارضة سياسية بارزة في المخيمات بالدور المهيمن لقيادة بوليساريو في توزيع الموارد وترتيب الوظائف داخل المخيمات، بما يجعل السكان خاضعين لإرادة وحسابات هذه القيادة.
وفي هذه الأجواء، يضيف التقرير، تنعدم إمكانيات وشروط التعبير عن المعارضة، ويضطر المعارضون إلى الصمت، وأورد التقرير، في هذا السياق، حالة مقيم سابق اضطر لمغادرة مخيمات تندوف، أوضح خلال التحقيق أن "الأشخاص الراغبين في معارضة البوليساريو من داخل تندوف لا يستطيعون التوجه إلى أي مكان، وبالتالي، ينتهي بهم المطاف بمغادرة المخيمات".
وفي موضوع حرية التنقل، أكد كل الذين التحقوا بالمغرب من مخيمات تندوف أنهم ظلوا متسترين بشأن وجهتهم، خوفا من منعهم من السفر من طرف البوليساريو. وهذا الخوف هو الذي يدفع العديد من المحتجزين إلى المغادرة من دون أمتعتهم، ومن دون أفراد أسرهم، ما يعرضهم لكل أنواع المعاناة النفسية.
ولا يتوقف مسلسل خرق حقوق الإنسان في مخيمات تندوف عند هذا الحد، إذ تسجل "هيومن رايت ووتش" حالات من الرق والعبودية، ويقول التقرير إن ابوليساريو،
الذي يعلن لفظيا معارضته للرق، مطالب بفعل الكثير من أجل القضاء على ممارسة العبودية، التي ما زالت تمس عددا من المقيمين ذوي البشرة السوداء في المخيمات.
وتحدث السود، وهم أقلية في مخيمات تندوف، لمنجزي التحقيق عن رفض بعض قضاة وإداريي البوليساريو تحرير عقود الزواج لفائدة نساء من هذه الفئة، يجري تصنيفهن "إماء"، إلا في حال موافقة "مالكيهن" على ذلك، بما يعني أن "المالك" أو "السيد" يستطيع أن يمنع امرأة من الزواج.
وأمام هذه الخروقات، تقدم "هيومن رايت ووتش" مجموعة من الاقتراحات، من ضمنها توسيع مهام بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، لتشمل مهمة وضع تقارير عن واقع حقوق الإنسان في مخيمات تندوف، فوق التراب الجزائري، أو إحداث آلية أخرى تتمكن الأمم المتحدة بواسطتها من مراقبة الوضع الحقوقي في هذه المخيمات.
كما تقدم المنظمة اقتراحات جوهرية في المجال الحقوقي، مثل ضرورة فرض احترام كل حقوق الإنسان بالمخيمات، وحرية التنقل، بما يجعل المقيمين في تندوف يدركون أن لهم الحق في مغادرة المخيمات إلى وجهة أرادوا، بما في ذلك حق الانتقال للاستقرار في المغرب، وتعديل القانون الجنائي في المخيمات لتعزيز حق التجميع العائلي، والقضاء على الرق والاستعباد، وتوسيع برامج الزيارات العائلية، بتنسيق بين الأمم المتحدة والمغرب، لإضافة التنقل البري، لضمان مشاركة واستفادة عدد أكبر من الأسر من هذه الزيارات.