مشروع الحكم الذاتي.. عملية لترسيخ الديمقراطية المحلية

الثلاثاء 16 دجنبر 2008 - 20:13

لا يمكن بالمرة فصل مشروع الحكم الذاتي الخاص بالأقاليم الصحراوية، كما قدمه المغرب في أبريل 2007 للأمم المتحدة، عن المسلسل الديمقراطي، الذي انخرطت فيه المملكة.

والذي قطع في السنوات الأخيرة، مرحلة مهمة، اتسمت بإقرار إصلاحات أساسية في مجال الحريات والحقوق المدنية.

فالمبادرة المغربية للحكم الذاتي يتعين إدراجها في سياق أوراش التغيير، التي جرى إطلاقها في العديد من قطاعات الحياة العمومية، التي تتميز بمنحها الأولوية لمكون "حقوق الإنسان"، الضروري من أجل تعزيز تلاحم المجتمع المغربي، الذي انصهر فيه السكان الصحراويون بشكل جيد ودائم.

وبتمكين سكان هذه المنطقة من تدبير شؤونهم الخاصة، يجري إعمال منطق الحكم الذاتي التنظيمي والوظيفي، الذي يعني منح هامش جد كبير من الحريات بالنسبة للهيئات المنتخبة في تحديد الاستراتيجيات والأولويات المحلية في المجالات السياسية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية.

وينضاف إلى ذلك، أن سكان الجهة يستفيدون من الحقوق والحريات المتعارف عليها عالميا، المدرجة في دستور المملكة. ويتضمن مشروع الحكم الذاتي بذلك جميع مقومات إرساء ديمقراطية محلية حقيقية، على أساس مقاربة تشاركية تشرك المواطنين في تنمية الجهة، وفي تدبير الشؤون العمومية.

فمنذ بضع سنوات، قارب المغرب ومن دون مركب نقص أو طابوهات، العديد من الملفات التي تتصل بملف حقوق الإنسان والتأهيل السياسي.

ومثلت قضية الصحراء على الدوام جوهر هذه الدينامية، بالنظر إلى البعد الوطني الكبير الذي تكتسيه، وإلى الوضع المأساوي لمحتجزي مخيمات تندوف، ومأساة التمزق الأسري التي يعانونها.

وتسلحا منها بالشجاعة والعزيمة نفسيها في تحقيق العدل، اللتين ميزتا عمل الذاكرة الذي أنجزته هيئة الإنصاف والمصالحة، قدمت المملكة مقترحا يقضي بمنح حكم ذاتي موسع للصحراء، يجمع بين الوحدة الوطنية والخصوصية الجهوية، فضلا عن كونه يضع الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للسكان المحليين فوق كل اعتبار.

ومن هذا المنطلق، سيسمح مخطط الحكم الذاتي الذي يمنح مخرجا لهذا النزاع المصطنع، بوضع حد لمعاناة السكان الصحراويين، وبالتالي الحفاظ على مصالح مواطني هذا الجزء من المملكة، مع احترام ثوابت السيادة الوطنية.

ومما جاء في النقطة الثالثة لمشروع الحكم الذاتي، أن "هذه المبادرة تندرج في إطار بناء مجتمع ديمقراطي حداثي، يرتكز على مقومات دولة القانون والحريات الفردية والجماعية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. وهي مبادرة واعدة بانبثاق مستقبل أفضل لسكان الجهة، فضلا عن أن من شأنها أن تضع حدا للمعاناة من الفراق، والنفي وأن تساعد على تحقيق المصالحة".

إن الأمر لا يتعلق، إذن، بعملية لامركزية بسيطة من خلال تفويض بعض الاختصاصات للأقاليم الجنوبية، وإنما بإرادة فعلية تروم تمكين سكانها من الاستفادة من الثروات الطبيعية لجهتهم والتعبير بشكل كامل عن خصوصياتهم الثقافية، التي تشكل مكونا من مكونات الهوية الوطنية.

وفي هذا الإطار، فإن الحكم الذاتي يتحول إلى "شكل من تقرير المصير"، وهو الأمر الذي ما انفك المسؤولون المغاربة يشرحونه، اقتناعا منهم، أكثر من أي وقت مضى، بنجاعة هذه المبادرة، التي لن تساهم فقط في ترسيخ الحكامة المحلية، باعتبارها منبثقة عن سياسة القرب، بل ستعطي كذلك دفعة جديدة للامركزية على الصعيد الوطني ولمشاركة المواطنين في التدبير المحلي، باعتباره وسيلة فعالة للاندماج الاجتماعي.

وتشير النقطة الخامسة من مشروع الحكم الذاتي إلى أن "سكان الصحراء سيتولون، وبشكل ديمقراطي، تدبير شؤونهم بأنفسهم من خلال هيئات تشريعية وتنفيذية وقضائية، تتمتع باختصاصات حصرية. كما ستوفر لهم الموارد المالية الضرورية لتنمية الجهة في كافة المجالات، والإسهام الفعال في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمملكة".
كما أن بإمكان السكان المحليين، وبواسطة الاقتراع العام، انتخاب من يعتبرونهم أهلا لتمثيلهم داخل البرلمان وتدبير الشؤون الجهوية في إطار الحكم الذاتي.

وبخصوص الموارد، فإنها ستتأتى أساسا من الضرائب والرسوم والمساهمات المحلية المقررة من لدن الهيئات المختصة للجهة، والعائدات المتأتية من استغلال الموارد الطبيعية المرصودة للجهة.

ويعدد المشروع وسائل مالية أخرى، مثل الموارد الضرورية المخصصة في إطار التضامن الوطني، وعائدات ممتلكات الجهة. ويشهد الاستقلال المالي الجهوي، إحدى ركائز هذا المشروع، على إرادة جعل الصحراء قطبا اقتصاديا فعليا يتوفر على جميع المؤهلات والشروط لإنجاح التنمية المحلية، وهو أمر مفيد للغاية بالنسبة لترسيخ حكامة محلية جيدة.

لقد استحضر المغرب، الذي تحذوه روح المصالحة الوطنية نفسها التي وسمت عملية معالجة الخروقات الماضية لحقوق الإنسان، جميع ضمانات الاندماج بالنسبة للصحراويين الذين سيعودون إلى ذويهم .

وينص مشروع الحكم الذاتي على أن "تتخذ المملكة المغربية كافة الإجراءات اللازمة من أجل إدماج الأشخاص الذين تجري عودتهم إلى الوطن إدماجا تاما في حظيرته، في ظل ظروف تكفل الحفاظ على كرامتهم وسلامتهم وحماية ممتلكاتهم".

وأكثر من ذلك، يتضمن المخطط "عفوا شاملا يستبعد أي متابعة أو توقيف، أو اعتقال أو حبس، أو أي شكل من أشكال الترهيب، ينبني على وقائع مشمولة بهذا العفو".

ويروم مشروع الحكم الذاتي، الذي فرض نفسه كحل مشرف لجميع الأطراف، أساسا حماية مصالح السكان، الذين أدوا الثمن غاليا جراء تعنت الطرف الآخر.

وبرده الاعتبار للصحراويين، رجالا ونساء، سيكون هذا المقترح، عند تنفيذه، قد أدى مهمته الكبرى، المتمثلة في إقرار الحقوق والحفاظ على الكرامة.




تابعونا على فيسبوك