تلقت الفعاليات النسائية، بكثير من الارتياح، إعلان المغرب عن رفع تحفظاته بشأن الاتفاقية الدولية للقضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة ( سيداو). وهو القرار الذي تضمنته الرسالة الملكية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس، للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، بمن
واعتبر عدد من المناضلات النسائيات في تصريحاتهن لـ "المغربية" أنها خطوة جديدة تنضاف إلى المكتسبات التي تحققت للمرأة خلال العشر سنوات الأخيرة، كما تعتبر إنصافا لنضالات الحركة النسائية من أجل القضاء على كل المعيقات، التي تحول دون إقرار حقوق المرأة كاملة.
نعتبر أن هذه خطوة جد إيجابية، فهي تستجيب لمطالب الحركة النسائية، وللتطور الذي يعرفه المغرب في مجال حقوق الإنسان، وحقوق المرأة بصفة خاصة. فرفع التحفظات عن الاتفاقية الدولية للقضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة أصبح بالفعل ضرورة، انسجاما مع التغييرات التي جرت على مستوى التشريعات المغربية. كما أن تطور الوضع الدولي لحقوق النساء تجاوز، اليوم، مسألة النصوص، ليبدأ التفكير في التفعيل، إذ على جميع الدول رفع تحفظاتها، والنظر بواقعية وبشكل منطقي لدور المرأة في المجتمع.
إذن، موقفنا واضح من هذه الخطوة التي نثمنها ونعتبرها تنسجم مع تطور الواقع، استجابة فعلية لمطالب الحركة النسائية. إلا أننا نقول، في الوقت نفسه، إنه إذا لم يرافق الأمر آليات تفعيل، فسيبقى من دون جدوى.
إن مسألة التحفظات لم تكن مقبولة دوليا، والمجتمع الدولي لم يكن يجد لها أي مبرر ما سيجعل لسحب المغرب لها وقعا إيجابيا، خصوصا بالنسبة للدول العربية والإسلامية، يعني إنها خطوة ستكون جديرة بالتحفيز، وإحراز التقدم والمكتسبات بالنسبة إلى النساء، في الدول التي ما زالت حكوماتها تتحفظ على الاتفاقية. ولهذا نعتقد أن الرفع، كبادرة سبق إليها المغرب، سيكون له تأثير على هذا المستوى.
كما نقول إن المبررات التي استندت إلى ما هو ثقافي أو إلى الشريعة أو إلى خصوصية وهوية الدولة، لم تعد مجدية في وقت عرفنا فيه عدة تغييرات على مستوى التشريع، وعلى رأسها مدونة الأسرة، التي أظهرت أن التشريع هو تنظيم لواقع محكوم عليه بالتطور والتحول باستمرار. وبالتالي لا يمكن لهويتنا أن تكون مثبطا يجرنا إلى الوراء، بل إن المحافظة على هذه الخصوصية لا يمنعنا أبدا، من الانسجام مع التطور الذي يشهده العالم. ثانيا، بالنسبة إلي، إن المبررات غالبا ما كانت مرتبطة بالعقليات، حان الوقت كي نواجهها، اليوم، بذلك التوجه السياسي الذي يدفع في اتجاه قرارات ملموسة. وهذا الرفع نعتبره اليوم قرارا سياسيا ملموسا أتى في وقته.
نعتبر أن الرسالة الملكية التي جاءت في الذكرى الـ 60 لحقوق الإنسان، وخاصة في النقطة المتعلقة برفع جميع التحفظات عن اتفاقية القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة، هو مكسب حقوقي ونسائي ناضلت من أجله الحركة النسائية، منذ مدة طويلة، ويعزز ويقوي المكتسبات، التي تحققت من خلال مدونة الأسرة. فالمصادقة من دون تحفظ هو خطوة جريئة وإيجابية في مبدأ المساواة الحقيقية بين الجنسين، في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والمدنية والسياسية، من أجل تمتيع المرأة بالمواطنة الكاملة، واحترام كافة حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دوليا.
واليوم، إذ يؤكد المغرب على إرادته واستعداده لاحترام حقوق المرأة، وضمانها كاملة وصون كرامتها، نتمنى من أن تحذو حذوه جميع الدول العربية، وأن تسير على المسار نفسه من أجل مواطنة كاملة للمرأة.
بالإضافة إلى ذلك، نعتبر أن العمل على نشر وإشاعة ثقافة حقوق الإنسان، هي كذلك نقطة إيجابية تشتغل عليها الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة منذ مدة، على اعتبار أن نشر هذه الثقافة يعني نبذ للعنف، وللتمييز، وللتطرف، وتربية نشء يؤمن بالمساواة الحقيقية بين الجنسين.
ومن جهتنا، كجمعية تؤمن بكل هذه المبادئ، وتجعل منها قطب الرحى لبرامجها وأهدافها، فإننا سنعمل، في الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة، على شرح، للنساء المستفيدات من خدمات الرابطة، وخدمات مراكز الاستماع والإرشاد القانوني، خاصة المستفيدات من برنامج محو الأمية، البنود والمقتضيات الدقيقة لاتفاقية سيداو، التي تتلخص في 30 مادة، نعتبرها الأساس الذي يمكن الارتكاز عليه لملاءمتها مع القوانين المحلية، مثل قانون الشغل، والقانون الجنائي، و أساس للمطالبة بإصدار قانون لمناهضة العنف ضد المرأة، الذي يجب أن يتلاءم بدوره مع هذه الاتفاقية الدولية.
إن الرسالة الملكية كانت واضحة، وتشكل، بالفعل، خطوة رائدة تنضاف إلى سلسلة الإصلاحات والمكتسبات التي تحققت للمرأة المغربية حتى الآن. ومنطوق الرسالة يوضح أن للمغرب رغبة ليخطو خطوات كبيرة نحو الأمام. كما نعتبرها رسالة موجهة لمجموعة من الفرقاء السياسيين والحقوقيين، عليهم الاقتداء بها، ويشرعون في تفعيل وتكريس مكاسب حقوق الإنسان، بصفة عامة، وحقوق المرأة، بصفة خاصة. وأعتقد أنه في إطار الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، اشتغلنا بشكل كبير من أجل رفع التحفظات، وقدمنا تقارير في 2001 وفي 2003 ، والتقريرين الثالث والرابع في 2007، واشتغلنا من أجل رفع التحفظات حتى على المستوى الإقليمي. ونعتبر أن الرسالة الملكية، اليوم، هي استجابة لهذه المطالب ولجميع مناضلات الحركة الحقوقية والنسائية، وهذا يبين على أننا دخلنا فترة جديدة من التعبئة والنضال في اتجاه تحقيق المساواة الكاملة والحقيقية بين الرجال والنساء.
إن المغرب يسجل، مرة أخرى، السبق بين الدول العربية، ويشكل قدوة بالنسبة إلى هذه الدول حتى تسعى، هي كذلك، لرفع تحفظاتها على الاتفاقية. والمغرب شكل، دائما، نموذجا في ما يخص تحقيق فلسفة ثقافة حقوق الإنسان، وما زال يصر على أن يبقى عنده هذا السبق على المستوى العربي، مع أن هذه المسألة لا تعفي من القول إنه إذا جرى التوقيع على البروتوكول الاختياري للاتفاقية، ستكون البادرة أشمل، وبالتالي، يمكن ترتيب المغرب في مصاف الدول التي لها رغبة في تفعيل مقتضيات الاتفاقية الدولية، كمرجع وإطار لتحقيق المساواة الحقيقية بين الجنسين.
فمع تطور القوانين المغربية لم يعد للتحفظات أي مبرر، اليوم، خصوصا بالنظر إلى الموقع المتقدم الذي أحرزه مع الاتحاد الأوروبي، إذ يبين أن المغرب، وهو يفتح مجموعة من أوراش الإصلاح، فإنه يتوجها بعدد آخر من المكتسبات، فقط، نأمل أن تليها خطوات أخرى مثل التوقيع على البروتوكول الاختياري، والمصادقة على قانون العنف ضد النساء، وتغيير القانون الجنائي بفلسفة وروح تطبعها المساواة وتناهض التمييز. كما نأمل أن يكون لهذا الرفع انعكاسه على الانتخابات الجماعية المقبلة في أفق تحقيق الثلث في اتجاه المناصفة.