إشارات ملكية قوية لجعل الدولة المغربية تستقر على طريق النهوض بحقوق الإنسان

معركة متواصلة لترسيخ دولة القانون

الأربعاء 10 دجنبر 2008 - 21:39
هيئة الإنصاف والمصالحة تجاوزت المجال الحقوقي الضيق إلى المشروع الأكبر للإصلاح

عرف المغرب، على امتداد السنوات الماضية، دينامية ملموسة على مستوى تعزيز آليات النهوض بحقوق الإنسان، ليس فقط في بعدها السياسي، بل في شموليتها، بما يتعلق بالأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

في السياق العام لمشروع الإصلاح وبناء الدولة والمجتمع الديمقراطي الحداثي، باعتباره الإطار الأمثل المنشود لتنظيم العلاقات بين الدولة والمواطن، وممارسة السياسة في إطار ملائم، على قاعدة التدبير السليم والمتحضر للخلافات، وإنجاز التنمية الشاملة، بخلق الثروة وتوزيعها بصورة عادلة بين الأفراد والجماعات والجهات.

وبالإضافة إلى المرجعية الحقوقية الدولية، المجسدة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الصادر عن منظمة الأمم المتحدة، في 10 دجنبر 1948، يستند اهتمام المغرب بموضوع حقوق الإنسان إلى المرجعية الملكية والدستورية، إذ ينص دستور البلاد على احترام حقوق المغرب لحقوق الإنسان، كما هو متعارف عليها عالميا، وفي أول خطاب للعرش لجلالة الملك محمد السادس، شدد جلالته على هذا البعد، بصيغة واضحة ومعبرة، إذ ورد في خطاب 30 يوليوز 1999 "نحن مصممون العزم على مواصلة مسيرة التطور والنماء لصالحك، شعبي العزيز، ولفائدة فئات جميع الشعب (...) وإقامة دولة الحق والقانون، وصيانة حقوق الإنسان، والحريات الفردية والجماعية، وصون الأمن، وترسيخ الاستقرار للجميع".

شكل ذلك الخطاب إشارة قوية على إرادة جلالة الملك لجعل الدولة المغربية تستقر على طريق النهوض بحقوق الإنسان، وترسيخها، ليس فقط في العلاقة بين السلطة والمواطن، بل، أكثر من ذلك، جعل هذه الحقوق تستقر في الممارسة اليومية، وتترسخ كثقافة. كما توسع مفهوم هذه الحقوق، ليخرج من المجال السياسي الضيق، مع أهميته، إلى مجالات أوسع وأشمل، تهم الحقوق الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية.

ومنذ ذلك الخطاب الملكي، المؤسس والمرجعي في موضوع حقوق الإنسان، تكاد الخطب والرسائل الملكية لا تخلو من الإشارة، تصريحا أو تلميحا، إلى حق من حقوق الإنسان، والحث على النهوض بها، في أبعادها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وترسيخها تربية وممارسة، وفق خارطة طريق واضحة المعالم، وجلية الأهداف، محورها الإنسان، وبهدف أسمى، هو ضمان كرامته، وتحقيق رفاهيته، وصون حقوقه، كما هي متعارف عليها عالميا، في سياق المشروع المجتمعي الديمقراطي والحداثي، المعلن بهذه الصيغة، لأول مرة، في خطاب ملكي.

وتشكل بعض الخطوات محطات بارزة ومعبرة عن هذا الانخراط، تتمثل عناوينها الرئيسية في المفهوم الجديد للسلطة، وهيئة الإنصاف والمصالحة، وتطوير عمل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، وإحداث ديوان المظالم، وإقرار مدونة الأسرة، وحقوق الطفل، فضلا عن إصلاح الحقل الديني، وإصلاح العدل، بهدف "ترسيخ دولة القانون والنهوض بحقوق الإنسان من خلال دعم وتحديث التشريعات والمؤسسات"، وانطلاقا، كما قال جلالة الملك، من أن "مرجعيتنا الإسلامية، القائمة على تكريم الإنسان، ومبادئ الحرية والمساواة والإنصاف والتضامن، تنسجم، في جوهرها، مع المرجعية الكونية لحقوق الإنسان".

في هذا السياق، يحضر عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، التي تكمن أهميتها في كونها تجاوزت المجال الحقوقي الضيق إلى المشروع الأكبر للإصلاح، كما كرست ذلك توصياتها في تقريرها النهائي. وسعت المقاربة المعتمدة من طرف الهيئة إلى أن تكون شمولية وتشاركية، تسعى إلى التأسيس للمستقبل، فالهدف الأسمى هو أن تشكل خلاصة تحرياتها وتحقيقاتها "خريطة طريق" لفائدة الدولة والفاعلين السياسيين والفعاليات المجتمعية والجامعية، والمجتمع بصفة عامة، على طريق البناء الديمقراطي، واحترام حقوق الإنسان ثقافة وممارسة.

وغداة إنهاء الهيئة مهمتها، نصب جلالة الملك المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، الذي يهدف، بالإضافة إلى بلورة توصيات الهيأة، إلى "تزويد بلادنا بمؤسسات كفيلة بتقويم الاختلالات، وردع الانتهاكات، التي قد تمس حقوقهم مساهمة، باقتراحاتها العملية في الإصلاح التشريعي والقضائي والإداري"، لاسيما أن المجلس "يتوجه نحو مغرب المستقبل، الذي نريد له أن يكون مغرب الترسيخ النهائي لحقوق الإنسان".

وتعزيزا لهذا المسار، أحدث ديوان المظالم، لدعم الأجهزة المكلفة، تحت رعاية جلالة الملك، "برفع المظالم وإحقاق الحقوق وحماية الحريات، التي تعد من أقدس مهام الملك، أمير المؤمنين"، فضلا عن كونه يعطي "بعدا آخر ملموسا لمفهوم السلطة، القائم على جعلها في خدمة المواطن والتنمية، وعلى قربها منه، والتزامها بضوابط سيادة القانون، والإنصاف".

كما شكلت وضعية المرأة والطفل ورشا مهما في صلب المشروع المجتمعي الحداثي، وقضية جوهرية في دمقرطة المجتمع ، فكانت مدونة الأسرة ، التي تعتبر، بشهادة الأوساط الحقوقية الدولية، ثورة في هذا المجال ، ثورة كانت "شرارتها" الأولى ذلك التساؤل الذي طرحه جلالته في 20 غشت 1999 حينما قال "كيف يمكن الرقي بالمجتمع، والنساء اللواتي يشكلن نصفه تهدر حقوقهن ويتعرضن للحيف والعنف والتهميش، في غير مراعاة لما خولهن ديننا الحنيف من تكريم وإنصاف؟".

وتوخت هذه المدونة، التي رسم جلالته خطوطها العريضة في خطاب 10 أكتوبر2003 أمام البرلمان، تكريس المساواة بين الرجل والمرأة، وخلق التوازن الأسري، من خلال حفظ كرامة الزوج، وإنصاف الزوجة، وحماية حقوق الطفل.

ثم جاء مشروع "الجهوية المتقدمة"، المعلن في الخطاب الملكي في الذكرى 33 للمسيرة الخضراء، لتعزيز البناء العام، باعتبار أن هذا المشروع يعد "إصلاحا هيكليا عميقا"، وورشا واعدا "لترسيخ الحكامة المحلية الجيدة، وتعزيز القرب من المواطن، وتفعيل التنمية الجهوية المندمجة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية".

وبما أن حقوق الإنسان لا يمكن أن تستقيم من دون الحق في التنمية، التي هي "حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف"، كما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإذا كان الربط بين التنمية وحقوق الإنسان أعطى للتنمية ذلك البعد الإنساني، وجعل منها هدفا ساميا، فقد جاءت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعلن عنها جلالة الملك في ماي سنة 2005، لتجسد هذا المبدأ على أرض الواقع باعتبارها تندرج "ضمن رؤية شمولية، تشكل قوام مشروعنا المجتمعي، المرتكز على مبادئ الديمقراطية السياسية، والفعالية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي، والعمل والاجتهاد، وتمكين كل مواطن من الاستثمار الأمثل لمؤهلاته وقدراته".

وبفضل هذه المنجزات المهمة على المستوى المؤسساتي والرسمي، مع وجود حركة حقوقية مستقلة ونشطة، كتعبير عن احترام جميع الحساسيات العاملة في المجال الحقوقي، في إطار دولة القانون، أصبح المغرب، اليوم، يتبوأ مكانة متميزة على الصعيد العالمي، بتجربة وإنجازات نموذجية، حققت مكاسب إضافية للبلاد في محيطها الإقليم والدولي.




تابعونا على فيسبوك