ترتفع محن خادمات البيوت الصغيرات خلال أيام البرد، إذ تعاني أغلبهن مضاعفات بعض الأمراض بفعل الرطوبة.، ويواجهن الحرمان من الاستشفاء.
إضافة إلى أن العمل المضني لما يزيد عن 12 ساعة يوميا، يرفع من تردي أوضاعهن الصحية.
وفي الوقت الذي تخلد الجمعيات الحقوقية الذكرى 49 لصدور إعلان حقوق الطفل، والذكرى 17 لصدور اتفاقية حقوق الطفل، ما تزال العديد من الطفلات القادمات إلى الدارالبيضاء من المناطق النائية يعانين الحيف والحرمان من الحقوق التي يتمتع بها غيرهن من طفلات الأسر البيضاوية، إذ تجري مشاهدتهن في الصباح الباكر في المخبزات وفي الدكاكين، أو يكنسن وينظفن الواجهات الأمامية للمنازل التي يشتغلن بها. كما توجد عينة منهن في طريق بعض المدراس يرافقن الصغار.
وعبرت بعض الصغيرات التي التقتهن "المغربية" عن معاناتهن لتردي أوضاعهن الصحية في أيام البرد، خصوصا الأمراض مثل الروماتيزم والربو، والإصابات الحادة بالزكام، كما أشرن إلى حرمانهن من العلاج العصري، إذ أكد بعضهن أن ربات البيوت يعتبرن ذلك مكلفا، فيعمدن إلى الطب التقليدي، الذي يترتب عنه أحيانا تردي أوضاعهن الصحية.
وفي تصريحها قالت نعيمة، ( 10 سنوات)، قادمة من ضواحي بركان إنها أصيبت بداء الربو منذ ستنين، وترتفع معاناتها في بداية كل موسم، خصوصا الخريف والشتاء، ولا تهتم ربة البيت بمرضها، وتعتبر علاجها يؤثر على مصاريف البيت، مضيفة أن ربة البيت تهددها بخصم تكاليف البخاخ، الذي تستعمله للتخفيف من نوبات ضيق التنفس من أجرتها التي تبلغ 400 درهم شهريا، كما أكدت أن البهو الذي تنام فيه كبير جدا وباردا وأن الغطاء لا يحميها من برد الليل القارس.
وأضافت أنها أصيبت بالزكام بسبب خروجها في الصباح الباكر إلى الدكان من دون معطف، وأن اللباس الذي ترتديه لا يحميها أيضا من برد الصباح.
أما سعيدة (12 سنة) فأكدت في تصريحها أنها تفكر في الفرار من المنزل الذي تشتغل فيه، غير أنها تخاف الاعتداء عليها في الشارع العام، وعبرت عن تدمرها من حياة العبودية والاستغلال، لأنها تبدأ العمل في السادسة صباحا بغسل الأواني، وتنظيف الطابق السفلي الذي يتناول فيه أبناء ربة البيت وجبة الإفطار، إلى غاية 12 ليلا، إذ تنتظر أن يلجأ الجميع للنوم، وتتأكد أن لا أحد في البيت يحتاج خدماتها، فتركن عند ذلك إلى مكانها لتنام وحيدة، بعيدة عن الدفئ العائلي، ولا تجد صدرا حنونا تشكي له أثعابها.
وأضافت أن عملها يزيد من معاناتها من داء الروماتيزم، مشيرة إلى أصابعها الصغيرة قائلة، إن الاعوجاج الذي لحق بها يعود إلى كثرة الأعمال اليدوية التي تقوم بها، خصوصا غسل الملابس.
وأكدت سعيدة، التي كانت ترافق أحمد إلى الروض، أنها كانت من التلميذات المميزات في مدرستها، وكانت تحلم أن تكون طبيبة تعالج والدتها، التي كانت تعاني سرطان الثدي، غير أن الأقدار غيرت مجرى حياتها، فماتت أمها، وجرى تسريح والدها من العمل، فذهبت أختها التي تصغرها سنا لتعيش في منزل جدتها، فيما وجهت هي إلى منزل عمها في الدارالبيضاء، الذي وعد والدها بأنه سيتكفل بدراستها، الأمر الذي لم يلتزم به، إذ أن الزوجة أصبحت تعتمد عليها في إنجاز بعض الأعمال المنزلية، مقابل التكفل بدراستها، ما ساهم في رسوبها وتحويلها خادمة صغيرة في الدارالبيضاء، بعدما كانت "أميرة" صغيرة في بيت والديها.
وتعد حالة نعيمة وسعيدة أحسن من حال حكيمة التي حكمت عليها الأقدار أن تتنقل من منزل إلى منزل، بحثا عن الرحمة والحنان والعطف الذي افتقدته منذ مغادرتها منزل والديها في سن السادسة.
وقالت لـ "المغربية" إنها تنقلت بين 11 بيتا في الدارالبيضاء، ولم تجد ولم ربة بيت واحدة تعوضها حنان والديها المفقود، كما أكدت أن حزنها لا يعود فقط إلى كثرة الأعمال التي تقوم بها في البيت، بل إلى إهمالها عند إصابتها بنوبات الربو في غرفة صغيرة في سطح المنزل الذي تشتغل فيه، حيث تمكث هناك جل أيام الشتاء إلى غاية تحسن صحتها، ولا يهتم أصحاب المنزل بعلاجها.
ورغم مطالبة العديد من الجمعيات الحقوقية بضرورة حماية هذه الفئة من الفتيات، ما تزال الظاهرة منتشرة في العديد من المدن الكبرى، بسبب الاعتماد عليهن في البيوت المغربية، ولا توجد أي مراقبة للظروف التي تعمل بها الخادمات الصغيرات.
وبمناسبة الذكرى 49 لصدور إعلان حقوق الطفل والذكرى 17 لصدور اتفاقية حقوق الطفل، أوضحت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان في تصريح، توصلت "المغربية" بنسخة منه، أن وضعية الطفولة سواء عالميا أو إقليميا أو وطنيا، جد مقلقة، ذلك أن أهداف الألفية التي تبنتها 189 دولة في أفق 2015 لم تحقق طموح المنتظم الدولي في بلوغ عالم جدير بأطفاله، إذ أن 218 مليونا من الأطفال يجري تشغيلهم ضدا على اتفاقيات وتوصيات منظمة العمل الدولية، وأيضا وحسب تقارير اليونسيف فإن 250 ألف طفل هم مجندون ويجري الزج بهم في النزاعات المسلحة، إضافة إلى تنامي العنف والاستغلال الجنسي للأطفال.
وأكدت الجمعية أنه على الصعيد الوطني فرغم من تصديق المغرب على اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكولين الملحقين بها، واحتضان المغرب للعديد من التظاهرات ذات الصلة بحقوق الطفل، وعلى رغم اتخاذ بعض الإجراءات الإيجابية تمثلت على الخصوص في رفع سن تشغيل الأطفال إلى 15 سنة، إذآلاف الأطفال يجري الزج بهم قي عالم الشغل واستغلالهم في أعمال مضرة بنموهم وصحتهم، في غياب أي حماية أو مراقبة قانونية.
وطالبت الجمعية في تصريحها بضرورة إصدار القانون المنظم لعمل خادمات البيوت، قصد تمكين أجهزة تفتيش الشغل من مراقبة ظروف التشغيل في البيوت ومعاقبة مستغلي الطفلات دون السن القانونية للشغل في هذا المجال. كما دعت إلى التحسين والرفع من المستوى المعيشي للأسر المغربية، بما يكفل لها ولأطفالها حياة كريمة، خاصة التغذية والكساء والسكن اللائق.