خول المجلس الوطني للفدرالية الديمقراطية للشغل المنعقد أخيرا في الدارالبيضاء للمكتب المركزي "صلاحية تدبير المرحلة، واتخاذ كل الإجراءات والأساليب النضالية المناسبة".
وأكد المجلس الوطني أن "الأسلوب الانفرادي، الذي اتخذته الحكومة في الإعلان عن نتائج الحوار السابق، مخل بالتزامات الحوار الاجتماعي ومصداقيته".
ودعا المجلس في بيان صادر عن اجتماعه الأخير، الحكومة إلى ضرورة التجاوب مع مطالب الزيادة في الأجور، والتخفيف من الضريبة على الدخل، والترقية الاستثنائية، وإعادة النظر في مرسومي الترقية والتنقيط، وكذا احترام الحد الأدنى للأجور في القطاع الخاص، وتنفيذ الأحكام القضائية لفائدة العمال، واحترام الحريات النقابية، لإعطاء الحوار الاجتماعي مصداقية وجدوى".
وطالب البيان ذاته، الذي توصلت "المغربية بنسخة منه، الحكومة بـ "إشراك النقابات في تحيين مشروع القانون التنظيمي للمجلس الاقتصادي والاجتماعي، وحثها وأرباب العمل على "إنجاح هذه الجولة من الحوار الاجتماعي، بالحضور الفاعل والإيجابي، تفاديا لأي احتقان اجتماعي مرتقب".
وطالب البيان نفسه بـ "إعادة فتح المؤسسات المغلقة في القطاع الخاص، والإسراع بإخراج صندوق التعويضات عن فقدان الشغل إلى حيز الوجود في أقرب الآجال".
وأكد أن "الفيدرالية الديمقراطية للشغل فضاء تقدمي حداثي وديمقراطي، مفتوح في وجه كل القطاعات والمناضلات والمناضلين التقدميين".
وأعرب المجلس الوطني عن "تضامنه مع ضحايا الفيضانات الأخيرة"، وحث الحكومة على "تحمل مسؤولياتها في جبر الضرر ماديا ومعنويا بالمناطق المنكوبة"، وحملها "مسؤولية عدم استحضارها للترقبات المناخية المنتظرة، واتخاذها للاحتياطات اللازمة، من أجل التخفيف من الأضرار".
وكان عبد الرحمن العزوزي، الكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل، استعرض في كلمة باسم المكتب المركزي، الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المغرب والعالم العربي.
وأشار العزوزي في كلمته إلى "استمرار الزيادات في بعض المواد الأساسية، واستفحال الغلاء، رغم تراجع كلفة بعض المواد الأساسية"، واعتبر أن "مشروع القانون المالي الحالي لم يأت بأي جديد، باستثناء التخفيضات المرتقبة على الضريبة على الدخل لدى بعض الفئات".
كما تطرق العزوزي إلى "مجريات الحوار الاجتماعي، والمنهجية المعتمدة، المتمثلة في خلق لجنتين وظيفيتين، تهم القطاعين الخاص والعام والجماعات المحلية".
وبعد أن أشار إلى "الانعكاسات الإيجابية للتساقطات المطرية على الفرشة المائية، وعلى الموسم الفلاحي، تطرق العزوزي إلى "آثارها السلبية على الأرواح والممتلكات"، موضحا أن الأمطار التي شهدها المغرب أخيرا "أبانت عن هشاشة كبيرة في البنية التحتية للعديد من المرافق العمومية، تفضح سنوات الإهمال، وكذا الغش في إنجاز المشاريع العمومية".
وجدد العزوزي "تضامن المجلس الوطني وكافة الفيدراليات والفيدراليين مع منكوبي هذه الكوارث، الذين فقدوا كل ممتلكاتهم"، وترحم على كل الضحايا من مختلف الأعمار، وطالب الحكومة بـ "الإسراع في إنجاز البنية التحتية، التي تضررت، مع الحرص على مراقبة جودة الإنجاز"، كما طالب أيضا بـ "التعجيل بإيجاد حل للمنكوبين، قبل حلول فصل الشتاء بشكل يسمح لهم باسترجاع حياة عادية".
ولم يفت العزوزي الترحيب بالالتحاق الجماعي لعدد من القطاعات بصفوف الفيدرالية الديمقراطية للشغل، خاصة بمدينة فاس، وعلى رأسهم عبد الرحيم الرماح، وأكد حرص المكتب المركزي على "إنجاح كل الخطوات الهادفة إلى تقوية صفوف الفدرالية، خدمة لمصالح الشغيلة المغربية".
وفي ما يتعلق بالحوار الاجتماعي قال العزوزي إن "اجتماع المجلس الفيدرالي يتزامن مع انطلاق أطوار الحوار الاجتماعي بين الحكومة والنقابات، واعتبر أن الحوار يأتي في ظرفية اجتماعية تتميز بالزيادة المهولة في أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، منذ الصيف الماضي، التي أفرغت الزيادات الهزيلة في أجور الفئات الدنيا، التي أقدمت عليها الحكومة في الصيف الماضي، من محتواها"، مشيرا إلى أن "هذا الوضع يزداد خطورة في ارتباطه باستحقاقات ديمقراطية، ومهنية، سيكون المغرب على موعد معها في بداية الصيف المقبل".
وتابع العزوزي في الموضوع ذاته أن "الحوار الحالي يشكل بالنسبة للحركة النقابية والديمقراطية محطة ذات أهمية بالغة، سياسيا واجتماعيا، إذ من المفروض على الأطراف الاجتماعية وعلى الحكومة وأرباب العمل أساسا، أن تتحلى بإرادة سياسية كبيرة لإنقاذ الوضع الاجتماعي من المزيد من التدهور".
وأشار إلى أن "الفدراليين مطالبين اليوم بتدارس الوضع الاجتماعي، ومجريات الحوار الحالي، والاحتمالات الممكنة، وكذا القرارات التي يتحتم على الفدرالية اتخاذها".
وذكر العزوزي بـ "مجريات الحوار الاجتماعي مع الحكومة في صيغته السابقة، الذي انتهت أشواطه في نهاية شهر أبريل الماضي"، وقال إن "الحكومة انفردت، من جانب واحد، بإعلان نتائجه، ما دفع الفدرالية إلى إعلان إضراب 13 ماي الماضي، احتجاجا على هذا الموقف".
وأوضح أن "الجولة الحالية للحوار الاجتماعي، تندرج في إطار المقاربة الجديدة للحكومة، التي تستهدف تدارك أخطائها السابقة، التي عرفتها جولة أبريل الماضي"، مذكرا في السياق ذاته بـ "الحس الاستباقي، الذي ميز قرارات ونضالات الفيدرالية الديمقراطية للشغل في تفاعلها مع محطات الحوار الاجتماعي ومع المركزيات النقابية"، موضحا أن "الفدرالية كانت السباقة، عبر الآليات الديمقراطية، إلى اتخاذ القرار النضالي ليوم 13 فبراير 2008، بتنفيذ إضراب وطني في قطاع الوظيفة العمومية والجماعات المحلية، في إطار التنسيق مع بعض المركزيات النقابية بمبادرة من الفدرالية"، واعتبر أن "هذا القراركان وراء فتح الحكومة للحوار الاجتماعي في أبريل الماضي، الذي لعبت فيه الفدرالية دورا فاعلا من حيث المقترحات ومنطلقات ومجريات التفاوض".
وتأسف العزوزي لكون الحوار "لم يفض إلى اتفاق مع الحكومة، نظرا لعدم تجاوبها مع الحد الأدنى للأطروحات النقابية، وانفرادها بتفعيل مقترحاتها، خاصة تلك المتعلقة بتحسين الدخل، والزيادة في الحد الأدنى للأجور، وأجور بعض فئات الموظفين، ما أفقد الحوار مصداقيته، وأضعف التوجهات الرامية إلى دمقرطة العلاقات المهنية، ومأسسة الحوار الاجتماعي، الأمر الذي جعل الفدرالية تنفذ معركة نضالية أخرى يوم 13 ماي 2008 بتوسيع الإضراب الوطني، ليشمل المؤسسات العمومية، إلى جانب الوظيفة العمومية والجماعات المحلية".
وأشار إلى أن "جولة جديدة من الحوار الاجتماعي انطلقت يوم 13 أكتوبر 2008، تبعا للتعهد الحكومي، القاضي بإجراء دورتين في السنة، خلال شهري شتنبر وأبريل، وكانت الجلسة الافتتاحية التي ترأسها الوزير الأول بحضور مختلف المركزيات النقابية وكونفدرالية أرباب العمل تدشينا لمنهجية الحوار الجديدة، مسبوقة بمشاورات حول جدول الأعمال المقترح لهذه الدورة، بين المركزيات النقابية ووزارتي التشغيل والتكوين المهني وتحديث القطاعات العامة، وتفرعت اللجنة الوطنية إلى لجنتين، إحداها برئاسة وزير التشغيل والتكوين المهني، تهتم بقضايا القطاع الخاص، والأخرى برئاسة وزير تحديث القطاعات العامة، تهتم بقضايا القطاع العام. وتفرعت هاتان اللجنتان بدورهما إلى لجان تقنية، لدراسة القضايا المتفق عليها في جدول الأعمال، وهي الآن بصدد الاشتغال على هذه القضايا".
وأوضح العزوزي أن "هذه القضايا تتوزع إلى أربعة محاور كبرى، المحور القانوني والمؤسساتي، الذي يرمي إلى تفعيل وتطبيق وإصلاح نصوص قانونية قائمة أو تشريع نصوص جديدة استجابة لمتطلبات حقوقية واجتماعية وتنظيمية، والمحور المادي، الذي يشمل قضايا الأجور، والضريبة على الدخل، وإحداث تعويضات جديدة، وتسوية وضعيات قائمة، وإصلاح منظومات قانونية مرتبطة بذلك، والمحور الاجتماعي، الذي ينصب على أوجه الحماية الاجتماعية، مثل التقاعد، والتغطية الصحية، والسكن، والتوقيت المستمر، أما المحور التمثيلي، فيهتم بتدارس ومراجعة المنظومة الحالية للجان الإدارية المتساوية الأعضاء، ومناديب العمال، وتدارس التدابير والإجراءات التحضيرية لاستحقاقات 2009".
وأكد العزوزي أن "اللجان التقنية، لحد الآن، عقدت حوالي أربعة اجتماعات على مستوى القطاع العام، واجتماعين على مستوى القطاع الخاص".
وعلى ضوء هذه الاجتماعات، خلص العزوزي إلى أن "الحكومة لم تقدم أية أرضية أو مشروع، في ما يخص القضايا المطروحة، بل جاءت لتستمع إلى مقترحات المركزيات النقابية"، واستشف من النقاش الدائر داخل اللجان ومن الردود التي أدلى بها ممثلو الحكومة، أن "هذه الأخيرة تعتبر الإجراءات المادية والضريبية، التي اتخذتها بشكل انفرادي في شهر أبريل الماضي، تغطي الفترة من 2008 إلى 2010، وبالتالي ليس في نيتها مراجعة هذه الإجراءات تجاوبا مع المطالب النقابية"، كما اعتبر أن "الانخراط الجزئي، والمحتشم لممثلي أرباب العمل، في أشغال اللجان التقنية مؤشر على غياب الإرادة في الاستجابة للمطالب العادلة للأجراء"، فيما سجل العزوزي "التقارب الحاصل بين طروحات المركزيات النقابية، والتشاور في القضايا الأساسية" ما اعتبر أنه "شكل ضغطا حقيقيا على المحاورين الحكوميين، الذين وجدوا أنفسهم مقيدين، ليس لهم أي مقترح ملموس، يتجاوب مع المقترحات النقابية"، وأضاف أن "هذا الموقف الجماعي التلقائي للنقابات، يمكن أن يشكل لبنة للتنسيق النقابي مستقبلا".
وأكد أن "المقاربة التي نهجتها وتنهجها الفيدرالية الديمقراطية للشغل، تهدف إلى أن تجعل من هذا الحوار مجالا للتفاعل مع الشغيلة المغربية، وفرصة لاختبار الإرادة الحكومية في القدرة على المأسسة الفعلية للحوار الاجتماعي".
وأوضح أن "الفدرالية كانت سباقة وبلهجة صارمة، في اختبار هذه الإرادة من خلال تمسكها بثلاث قضايا، تمديد إجراءات الزيادة في الأجور إلى مستخدمي المؤسسات العمومية ذات الطابع التجاري والصناعي، على غرار موظفي وأعوان الدولة والجماعات المحلية، بهدف معرفة القدرة السياسية للحكومة في إخضاع هذه المؤسسات إلى سلطتها، ما حذا بالوزير الأول إلى توجيه رسالة في هذا الشأن إلى وزير الاقتصاد والمالية. والتمسك بالزيادة العامة في الأجور بشكل يتناسب والتآكل الذي تعرفه القدرة الشرائية، ما جعل الحكومة تتراجع عن قولها إن الزيادة الحالية تشمل الفترة الممتدة من 2008 إلى 2012. إضافة إلى التمسك بمطلب الترقية الاستثنائية، وإصلاح منظومة الترقي".
وفي ختام هذه النقطة، قال العزوزي إن "الفدرالية لن تسرع في ركوب قطار التشاؤم، كما لن تجعل من التفاؤل سببا يلهيها عن القيام بمهامها في الدفاع عن القضايا العادلة للشغيلة المغربية"، موضحا أن "تلك المؤشرات الأولى لا تنبئ بتوقع إجراءات حكومية لصالح الشغيلة خلال هذه الجولة، خاصة وأن مشروع القانون المالي لسنة 2009، باستثناء التخفيض من الضريبة على الدخل، لم يأت بأية إجراءات تتجاوب مع القضايا المطروحة على طاولة هذه الجولة من الحوار الاجتماعي"، لذلك، يضيف، أن "الحذر يفرض على الفيدراليين مناقشة كل الاحتمالات، خاصة الأسوأ منها، التي قد تفرض عليهم اتخاذ مواقف نضالية واحتجاجية، إذا لم تعط الجولة الحالية للحوار الاجتماعي نتائج ملموسة، تستجيب لمطالب الفدرالية الديمقراطية للشغل، ولتطلعات الشغيلة المغربية.
ولم يفت العزوزي التطرق إلى استحقاقات 2009، التي اعتبرها "رهانا استراتيجيا"، موضحا أن "هناك ارتباط وثيق بين الحوار الجاري الآن، وانتخابات اللجان الإدارية المتساوية الأعضاء ومناديب العمال التي ستجري في شهر ماي 2009، لأن المفاوضات الحالية، وطبيعة ونوعية النتائج التي سيتوصل إليها، ستكون محددا أساسيا في التفاعل مع شرائح وفئات الموظفين والمستخدمين والأجراء من جهة، ومن جهة أخرى ستنعكس على القدرة التنظيمية القطاعية والمحلية في بلورة تصورات تنظيمية ومطلبية ونضالية لربط جسر التواصل اليومي مع مختلف الفئات الناخبة"، ما يدفع حسب العزوزي إلى "ضرورة إدارة المفاوضات بالحنكة والذكاء اللازمين"، كما أشار إلى أن "المجلس الوطني والمكتب المركزي مطالبان بأن يصوغا تصورا متكاملا يمكن قطاعات الفيدرالية واتحاداتها المحلية من أداء مهامها، ولعب أدوارها وتحمل مسؤولياتها في هذه المحطة المصيرية من تاريخ الفدرالية، وتمكينها من الشروط التأطيرية والمادية اللازمة لإنجاز مهماتها".
وخلص العزوزي إلى أنه "إذا كانت استحقاقات 2003 قد أدرجت الفدرالية ضمن خانة النقابات الأكثر تمثيلية، ولم يمض، حينها، على تأسيسها سوى بضعة أشهر، فإنه منذ ذلك التاريخ جرت مياه كثيرة، وعرفت الساحة الاجتماعية تحولات عديدة، ما يحتم عليهم التجند الكامل، قصد تحسين موقعهم في الخريطة التمثيلية، وتعزيز مشروعهم النقابي".