سجلت رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين جهة طنجة تطوان "إيجابية التدخلات التي أنجزت من طرف كل المتدخلين في الميدان".
لكن سجلت أيضا أنها "جاءت متأخرة وبعد فوات الأوان في معظم المناطق"، على إثر الفيضانات، التي شهدتها المنطقة أخيرا.
وأثارت رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين جهة طنجة تطوان في تقريرأصدرته عن آثار الفيضانات الأخيرة، التي عمت عددا من الأقاليم والجهات، موضوع "شح الوسائل والمواد المخصصة للمساعدة والإنقاذ، وضعف وسائل الدعم اللوجيستيكي الخاصة بحالات الطوارئ".
وسجل التقرير ذاته "إيجابية صدور الأمر الملكي لإشراك القوات المسلحة الملكية في التدخل والإنقاذ"، وطالب أن "يصبح الأمر سُنة، تقتدى كلما حلت بالمجتمع كارثة ما".
وأكد التقرير أن "البنيات التحتية لمختلف المناطق الحضرية والقروية تضررت، خصوصا الحديثة منها المنجزة في إطار مشاريع التنمية البشرية".
كشف التقرير "عجز الأجهزة المسؤولة في معظم المناطق المنكوبة وقصورها عن مواكبة الأحداث، ومواجهة التحديات التي تهدد حياة المواطنين". وأكد أن الفيضانات "عرت الوجه الخفي للمجالس المنتخبة والسلطات الوصية"، و"عدم استخلاص المسؤولين الدروس من الأحداث السابقة، كزلزال الحسيمة، والفيضانات الإنذارية، التي عمت بعض المناطق، منذ منتصف شتنبرالأخير، وموجة البرد بالمناطق المعزولة في جبال الأطلس المتوسط، في العام الماضي وحرائق الغابات".
وسجل التقرير "غياب تصور واضح في ما يخص سيناريوهات التعاطي مع الأحداث والكوارث المماثلة (حرائق، فيضانات، انهيار المباني..)"، مشيرا إلى أن الفيضانات كشفت "مظاهر الغش" والهشاشة اللذان يعتبران السمة الأساسية لكل التجهيزات والمباني والمرافق الأساسية التي جرفتها السيول، أو تضررت بأي شكل من الأشكال تحت تأثير التساقطات"، كما سجل "خسارة المال العام وضياع الكثير من الجهود التي تتلاشى بسبب سوء التدبير وخيانة الأمانة، وعدم تقدير المسؤولية من طرف القائمين على الشأن المحلي"، و"تهاون المسؤولين في إشعار المواطنين، وفي اتخاذ التدابير الاحترازية استنادا إلى التوقعات والإنذارات المعلن عنها من طرف مصالح الأرصاد الجوية في أزيد من 40 بلاغا، أذيع بواسطة وسائل الإعلام".
وأكد أن "إفراغ حقينة بعض السدود بسبب ارتفاع منسوب المياه، خوفا من انفجارها، دون إشعار السكان المقيمين على ضفاف كثير من الأنهار، مثل ملوية وغيره، تسبب في تفاقم الأوضاع والرفع من عدد السكان المتضررين".
وأشار إلى أن "الاحتجاجات انطلقت بشكل عفوي على صعيد المناطق المنكوبة، للتعبير عن الإدانة، والشجب لمواقف بعض المسؤولين، الذين اختاروا مواجهة مطالب السكان بالرفض واللامبالاة، وبالتدخل بعنف أحيانا".
وأكد أن "أكثر المناطق تضررا، هوامش المدن، والدواوير المهملة بالبادية، والمناطق الفقيرة، كانت تعاني الهشاشة، وضعف التجهيزات الأساسية"، وأن "معظم الكوارث حلت بالمدن عند النقاط، التي تعاني ضعف وهشاشة شبكة التطهير، وانعدامها أحيانا، بسبب تأثرها بتراكم النفايات، والأتربة، المرتبطة بمخلفات مقاولات البناء، والإصلاحات الغير الخاضعة للمراقبة، وبسبب بطء الأشغال، وغياب النظافة، وتقاعس الجهات المختصة وتملصها من تطبيق القانون"، كما "عمت الفيضانات الأحياء والتجمعات السكنية المقامة بكيفية عشوائية أو مرخصة في المناطق الممنوعة البناء، كالمنجرفات ووسط مجاري الأودية، على صعيد كل المدن والحواضر، وكذلك البوادي، علما أن الدراسات تثبت أن تربة الأودية الطبيعية تمتص 60 في المائة من كميات المياه".
وأشار التقرير إلى أن "جهة طنجة تطوان نالت حظها من الخسائر والمخلفات، الناتجة عن التساقطات الأولى المسجلة يومي 10 و11 أكتوبر، حيث تضررت بشكل متفاوت كل من مدن طنجة وتطوان والفنيدق، وشفشاون، وكثير من المراكز القروية، كبنقريش وملوسة وواد الرمل".
وأضاف أن "أعلى نسبة للتساقطات سجلت بطنجة هي 81 ملم، إلا أن ما حدث يوم الخميس 23 أكتوبر أنسى الجميع في معاناة وخسائر ما تكبدوه سابقا، لأن مجريات الأحداث جرت بشكل رهيب لم يشهد له مثيل منذ أزيد من ثلاثين سنة، إذ سجلت أعلى نسبة للتساقطات حددت في معدل 180 ملم، كانت كافية خلال ثمان ساعات من إغراق أزيد من 50 في المائة من مساحة مدينة طنجة، بعد أن فاضت قنوات التطهير وتصريف المياه الشتوية، وانفجرت بما فيها، وتحولت الشوارع والأزقة إلى أودية جارفة، مفتوحة على كل الاحتمالات، ما أدى إلى انقطاع حركة السير بالكامل وتعطل حركة المرور، وغرق المئات من السيارات وسط المياه المتدفقة، وانقطاع الماء والكهرباء عن كثير من الأحياء، وتأثر شبكة الاتصالات الهاتفية، ودخول كثير من المناطق المحاصرة في عزلة تامة، وتحصن الكثير من التلاميذ داخل المدارس بسبب صعوبة الالتحاق بمنازلهم من الرابعة مساء إلى حدود منتصف الليل في بعض الحالات".
وأكد التقرير أن "هول الكارثة اشتد لما تخطى علو السيول المحملة بالأتربة، والأحجار، والوحل، مستوى المتر والمترين، في مناطق انقطع بها التيار الكهربائي لمدة 24 ساعة، حيث ظل آلاف العمال بالمنطقتين الصناعيتين أمغوغة طريق تطوان، ومغوغة الصغيرة بطريق طنجة البالية، عائمين وسط الأوحال والظلام، معلقين فوق الآليات داخل أزيد من 160 وحدة صناعية، غمرتها المياه الطوفانية، ابتداء من الرابعة عصرا إلى حدود السادسة صباحا، كما ظل الكثير منهم عالقين داخل سيارات نقل العمال، والسيارات الخاصة، التي غرقت بالكامل وسط بحر الأوحال، في غياب أدنى وسائل التدخل، القادرة على مواجهة الكارثة وخطورتها".
وأشار التقرير إلى أن "الموقف الوحيد، الذي خفف من هول الكارثة، في ما يخص الإصابة في عدد الأرواح هو المبادرات الخاصة، وتضحيات سكان المنطقة، والعمال وإدارات المؤسسات، من أجل إنقاذ الغرقى، والمصابين، بالوسائل التقليدية البسيطة"، الأمر نفسه، يضيف التقرير، "ينطبق على سكان الشطر الشرقي من حومة الشوك المحادي لأحد روافد واد امغوغة، الحي الذي شهد حالات غرق معلن عنها من طرف الجهات الرسمية، بحيث غرق وسط الظلام لمدة أزيد من 24 ساعة وسط علو للمياه وصل إلى 3 أمتار، خلال الفترة الليلية، التي لم يعثر السكان خلالها على منقذ ولا مغيث"، موضحا أنه "لولا عامل التضامن والتطوع، الذي عبر عنه السكان من خلال إيواء الغرقى في الطوابق السفلية، وكذلك المراهنة بمصارعة الطوفان من أجل إنقاذ أرواح كانت مهددة بالغرق، لكانت النتائج كارثية ومؤلمة".
وسجل التقرير "مستويات أقل هولا وخسارة، مثل حالات غرق كل الأحياء الموجودة على ضفاف الوديان الطبيعية، وفي المنخفضات حيث تراوح معدل ارتفاع علو الماء بين المتر والمتر ونصف المتر، في أحياء الركايع، وحي المرنيسي، ومسنانة، والسواني، وطريق الزياتن، ومدخل المطار، ومفترق الطرق قرب مرجان، وقنطرة بنديبان، وشارع مولاي علي الشريف، وحي المجد الصناعي، وساحة الجامعة العربية، وطريق الشرف طنجة البالية، وحي ادرادب، وطريق العوامة، وشارع مولاي إسماعيل، وساحة إسبانيا، ومدخل الميناء، وشارع مولاي عبد العزيز، وحومة الواد وقاية، وحومة بير الشعيري".
وسجل أيضا جهود المصالح المختصة التي كانت في "حالة يقظة تامة"، وكذا "تضحياتها من أجل التلطيف من هول الموقف، بدءا من السلطات بالولاية، والوقاية المدنية، والقوات الأمنية، وقوات الدعم والإسناد، التي حلت من الرباط، والمصالح التقنية التابعة لشركة آمانديس، والمكتب الوطني للكهرباء"، لكن يضيف "إلا أن حجم التدخل كان محدود الأثر والفعالية بسبب ضعف التغطية، وانعدام وسائل العمل الكافية لمواجهة الموقف الصعب، ما جعل الكل يصاب بحالة إرباك تام، وعجز عن مواجهة المشكل، إذ تعذرت الاستجابة لطلبات الاستغاثة الصادرة من مختلف الجهات، كما كانت هناك صعوبات تحول دون تحريك سيارات الإسعاف والوقاية المدنية، من أجل نقل المصابين، بسبب اختناق الشوارع بالسيارات العائمة، وسط مياه الفيضانات.
وأكد التقرير أن "المواطنين سجلوا حدوث أخطاء، لا يمكن التغاضي عنها، لما كان لها من دور في تعميق المشكل، والرفع من درجة المعاناة بالنسبة للسكان، مثل تأخر التدخلات المنجزة إلى آخر ساعة، وعدم ضمان التغطية لكل المناطق المحتمل تعرضها للغرق، وعدم توفير الوسائل الضرورية للإنقاذ والإسعاف، وعدم ظهور أي أثر لتوظيف الوسائل الخاصة بالفيضانات كالمراكب (زودياك)، والمروحيات، والقوارب المتوفرة بالميناء، وضعف قسم المستعجلات في إسعاف المصابين، وثقة المسؤولين في أنفسهم".
أما في ما يخص الخسائر المادية التي منيت بها طنجة، يقول التقرير، إن "كفتها رجحت على ما سجل على صعيد كل الجهات المنكوبة بالمملكة، بسبب دخول عنصر المناطق الصناعية (الثلاث)، التي تضررت بالكامل، والتي تمس مستقبل سوق الشغل، والمستقبل التجاري للمنطقة، بالنظر للتعقيدات المتعلقة بخصوصيات القطاع، في علاقتها بسوق الإنتاج وآليات التصدير والاستيراد"، وأكد أن "الخسائر المسجلة على صعيد الآليات ومواد الإنتاج، ستشكل ضربة قاضية لهذا القطاع، لأنها تقدر بالملايير، دون احتساب الخسائر المرتبطة بضياع الآلاف من مناصب الشغل أو تعطلها إلى أجل غير معلوم بسبب صعوبة التخلص من مخلفات الفيضانات، خصوصا بالنسبة للآليات التي تضررت 100 في المائة، دون ذكر الخسائر الاقتصادية، الناتجة عن غرق مستودعات إيواء السيارات، وتعطل مئات السيارات ووسائل النقل العمومي، والمحلات التجارية والوحدات الصناعية الصغيرة، والأسواق على صعيد العديد من الأحياء، وتصدع البنيات التحتية للطرقات ومجاري الصرف الصحي، والأرصفة، وتشقق عدد من المباني، وانهيار الأسوار، وإتلاف الوثائق والمستندات، داخل بعض المقرات الإدارية العامة والخاصة".
وأوضح التقرير أن "طنجة تعاني الخصاص في وسائل وآليات الإنقاذ والإغاثة، وتفتقر لكل شيء"، مشيرا إلى أن "الأوراش، والإصلاحات الخاصة بتأهيل المدينة سنة 2005، التي ما تزال ممتدة إلى حدود 2012، لها الدور الأساسي في خنق الأودية، وطمر قنوات شبكة التطهير، بسبب عشوائية الأشغال وتبعثرها، وعدم خضوع المقاولات للمراقبة، في ما يخص إنجاز الأشغال، وتنقية المحيط، وإزالة الردم والأتربة، التي يكون ملاذها جوف تلك الأودية".
وأرجع الأسباب أيضا إلى "البناء وسط مجاري الأودية الطبيعية، المتعددة بطنجة، التي كانت تشهد دوما حالة الفيضانات القوية بحكم طبيعة التضاريس المتنوعة والمتفاوتة في الارتفاع والانخفاض"، وأوضح أن "الأودية التي غزاها البناء والطمر، هي واد اليهود، ومغوغة، ومشلاوة، والمالح، والسواني، والعوامة، وواد سيدي إدريس ومرجان، ومسنانة، وبوخالف، وبير الشفا، وحومة الشوك، والرهراه، وبوبانة، والمرس، وعزيب قدور، وكزناية.
ودعت رابطة الدفاع عن حقوق المستهلكين جهة طنجة - تطوان إلى اتخاذ مجموعة من التدابير، منها "إخضاع تراخيص التجزئات والمباني للمراقبة، وإلزام أصحابها باحترام التصاميم والتدابير الوقائية (شبكات التطهير وقنوات الصرف الصحي والمياه الشتوية)، وإلزام المجالس المنتخبة بإخضاع تراخيص التجزيئات والمجموعات السكنية للشفافية، من خلال إشراك الرأي العام في الاطلاع على وثائق التعمير ودفاتر التحملات"، وكذا "فرض علنية وثائق التعمير، والسماح للمواطنين بالاطلاع على المستندات القانونية، دون فرض القيود التعجيزية من طرف المصالح المختصة بالتعمير (المجالس المنتخبة والعمالات، والوكالات الحضرية والمحافظات العقارية)".
وطالبت بـ "إخضاع المشاريع والمنجزات الخاصة بالبنيات الأساسية للمراقبة القانونية الصارمة، سواء تعلق الأمر بالطرق أو شبكات التطهير، التي يجب إعادة النظر في مخططاتها، وقياس قطرها وسعتها، وبرنامج تطهيرها وصيانتها، بالشكل الذي يتلاءم مع مستوى النمو الديمغرافي والتوسع العمراني، وكذلك بشبكات الماء الصالح للشرب وصرف المياه المطرية، والكهرباء والهاتف، بهدف الحد من ظواهر الغش والتلاعب بالمال العام، وإعادة النظر في القانون المنظم للصفقات العمومية، بجعله أكثر شفافية وفعالية وديموقراطية مع فرض لزومية تطبيقه وتجريم مخالفة مقتضياته".
ودعا التقرير إلى "تجريم ممارسات البناء العشوائي والارتشائي بكل أنواعه، وفتح المتابعات في شأن كل تراخيص البناء المخالفة للقانون، التي تنطوي على خروقات فاضحة، وشبهات مكشوفة، وتجريم البناء في المناطق محرمة البناء، مثل الأودية والمستنقعات الطبيعية، والمنجرفات، والمناطق المشجرة، والشواطئ مهما كانت الاعتبارات المعتمدة في منح التراخيص".
وطالب بـ "خلق صندوق مركزي دائم لمواجهة حالات الطوارئ، ترصد اعتماداته لتقديم العون للضحايا المتضررين من الكوارث الطبيعية"، وبـ "اعتماد سياسة متقدمة للسدود تراعى فيها تقوية الشبكة من خلال الرفع من عددها، وإخضاعها لبرنامج دائم للصيانة والتدبير، يساهم في إطالة عمرها، وتقوية طاقة استيعابها من خلال انتهاج أساليب تحقق النجاعة في التطهير والحماية من الترسبات، وتراكم الأوحال الناتجة عن السيول والانجرافات المرتبطة بعامل التعرية، وغياب الغطاء النباتي والغابوي"، وبـ "إخضاع مشاريع إعداد الطرق خارج المدن للمراقبة الصارمة في ما يخص احترام دفاتر التحملات، وتوفيرالحواجز الوقائية من أجل منع انجراف التربة وحماية الطرق من التصدع".