حين نعيش في وسط قروي نقدر حجم معاناة السكان من الأمية والتهميش، وحين نقف على الخصاص وانعدام الإمكانيات التي من شأنها النهوض بالسكان.
تحضر الإرادة في تكثيف الجهود من أجل الخروج من هذه الوضعية وخلق مبادرات وأنشطة تكون لهم متنفسا عن الجمود الذي يعيشونه.
كانت هذه إرادة جمعية أشبال المغرب حين تأسست سنة 2006، بتيط مليل، وأخذت على عاتقها مهمة المساهمة في النهوض بوضعية المرأة على الخصوص، والأسرة بصفة عامة، من خلال إعداد برامج وورشات تستفيد منها الأسرة برمتها.
يقول سعيد سيف السلام، أمين مال الجمعية " نحاول قدر الإمكان، مساعدة العائلة على الخروج من الوضع الاجتماعي الذي تعيشه ومنحها الأمل في الاندماج وأخذ مكانتها داخل هذا المجتمع".
تعد محاربة الأمية من أهم البرامج التي تعمل الجمعية على إنجاحها بهذه المنطقة.
وقد انطلق الموسم الجديد، هذه السنة، يوم 13 أكتوبر، بمدرسة تيط مليل، تيمنا برمزية الاحتفال باليوم الوطني لمحو الأمية.
ومنذ تأسيسها إلى اليوم، بلغ عدد المستفيدات 300، استطعن أن يندمجن في مجال التحصيل و التعلم. ويبقى طموح الجمعية هو بلوغ 1000 مستفيدة، من مختلف الدواوير الأخرى التابعة لإقليم مديونة.
وتسعى الجمعية إلى الرقي بجودة برامج محو الأمية عن طريق تنظيم دورات تكوينية لفائدة منشطي هذه البرامج الذين يعود لهم الفضل في الإشراف على تكوين المستفيدين.
وإذا كانت دروس محو الأمية تستهدف المرأة، بشكل خاص، فإن الأسرة تبقى رهان الجمعية لتحقيق تنمية أشمل. لذا تسعى الجمعية إلى توسيع فضاءات تعاملها مع هذه الأسرة ليواكب محو الأمية برنامج الدعم التربوي لأطفال المستفيدات، ويتضمن تقديم دروس الدعم للمتمدرسين من أبناء المنطقة، من المستوى الأول إلى التاسع من التعليم الأساسي"وهذا ما حقق للجمعية نسبة مهمة لمواظبة النساء على التعلم، في رغبة ملحة منهن على للتخلص من الجهل" يوضح سيف السلام.
وتنظم "أشبال المغرب" أنشطة تربوية لفائدة الأطفال، بهدف تنمية طاقاتهم، ومداركهم، وصقل مواهبهم الصغيرة، سواء في الرسم أو المسرح أو الرياضة.
وهكذا يحضر هؤلاء الأطفال صبيحات ترفيهية كل أحد، بالإضافة إلى مشاركتهم إلى جانب أمهاتهم، في خرجات تنظمها الجمعية من أجل التعرف على بعض معالم الدارالبيضاء، مثل مسجد الحسن الثاني.
كما يستفيد الأطفال من مخيمات صيفية، كان آخرها، مخيم الصيف الماضي، بشاطئ الحوزية، حيث استفاد أزيد من 100 طفل من هذا المخيم.
إدماج المرأة وإخراجها من دائرة التهميش والعزلة، هو أيضا أنشطة رياضية وثقافية لفائدتها. وشاركت نساء تيط مليل في سباق النصر المنظم بالرباط، وهو الماراتون الذي تميز بمشاركة أكبر متسابقة، أمي هنية التي تبلغ من العمر 86 سنة، وتنتمي إلى جمعية أشبال المغرب، وبالتالي قدمت أكبر مثال في الإرادة في الاندماج.
كما شاركت نساء الجمعية في ملتقى "الجري من أجل المتعة" والذي تشارك فيه من 100 إلى 150 من نساء تيط مليل بتأطير من الجمعية "وتستمتع النساء بهذا النشاط الذي يخرجهن، بالفعل، من دائرة مغلقة ليلتقين نساء آخريات في محيط أوسع"، إضافة إلى مشاركتهن في الإشراف على السباق الأول على الطريق، الذي نظمته الجمعية، على هامش المهرجان الربيعي الثاني لبلدية تيط مليل.
أما الأنشطة الثقافية، فتعتبر مجالا لإبراز الكفاءة التي توصلن إليها عبر برنامج محو الأمية ومدى نجاحهن في التعلم. "فزيارتهن للمعرض الدولي للكتاب، وحضورهن توقيعات كتب ولقاؤهن مع كتاب ومثقفين، خلف لدينا إحساسا عميقا بقيمة هؤلاء النساء اللواتي، رغم أميتهن، يستطعن التجاوب أو الإنصات إلى مثقف أو كاتب، ما يعطي لهذا اللقاء قيمة مضافة، كما يعطي قيمة كبيرة لما تقوم به الجمعية لفائدتهن" يشرح أمين المال.
ويتوج هذه اللقاءات الثقافية مشاركتهن في "رحلة نساء من القلم إلى الريشة"، وهو معرض أنجزته حوالي 30 امرأة، من المستفيدات من دروس محو الأمية، واستطعن أن يرسمن لوحات تشكيلية حظيت باهتمام وتقدير الفنانين التشكيليين من المغرب وخارجه. فكانت 30 لوحة بـ 30 تعليقا لهؤلاء الفنانين والأساتذة، أعادوا الثقة والأمل في نفوس هؤلاء المبدعات. واعتبرت المبادرة، التي نظمت بتأطير من نيابة إقليم مديونة، الأولى من نوعها.
وثقافيا دائما، أبدعت الجمعية في خلق المقاهي الأدبية، كنوع جديد من التواصل بين سكان تيط مليل وشبابها والفنانين والمثقفين الذين تقوم الجمعية باستضافتهم، لمناقشة قضايا أدبية وفنية، والتعريف بدور الفنان في المجتمع، وهكذا كان الشباب على موعد مع جلسات مع كل من باطما، وعمر السيد، والمسكيني الصغير، ومحمد عاطر، وآخرين، ويقول عنها سيف السلام إنها "جلسات توعوية وترفيهية يتحدثون خلالها في مختلف المجالات الفنية والثقافية، بما فيها مشوار الفنان، واستعراض تجربته".
للجمعية ورشة مسرح تعمل فيها مع الشباب لتقديم لوحات مسرحية، ويؤطرها محترف في مجال المسرح، وسبق أن قدمت لوحات جميلة نالت استحسان الفنانين والناقدين.
وتسعى اليوم إلى إقامة ورشات للطبخ والخياطة، لمصاحبة النساء في تكوينهن ما بعد محاربة الأمية، والانتقال إلى مستوى آخر من الاندماج المهني عبر خلق مشاريع مدرة للدخل بالنسبة لهؤلاء النساء. "إننا نريد وضع أساليب جديدة من تلقين النساء أساليب تسيير مشاريع صغرى، لكننا نقر بصعوبة الأمر لضعف الإمكانيات. لكننا نعمل من أجل الحصول على شراكات مع قطاعات حكومية وجمعيات وهيآت مختصة، وهذا ما سنركز عليه في برامجنا لهذا الموسم لتحقيق الإدماج الإيجابي في المجتمع".
الجمعية لا تتوانى في تقديم المساعدات الطبية، ولهذا الغرض، تنظم في إطار أنشطتها الاجتماعية، حملات طبية للنساء، إذ استفادت، حتى الآن، حوالي 800 امرأة من فحوصات مجانية بتعاون مع مركز تحاقن الدم، وعدد من الأطباء متخصصين في العيون والسكري وفي محاربة السيدا.
كما تحتفظ الجمعية بثقافة التضامن وهي تحتفل بالمناسبات الدينية، مثل عيد المولد النبوي وعاشوراء، حيث تكون كل مكونات الأسرة حاضرة بامتياز، تستفيد من الدروس الدينية التي تقدم بالمناسبة أو من الأنشطة.
ويبقى طموح الجمعية كبيرا لإنجاح مشروع مدرسة ألعاب القوى (في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية) التي من شأنها أن تشكل مشتلا حقيقيا لأشبال المغرب الذين تستهويهم هذه الرياضة. وتضم المدرسة حاليا حوالي 60 طفلا، من 9 إلى 18 سنة. وما يميز هذه المبادرة، ليس اهتمام الأطفال فقط، بل اهتمام الأمهات أيضا اللواتي أصبحن يستمتعن بكل التظاهرات التي تشركهن الجمعية فيها على المستوى الوطني. تعاني الجمعية، مشاكل الخصاص في البنيات التحتية "لابد من وجود دار الشباب في المستوى المطلوب خاصة وأن الجمعيات بدأت تعرف تفاعلا أكبر، فواحدة غير كافية بالمنطقة مع كل ما يلزمها من تجهيزات" يقول سعيد الذي يأسف لمحدودية الموارد، التي لم تتعد منحة من رصيد المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، تبقى غير كافية لتسديد نفقات الجمعية أو تنفيذ مشاريعها.
في الوقت نفسه، يشيد أمين المال بالتعامل الجدي والإيجابي مع كل من النيابة التعليمية بمديونة، ومجلسها البلدي، والمبني على علاقات الحوار والتعاون المتبادل.
بالنسبة إلى رئيس الجمعية، الزيتوني خالدي "كل الأنشطة التي نجهد في تنظيمها تمثل متنفسا للنساء، يعبرن من خلاله عن ذواتهن وتطلعاتهن، ويبرزن فيه طاقات اختزنت في دائرة مغلقة من الإقصاء والتهميش". فيما ترى إحدى المستفيدات أن الجمعية استطاعت، بالفعل، "فتح أعيننا على العلم والحياة".
للجمعية "رؤية تنموية" تفصح عنها في نشرة داخلية أصدرت العدد الأول منها، بمناسبة اليوم الوطني لمحاربة الأمية وضمنتها تعريفا بمهامها وأنشطتها، وفلسفتها حول قيم المواطنة والتسامح وحقوق الإنسان والمساواة.