خرجت سيدة في الأربعينيات من عمرها، من باب العمارة، تحمل حقيبتها اليدوية، رفقة ابنتها ذات الربيع السادس عشر، التي تراقب شكل هندامها.
وسروالها إذا ما كان يظهر تبانها، في انسجام مع آخر صيحات الموضة، وخلفهما تترجل طفلة حوالي 12 سنة، ملابسها التي ترتديها تحيل لناظرها أنها الخادمة، تحمل محفظة الأم والطفل الصغير، يتجهون جميعا إلى خارج الإقامة، حيث تضع السيدة سيارتها.
الطفلة الخادمة بالكاد تحاول الخطو، مثقلة بالمحفظة والطفل، والفتاة ووالدتها منهمكتان في النقاش، لا تباليان بمعاناتها.
عادت الفتاة إلى الإقامة فيما استقلت الأم سيارتها، وجلست الخادمة على المقعد الخلفي، ليس لأنها تحمل الطفل، لكن لأنها الخادمة ويجب أن تتميز عن "سيدتها".
هذه حالة من الحالات المتعددة لخادمات البيوت، اللواتي يعانين التهميش، وأحيانا، وتزداد حدة معاناة الخادمات في شهر رمضان، إذ تزداد أعباؤهن، بحيث يعملن أكثر من 16 ساعة في اليوم، مقابل راتب أسبوعي أو شهري جد ضعيف، إذ يبدأن العمل منذ الساعات الأولى للصباح، في غسل أواني وجبة السحور، قبل أن ينتقلن إلى عملية تصبين ونشر الغسيل ونفض الغبار وترتيب غرف المنزل وقاعة الأكل والمطبخ، لينتقلن بعد الظهر، دون توقف، لمرحلة إعداد وجبة الفطور، وبعدها إعداد مائدة الفطور، وتنظيفها في ما بعد.
ويستمر عملهن بعد تناول وجبة الفطور، بغسل الأواني وإعداد وجبتي العشاء والسحور، إنه يوم من العمل دون توقف، لخادمات تقل أعمارهن أحيانا عن سن 18 سنة. مع العلم أنهن يشتغلن من 14 إلى 18 ساعة يوميا، دون توقف، مدة سبعة أيام في الأسبوع، في الأيام العادية.
وفي هذا الإطار، انتبهت منظمة هيومن رايتس ووتش لوضعية الخادمات في المنازل، ودعت إلى إنصافهن، خاصة في شهر رمضان، كما دعت المشغلين أن يراعوا المسؤوليات الخاصة باحترام حقوق عاملات المنازل.
وتكابد العاملات (الخادمات) في المنازل ليل نهار، من أجل دريهمات معدودة في اليوم، مابين 15 و30 درهما في أحسن الأحوال، أي ما يعادل 400 و700 درهم في الشهر، على مدى 30 يوما من العمل دون يوم عطلة.
وحتى هذه الدريهمات لا تستفيد الخادمة منها، خاصة إذا كانت قاصرة، إذ يبعثها المشغل لأسرتها مباشرة.
وتزداد معاناة الخادمات، في شهر رمضان، خاصة الطفلات منهن، إذ يتضاعف العمل، وتزداد المشاق والمتاعب، وفي هذا الإطار نبهت منظمة هيومن رايتس ووتش، مع بداية شهر رمضان، إلى وضعهن، وقالت إنه ينبغي على مشغلي عاملات المنازل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن يراعوا حقوق الخادمات، اللاتي يعملن ساعات طوال، للمساعدة في إعداد وجبات الأكل للمشغلين، طيلة الشهر.
وسجلت هيومن رايتس ووتش باستفاضة الانتهاكات والإساءات بحق الخادمات الوافدات، والخادمات المكلفات بالأطفال في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، من ضمنها المغرب، ممن يخضعن أحيانا لأوضاع تصل إلى حد الاسترقاق.
وسجلت المؤسسة انتهاكات عدة، منها عدم دفع الأجور لشهور، وتقييد الإقامة جبرا، والعمل لساعات مطولة دون فترات راحة، وعدم دفع أجر العمل الإضافي، أو منح أيام عطلة أسبوعية، بالإضافة إلى العنف البدني والجنسي.
ودعت هيومن رايتس ووتش المشغلين إلى احترام خمسة التزامات دُنيا بشأن توظيف الخادمات، وهي الدفع دون تأخير أجور الخادمات كاملة. ودفع نظير العمل الإضافي الذي يؤدينه، إضافة إلى ساعات العمل العادية، وأن يمنحونهن فترات راحة ملائمة بين أيام العمل، والاستفادة من يوم واحد على الأقل في الأسبوع كيوم عطلة، والسماح لهن بالخروج من المنزل، متى شئن ذلك.
وطالبت من أصحاب العمل عدم الإساءة شفويا وبدنيا أو جنسيا إلى الخادمات، وألا يتغاضوا عن مثل هذه الإساءات من طرف غيرهم، وأن يبلغوا فورا الشرطة عن الإساءات.
ودعت أيضا، إلى توفير ظروف الإقامة الملائمة للخادمات، مثل حجرات النوم المُجهزة الخاصة، للحفاظ على خصوصيتهن.
وسجلت مؤسسة هيومن رايتس ووتش أن الخادمات في المغرب يعملن في المنازل منذ سن الطفولة، ويعملن في البيوت مدة مائة ساعة أو أكثر أسبوعيا، دون فترات راحة أو أيام عطلة أسبوعية.
وأوضحت أنهن كثيرا ما يسيء إليهن أرباب العمل بدنيا وشفهيا، ويحرمونهن من التعليم، وأحيانا يحرمونهن حتى من الطعام الجيد، والرعاية الصحية. وبعض الفتيات يعانين أيضا، المضايقات الجنسية، من أصحاب العمل أو أفراد أسرته.
وأشارت إلى أنه في بعض الحالات يستعين فيها المشغلون بالتهديدات أو القيود من أجل إجبار الفتيات على الاستمرار في العمل ضد إرادتهن، وفي حالة أخرى يلجأون إلى ضربهن بحجة عدم اتباع الأوامر، أو حبسهن داخل البيوت أو رفض دفع أجور الراغبات في ترك العمل، موضحة أن الإساءات قد ترقى لمستوى الاتجار بالبشر من أجل العمل بالسخرة.
وأشارت إلى أنه في ظل التعرض للإساءات وفي عزلة عن الأسرة والأقران، فإن الكثير من عاملات المنازل من الطفلات يكابدن ضررا بدنيا ونفسيا لا يزول أثره.
وهذه ليست المرة الأولى التي تتطرق فيها منظمة هيومن رايتس ووتش لوضع الخادمات في المغرب، بل سبق أن أثارت الموضوع مرات عدة، إذ أكدت أن البنات العاملات خادمات بالمنازل محرومات من حقوقهن الأساسية، مشيرة إلى أن هناك أسطورة تقول إن هؤلاء البنات يطورن أنفسهن من خلال العمل، فيما الحقيقة أن أعدادا كبيرة جدا منهن ينتهي بهن الأمر إلى إصابتهن بأذى بدني ونفسي مستمر.
وكانت كلاريسا بنكومو، الباحثة في قسم حقوق الطفل، لدى منظمة هيومن رايتس ووتش، أشارت إلى أن عشرات الآلاف من البنات اللاتي يعملن خادمات منازل في المغرب، يواجهن إساءات نفسية وبدنية، وأيضا، الاستغلال الاقتصادي، حسب منظمة هيومن رايتس ووتش في تقرير لها صدر في دجنبر 2005.
وتعاني خادمات المنازل، خاصة الفتيات الصغيرات مشاكل اجتماعية خطيرة، ما يدفع جلهن إلى التحول إلى عاهرات، وهن مازلن في فترة المراهقة، أو يستغلن من طرف المشغل أو أحد أبنائه أو أقاربه جنسيا، ما ينجب عنه حمل، فتتحول الفتاة الخادمة إلى أم عازبة.
وسبق للحكومة، في عهد الوزير السابق، إدريس جطو، أن أطلقت خطة حكومية لمناهضة تشغيل الخادمات الصغيرات، في إطار خطة تهدف إلى توعية الرأي العام الوطني بمخاطر هذه الظاهرة الاجتماعية، التي تصادر حقوق آلاف الخادمات وترهن حاضرهن ومستقبلهن.
وكانت دراسة لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونسيف) أشارت إلى أن نحو 600 ألف طفل مغربي ما بين سن السابعة و 14 سنة يضطرون للعمل، ونحو 800 ألف طفل في المغرب لا يذهبون إلى المدرسة.