صاحب الجلالة يدعو إلى مراقبة فعالة للأسواق المالية العربية

الأربعاء 08 أكتوبر 2008 - 22:49
(السفيني)

احتضنت مدينة مراكش، صباح الثلاثاء، أشغال الدورة 32 لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، التي ينظمها بنك المغرب تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس.

وتميزت الجلسة الافتتاحية لهذه الدورة، المنظمة بالتنسيق مع صندوق النقد العربي وبمشاركة محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، بالرسالة الملكية السامية التي وجهها جلالة الملك محمد السادس إلى المشاركين في هذه الدورة، والتي أكد جلالته من خلالها أن المغرب يعرف، منذ بداية العقد الحالي، نموا سريعا ومتواصلا، نتيجة للإصلاحات الهيكلية التي اعتمدها، ولنهج وتفعيل سياسات اقتصادية سليمة، ما أدى إلى تحسن مناخ الأعمال، الذي ترتب عنه توسع في الاستثمار، وارتفاع في مستوى المعيشة.

ودعا جلالة الملك، في الرسالة السامية، التي تلاها عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب، إلى ضرورة التحلي بالمزيد من اليقظة، واعتماد مراقبة أكثر فاعلية لأسواقنا المالية، والتنسيق المستمر في ما بينها، لنجعل منها نموذجا في مجال المراقبة والإنذار المبكر، المعتمدة في النشاط المالي.

وقال صاحب الجلالة إن المغرب على غرار العديد من الدول العربية، يعرف منذ بداية العقد الحالي نموا سريعا متواصلا نتيجة الإصلاحات الهيكلية، التي اعتمدها، ونهجه سياسات اقتصادية سليمة، أدت إلى تحسن مناخ العمل، الذي ترتب عنه توسع في الاستثمار، وارتفاع في مستوى المعيشة وتنوع القاعدة الإنتاجية، وبروز نشاطات جديدة شكلت قاطرة للنمو في قطاعات الصناعة والخدمات.

وشددت الرسالة على حرص المغرب على مواصلة تطوير القطاع المصرفي والمالي وتدعيم الرقابة والأنظمة الاحترازية، مما أدى إلى تنمية الأسواق المالية، وتوسيع التوظيفات المالية في ظل حكامة جيدة، ورقابة حازمة، واستراتيجية هادفة ينهجها بنك المغرب.

وأشارت الرسالة الملكية إلى انفتاح المغرب على محيطه الدولي عن طريق إبرام اتفاقيات للتبادل الحر مع الأقطاب الرئيسية للاقتصاد العالمي ومع دول الحوض المتوسطي، بالإضافة إلى انخراط المغرب في تفعيل الاتفاقية المتعلقة بمنطقة التجارة الحرة العربية، مؤكدة أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أعلن عنها الملك محمد السادس، مكنت من التوفيق ما بين النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي من خلال مشاريع على المدى المتوسط والطويل، وساهمت بالتالي في تعزيز مصادر الدخل القار لدى الفئات الفقيرة وإحداث مناصب الشغل.

من جانبه، أكد الدكتور جاسم المناعي، المدير العام رئيس مجلس إدارة صندوق النقد العربي، في كلمته الافتتاحية بأن المصارف المركزية العربية قادرة على استخلاص الدروس والعبر من الأزمة المالية الكبيرة التي يعيشها العالم، لتعزيز مناعة القطاع المالي والمصرفي العربي ضد الأزمات المستفحلة.

وأضاف الدكتور جاسم المناعي أن انعقاد هذه الدورة يتزامن مع الأزمة المصرفية والمالية الكبيرة التي يعيشها العالم في ظل اتساع ظاهرة العولمة، وتشابك المصالح الاقتصادية لكافة الدول، مما جعل الجميع ينتابه الخوف والقلق من انعكاسات هذه الأزمة على مختلف المناطق.

وأشار المناعي إلى حرص محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية على منع أي تداعيات بإمكانها أن تضر باقتصاديات الدول العربية من خلال هذه الأزمة، رغم وجود تأثيرات غير مباشرة في ظل تشابك المصالح الاقتصادية لدول العالم، مبرزا أن المسؤولين والاقتصاديين العرب ومتخذي القرار شديدو الحرص على عقد لقاءات بشكل مستمر للتنسيق والتشاور لمنع تأثيرات الأزمة على الاقتصاديات العربية.

وفي كلمة بالمناسبة، أبرز رئيس الدورة الحالية، حمود بن سنجور الزدجالي، الرئيس التنفيذي للبنك المركزي العماني، أن هذا الاجتماع يأتي في وقت بلغت فيه الأزمة المالية العالمية حدودا ربما لم تبلغها منذ أزمة الثلاثينيات من القرن الماضي، مشيرا إلى أنه رغم الأزمات المتعددة التي شهدتها بعض مناطق العالم خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أن الأزمة الراهنة "لم تقتصر على إحداث أثر مباشر في المؤسسات التي تعرضت لها، بل امتدت إلى أهم وأكبر المؤسسات المالية العالمية وأسفرت عن خسائر تجاوزت قيمتها المليارات من الدولارات".

وأشار إلى أن الاقتصاديات العربية "تواصل أداءها الجيد" إذ حققت معدلات النمو في الدول العربية مستويات جيدة، كانت في المتوسط خلال السنوات الثلاث الأخيرة أعلى ما تحقق في العقد السابق، كما واصلت الاستثمارات والمعاملات التجارية العربية البينية نموها الملحوظ خلال هذه السنوات.

ومن جهته، نوه الرئيس السابق للمجلس، سنان الشبيبي، محافظ البنك المركزي العراقي، بالأداء الجيد للاقتصاديات العربية وتطوير الاستعمال المالي والرقابة المصرفية، وفق أحدث البرامج والأنظمة المتطورة، مذكرا بالأزمة الراهنة التي يجتازها الاقتصاد العالمي بما فيه اقتصاد الدول المتقدمة.

وتأتي هذه الدورة التي ينظمها بنك المغرب بالتنسيق مع صندوق النقد العربي تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، وتعرف مشاركة جل محافظي المصارف المركزية العربية ورؤساء مؤسسات النقد العربية، وأعضاء من الحكومة المغربية، وكذا السلك الديبلوماسي المعتمد بالمملكة، في ظل الظرفية الدولية العصيبة التي يواجه فيها الاقتصاد العالمي أزمة غير مسبوقة، تهدد حركة النمو واستقرار النظام المصرفي والمالي.

وسينكب المشاركون خلال هذه الدورة على دراسة مجموعة من المواضيع المهمة، من بينها دراسة مسودة التقرير الاقتصادي العربي الموحد الصادر في عام 2008، وتوصيات الاجتماع السابع عشر للجنة الرقابة العربية المصرفية، وتوصيات الاجتماع الرابع للجنة العربية لنظم الدفع والتسوية، ومذكرة حول مشروع لآلية أو ترتيبات إقليمية لمقاصة، وتسوية المدفوعات العربية البينية التي يتعاون بشأنها صندوق النقد العربي مع بنك التسويات الدولية والبنك الدولي.

صاحب الجلالة يؤكد أن المغرب يعرف نموا سريعا ومتواصلا نتيجة الإصلاحات الهيكلية

وجه صاحب الجلالة الملك محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين في أشغال الدورة 32 لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، التي انطلقت أمس الثلاثاء بمدينة مراكش، والتي تلاها عبد اللطيف الجواهري، والي بنك المغرب.

وفي ما يلي نص الرسالة الملكية السامية:


"الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مولانا رسول الله وآله وصحبه

أصحاب المعالي والسعادة، حضرات السيدات والسادة، يسعدنا أن نتوجه بالخطاب إليكم، بمناسبة انعقاد هذه الدورة، لمجلس محافظي المصارف المركزية ومؤسسات النقد العربية، وذلك تقديرا منا لدورها الريادي في توطيد الأسس السليمة للاقتصاد العربي، ولإسهامها في تحقيق التنمية الشاملة لبلداننا الشقيقة، باعتبارها القاعدة الصلبة للعمل العربي المشترك الناجع والحديث.

ومما يضفي على ملتقاكم أهمية خاصة، كونه يلتئم في ظرفية دولية عصيبة، يواجه فيها الاقتصاد العالمي أزمة غير مسبوقة، تهدد حركة النمو، وكذا استقرار النظام المصرفي والمالي.

كما تتسم هذه الظرفية بالضغوطات القوية، التي يفرضها الطلب على أسعار المواد الأولية، والمنتجات الغذائية الأساسية، مما يضاعف من المخاطر المحدقة بالنمو واستقرار الأسعار.

ومما يزيد من حدة هذه الأزمة، تفاقم الاضطرابات على صعيد الأسواق المالية العالمية، نتيجة للانعكاسات الناجمة عن انهيار قطاع الرّهن العقاري بالولايات المتحدة، التي أفضت إلى قيام أزمة ثقة شاملة، على إثر الخسائر الكبرى، التي تكبدتها المؤسسات المصرفية والمالية.

أصحاب المعالي والسعادة، بالرغم من هذا المناخ الاقتصادي العالمي المضطرب، فقد ظل النشاط الاقتصادي في المنطقة العربية، يتسع ويغذي حركية النمو المتصاعدة، بفضل تزايد وتيرة الاستثمار والاستهلاك.

وقد واكب هذا النمو تدعيم التوازنات الأساسية، بالرغم من ارتفاع المستوى العام للأسعار، الذي يعزى إلى تأثير العوامل الخارجية. كما عرف القطاع المصرفي والمالي بالأقطار العربية استقرارا، ولله الحمد، مكنه من تفادي انعكاسات الاضطرابات المالية على الصعيد الدولي.

إلا أن ذلك ينبغي ألا يحجب عنا ضرورة التحلي بالمزيد من اليقظة، واعتماد مراقبة أكثر فاعلية لأسواقنا المالية، والتنسيق المستمر في ما بينها، لنجعل منها نموذجا في مجال المراقبة والإنذار المبكر، المعتمدة في النشاط المالي.

وعلى غرار العديد من الدول العربية الشقيقة، فإن المغرب يعرف، منذ بداية العقد الحالي نموا سريعا ومتواصلا، نتيجة للإصلاحات الهيكلية، التي اعتمدناها، ولنهج وتفعيل سياسات اقتصادية سليمة.

ومن أبرز تجليات ومؤشرات النمو، تحسن مناخ الأعمال، الذي ترتب عنه توسع في الاستثمار، وارتفاع في مستوى المعيشة، مما مكن من تدعيم الاستهلاك الداخلي. كما يعزى هذا النمو أيضا إلى تنوع القاعدة الإنتاجية، وبروز نشاطات جديدة، شكلت قاطرة للنمو، في قطاعات الصناعة والخدمات. كما عملنا على التحكم في التضخم، وتحسين وضعية كل من المالية العمومية والحسابات الخارجية، واستقرار أسعار الصرف.

وبموازاة ذلك، حرصنا على مواصلة تطوير القطاع المصرفي والمالي، فضلا عن تدعيم الرقابة والأنظمة الاحترازية، مما أدى إلى تنمية الأسواق المالية وتوسيع التوظيفات المالية. وكل ذلك في ظل حكامة جيدة، ورقابة حازمة، واستراتيجية هادفة، ينهجها بنك المغرب، في ظل استقلالية مضبوطة، ومهنية عالية، وبما هو مشهود لخديمنا الأرضى، واليه، من حكمة، وحنكة، وعزم وحزم.

وفي نفس السياق، واصلنا نهج انفتاح المغرب على محيطه الدولي، حيث تم إبرام اتفاقيات للتبادل الحر مع الأقطاب الرئيسية للاقتصاد العالمي، وكذا مع دول الحوض المتوسطي. بالإضافة إلى انخراط المغرب، بكل عزم، في تفعيل الاتفاقية المتعلقة بمنطقة التجارة الحرة العربية.

وعلى الصعيد الاجتماعي، فإن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، التي أطلقناها، ونقف ميدانيا على حسن تفعيل أوراشها، قد مكنت من التوفيق بشكل منسجم ما بين النمو الاقتصادي والتطور الاجتماعي، من خلال مشاريع على المدى المتوسط والطويل.

وقد أسهمت هذه المبادرة، بعون الله، وانخراط كل القوى الحية للأمة في برامجها المثمرة، وبشكل كبير، في تعزيز مصادر الدخل القار لدى الفئات الفقيرة، وإحداث مناصب الشغل.

كما أن توجهنا نحو النهوض بالأوضاع الاجتماعية لمواطنينا، وبصفة خاصة لتحسين وضعية الفئات الوسطى، والنهوض بأوضاعها لتبويئها مكانة القاعدة العريضة للمجتمع، محور السياسات العمومية، قد تمت بلورتها في تدابير تستهدف تمتين وتطوير الاستهلاك، وبالتالي تشجيع الاستثمار.

أصحاب المعالي والسعادة، إن المغرب، وعياً منه بأهمية البعد الإقليمي لتطور الاقتصاد العربي، قد أسهم بفعالية في أشغال الندوات الجهوية حول تحرير التجارة والاندماج المالي، ودور القطاع الخاص على مستوى دول الاتحاد المغاربي الخمس.

وفي هذا الصدد، فإن توسيع دائرة المشاريع والبرامج ذات البعد الإقليمي، من شأنه تدعيم الاندماج الاقتصادي بين الدول العربية. لذلك، فإن توفير ظروف التنمية المستدامة في منطقتنا العربية، يستلزم العمل على استغلال كافة الإمكانيات والطاقات، التي تزخر بها بلداننا الشقيقة، وكذا الحرص على تحقيق التناسق بين سياساتنا الاقتصادية.

وفي هذا الإطار، نشيد بالتوجه العربي العام للإسراع في تطبيق إصلاحات هيكلية، وتبني سياسات اقتصادية، ترمي إلى دعم التوازنات الأساسية. كما ننوه بكل المبادرات الهادفة لتكريس استقلالية البنوك المركزية، بالنظر إلى مهامها المتمثلة في تدعيم الاستقرار النقدي، وتعزيز متانة النظام المصرفي، بما يضمن إرساء قواعد ثابتة للتطور الاقتصادي لدولنا.

وعلى الصعيد الدولي، فإننا لنعرب عن ارتياحنا للتوصل إلى اتفاق حول المبادئ والممارسات المتعلقة بصناديق الثروة السيادية، والذي سوف يعرض على اللجنة النقدية والمالية لصندوق النقد الدولي. وسيسمح هذا الاتفاق بتفعيل دور هذه الصناديق، وتمكينها من الإسهام في التخفيف من انعكاسات الأزمة الحالية، التي يعانيها النظام المالي الدولي.

وإننا لواثقون من أن أشغال اجتماعكم الهام سوف تكون لها ثمارها الملموسة، ونتائجها الإيجابية، بحيث ستمكن من تحقيق أهدافنا المشتركة المتمثلة في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق التقدم والرفاهية لشعوبنا.

وإذ نرحب بكافة ممثلي الدول العربية الأشقاء، ضيوفاً مكرمين ببلدهم الثاني المغرب، فإننا ندعو الله تعالى لكم بالسداد في أعمالكم البناءة، والتوفيق في جهودكم الخيرة، لتمتين العمل العربي المشترك، بالمقوم العصري الأساسي، الذي بفضله تحققت التكتلات الاقتصادية القوية والرائدة. إنه العماد المصرفي والمالي، الذي أنتم له حافظون، وعلى صيانته مؤتمنون، ومن أجل تقويته عاملون، وعلى تسخيره لخير بلداننا الشقيقة ساهرون. وهو ما جعل قادة الأمة العربية وشعوبها وقواها الحية والمنتجة بكم معتزين، وشركاءها في مصداقيتكم واثقين.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته".




تابعونا على فيسبوك