عربات الباعة المتجولين تكتسح الشوارع في رمضان

الأحد 14 شتنبر 2008 - 10:09

تتميز شوارع الدارالبيضاء خلال شهر رمضان بانتشار عربات الباعة المتجولين في معظم أحياء المدينة، خصوصا الشعبية منها.

حيث ازدحمت الأزقة والدروب بالعربات الممتلئة بشتى أنواع الخضر والفواكه والمواد الاستهلاكية الأخرى، مثل الجبن، والبسكويت، وعلب الطماطم المعلبة، وعلب الحليب المجفف، والمورتاديلا، وأحيانا الشاي والقهوة. كما أن هناك عربات أخرى تنتشر هنا وهناك تبيع مختلف الأواني المنزلية من مصفاة وصحون ومناديل، يتراوح سعرها ما بين 3 و5 دراهم.

في جولة لـ "المغربية" عبر مختلف الأحياء بالعاصمة الاقتصادية، لوحظ أن عدد عربات الباعة المتجيلون ارتفع إلى حد أصبحت فيه بعض الأزقة تكاد تختنق، وأصبح سكانها يجدون صعوبة كبيرة في المرور والتنقل من مكان إلى آخر. كما استنتج أن انتشار العربات بهذه الأحياء إلى حين اقتراب وقت الإفطار، ثم بعد ذلك إلى حدود آخر ساعات الليل، يتسبب في عدم إمكانية مرور السيارات عبرها، مثل ما هو الحال بالنسبة لبعض أزقة وشوارع حي درب السلطان الفداء، خصوصا قرب قيسارية الحفارين، وسوق الشمال، وساحة السراغنة، وكراج علال، والأزقة المتفرعة عن طريق مديونة، ودرب بوشنتوف، ودرب البلدية، قرب سوق الغرب "سوق الجميعة"، المنطقة التي تنتشر بها التجارة أكثر ربحا من نظيرتها في باقي الأحياء، حيث تعتمد على الترويج لبضاعة مهربة من الشمال، أو لسلع مغربية تدر على مزاوليها نسبة مهمة من الأرباح.

الوضع نفسه تعيشه شوارع وأزقة بأحياء سيدي البرنوصي، والحي المحمدي، خصوصا قرب القيسارية، والأزقة المتفرعة عن شارع علي يعتة، وأيضا بسيدي مومن، والحي الحسني، ودرب غلف، حيث تنتشر العربات المملوءة عن آخرها بالخضر والفواكه والأواني.
وعبر عدد من المواطنين في حديث لـ "المغربية"، أن ما يسبب لهم الإزعاج، ليس فقط انتشار هذه العربات والباعة المتجولين، بل الفوضى وعدم النظام الذي يتسببون فيه، نتيجة عرقلة السير وعدم تخصيص مسالك يمر عبرها، لأنهم يصطفون الواحد تلو الآخر دون مراعاة حق المواطن الذي يتجول عبر السوق في المرور بحرية.

وقالت أمينة الصحراوي، ربة بيت، لـ "المغربية"، إنها منذ وقوع شجار بينها وبين أحد الباعة المتجولين قرب سوق الشمال بدرب السلطان، لم تعد تجرؤ على الخروج وسط النهار لشراء ما ينقصها من مستلزمات، رغم حاجتها الملحة والكبيرة إليها، إذ ذكرت أنها لا ترغب في أن تعيش التجربة نفسها، التي عاشتها أول يوم من رمضان، حين انتقدت البائع المتجول عدم تركه مجالا فسيحا للمارة، وأنه ليس من حقه الاستحواذ على المكان، كما أنه يجب عليه احترام حقوق الغير في المرور واستعمال الطريق، فلم يكن منه إلا أن انهال عليها بالسب والشتم، وكاد يوجه إليها ضربة قوية لولا تدخل بعض المواطنين وزملائه من الباعة المتجولين، الذين آخذوه على تصرفاته المشينة، وطلبوا منها السماح له والمرور من مكان آخر، وعدم ضياع الوقت في الشجار والخصام، خصوصا أنه أول يوم من رمضان، ولا يجوز فيه الشجارمع الآخرين.

وقالت أمينة إنها تخرج كل يوم في الصباح الباكر، قبل أن تزدحم الأزقة وتمتلئ السوق لتقتني ما تريده من حاجيات، تفاديا للمشاكل والمشاداة الكلامية، مشيرة إلى أنها وجدت راحتها في هذا القرار، الذي أنجاها من سوء معاملة بعض الباعة وأبعدها عن الاحتكاك بسلوكهم المشين، خصوصا خلال شهر رمضان، حين تكون أعصاب معظمهم متوترة، نتيجة الامتناع عن التدخين، بالإضافة إلى الجوع والعطش، بسبب قضاء اليوم في الصياح ومناداة الزبناء من المارة.

المشكل ذاته يعانيه عدد من سكان منطقة الحي الحسني، الذين عبروا لـ "المغربية" عن استيائهم الكبير، نتيجة تنامي عربات الباعة المتجولين وتسببهم في الكثير من الفوضى، لدرجة أصبحت حركة المرور تمثل مشكلا كبيرا بالنسبة للسكان وللمارين عبر الحي، حيث يستلزم قضاء ساعات طويلة في انتظار فرصة مرور، جراء اختناق الشوارع والأزقة، الذي ازداد حدة مع ارتفاع عدد السيارات.

وفي إفادة لـ "المغربية"، قالت عايدة (ع.ط)، إن ما تراه اليوم في شوارع الحي الحسني، الذي تقطن فيه أسرتها منذ عهد بعيد، تجاوز الستين سنة، لا يصدق، إذ أنه كان في السابق يتميز بكونه من الأحياء الفسيحة والشوارع غير المزدحمة والمنظمة، مشيرة إلى أن الوضع تغير اليوم، وانقلب رأسا على عقب، إذ حول مجموعة من الباعة المتجولين بعرباتهم فضاءات عمومية إلى أسواق ثابتة، تنطلق من الساعات الأولى للصباح إلى ساعة متأخرة من الليل، وهناك من يستأنف البيع بعد الظهر بين الأحياء، بحثا عن زبائن جدد.

وأضافت أن هؤلاء الباعة الذين يحترفون التجارة على العربات المجروة أو اليدوية، ليسوا كلهم من أبناء الحي نفسه، بل إن جلهم مجموعة من الشباب من ضواحي الدارالبيضاء أو أحيائها الهامشية، الذين ضاقت بهم سبل الحياة، خصوصا مع توالي سنوات الجفاف، وانتشار آفة البطالة، وقلة فرص الشغل، التي تغنيهم عن الهجرة من مناطق سكناهم الأصلية، وتوفير العيش الكريم.

ولا تقتصر مشكلة تنامي عربات الباعة المتجولين، خصوصا خلال شهر رمضان، على هذه الأحياء المذكورة، بل إن الأمر يشمل كل مناطق العاصمة الاقتصادية، حيث يزداد عددهم يوما عن يوم، خصوصا مع غياب مبادرات جادة للحد من انتشارها بطرق عشوائية، حتى في بعض الأحياء التي يصفها البعض بالراقية.

وكانت دراسة أنجزتها المديرية الجهوية للمندوبية السامية للتخطيط، تحدثت عن تنامي عدد الباعة المتجولين في الدارالبيضاء سنويا، كما أظهرت أن عدد الباعة المتجولين على صعيد جهة الدار البيضاء الكبرى يبلغ 128 ألفا و572 شخصا، وهو ما يعادل 10 في المائة من مجموع السكان النشطين.

وأشارت الدراسة نفسها، إلى أن 13 ألفا و310 من الباعة المتجولين يتمركزون بعمالة مقاطعات الفداء مرس السلطان، بمعدل 10 في المائة، مقارنة مع الباعة المتجولين بالجهة.

وأوضحت الدراسة نفسها، التي أنجزت السنة الماضية، أن 95 في المائة من هؤلاء الباعة لا يمارسون نشاطا آخر، و80 في المائة منهم من الذكور، كما أن 86 في المائة منهم يقيمون بالعمالة نفسها، في حين يلتحق ما تبقى منهم بدرب السلطان الفداء، نظرا لمعدلات الرواج التجاري التي يعرفها هذا الحي.

وأكدت الدارسة، التي ركزت على عمالة الفداء مرس السلطان، أنه جرى تحديد 30 نقطة بيع موزعة على مختلف تراب العمالة، وتبين أن عدد الباعة المتجولين يبلغ ذروته يوم الأحد بأكثر من 11 ألفا و235 بائعا متجولا وبائعة.

وأفادت معطيات أخرى أن سكان المناطق، التي ينتشر فيها عدد كبير من الباعة المتجيلون، عبروا عن تخوفاتهم من استفحال الوضع، نتيجة تضاعف عددهم، واحتلالهم للأماكن العمومية عنوة، متحدين في ذلك السكان، وأيضا المسؤولين، وكثيرا ما تنشب الشجارات الحادة بين هؤلاء الباعة والسكان بسبب عدم احترام الحق في المرور، وبسبب استحواذهم على عتبات المنازل واتخاذها مقرا لهم يزاولون فيها نشاطهم التجاري يوميا.

وذكر عبد الإله، بائع متجول، وهو يقف أمام عربته، التي يبيع فيها الفواكه أمام مسجد بحي 2 مارس بدرب السلطان، أن اتخاذه لهذه الطريقة في كسب قوت يومه، جاءت نتيجة عدم تمكنه من الحصول على فرصة عمل قارة لإعالة أسرته.

وأشار إلى أنه يمضي يومه يتجول في المنطقة، بين درب بوشنتوف وقيسارية الحفارين، وساحة السراغنة، مضيفا أنه خلال شهر رمضان، يأتي بعد صلاة العشاء أما المسجد، يترقب كل حركة وسكنة، ولا يدع الكسل يتمكن منه، مصمما العودة إلى منزله ببعض المال لسد رمق أسرته والاستجابة لكل متطلباتها اليومية.

وقال إنه يبقى دائما متيقظا ومستعدا للفرار في كل لحظة ينقض فيها أعوان السلطات المحلية، حتى لا تضيع منه سلعته، موضحا أنه يعاني، مثل العديد من الباعة المتجولين انتقادات أصحاب المحلات التجارية، الذين يتهمونهم بأنهم يتسببون في الفوضى، وانتشار الأزبال، بسبب ترك مخلفات الخضر والفواكه والأسماك التي يتاجرون فيها.

كما أنهم يؤاخذونهم على بيع سلعهم بثمن أقل مما يبيع به صاحب المحل، لأنه لا يحتسب في ثمن السلعة عوامل كراء المحل ولا الضريبة وغيرها من المؤثرات المحددة للأسعار، ما يتسبب في كساد سلع أصحاب المحلات التجارية، بل أكثر من ذلك، فإن بعض أصحاب المحلات التجارية ينتظمون أحيانا في جمعيات للمطالبة بحقوقهم وتقديم شكايات ينددون فيها بتصرفات الباعة المتجولين، بهدف المنافسة غير المتكافئة للباعة المتجولين.
من خلال جولة "المغربية" عبر بعض الأحياء، لوحظ أن هناك عددا من هؤلاء الباعة المتجولين من اتخذ لنفسه مكانا قارا بأحد أحياء المدينة، كما لو أنه امتلكه، فيما يقضي غيرهم يومه يتنقل من مكان إلى مكان حسب ظروف الحي والمكان، الذي يوجد فيه العملاء المحتملون بكثرة، مثل المساجد خاصة بعد صلاة الظهر، وهو وقت الغداء، أو داخل سوق الخضر والفواكه. المعاناة الثانية تتمثل في لعبة شد الحبل بينهم وبين رجال الأمن، خصوصا عند إصدار الأوامر لهم من رؤسائهم، بخصوص طردهم شر طردة، أو حجز عرباتهم بطرق عنيفة، بل إنه يحدث أن يجري حجز البائع نفسه. لكن المهم من هذا وذاك معاناة المواطنين جراء انتشار الفوضى بسبب عدم احترام معظم هؤلاء الباعة لحدودهم.




تابعونا على فيسبوك